تونس بين خيارين

تونس بين خيارين
عمر حلمي الغول

في الذكرى الخامسة للثورة التونسية، التي أسقطت نظام زين العبدين بن علي، شهدت تونس تطورات عاصفة، هي اشبه بما حدث مع محمد بوعزيزي نهاية 2010، حيث تم صعق الشاب رضا اليحياوي (28 عاما)  في مدينة القصرين، وهو يتسلق على عامود كهرباء امام مبنى الولاية، لان اسمه شطب من قائمة المشمولين بالعمل، مما أدى إلى وفاته يوم السبت الموافق السادس عشر من يناير، مما اشعل فتيل التظاهرات في العديد من المدن التونسية، التي أخذت في الايام الاخيرة تستعيد هدوئها النسبي، رغم إستمرار الاعتصامات والاحتجاجات بما في ذلك لرجال الامن.

مما لا شك فيه، ان الثورة التونسية، خلال الاعوام الخمسة الماضية، كانت محل تربص من قبل القوى الدولية والاقليمية وادواتها التكفيرية الاسلاموية، التي ساءها تمكن الشعب التونسي وقواه السياسية الحية من إنقاذ تونس الدولة والنظام السياسي الديمقراطي من براثن الفتنة والتقسيم. مما حدا بالعالم الاقرار والاعتراف للقادة التونسيين بالعرفان على دورهم الريادي في إنقاذ بلدهم، ومنح اربعة منهم جائزة نوبل للسلام.

غير ان المنطق العقلي عند قراءة الاحتجاجات، لا يقبل قصرها على العوامل الخارجية، وبالتالي تملي الضرورة لوضع اليد على العوامل الداخلية، التي أدت اليها، ومنها: اولا تصعيد الاعمال الارهابية في أكثر من موقع سياحي، لضرب السياحة، التي تشكل احد اهم موارد الدخل الوطني التونسي؛ ثانيا وقوع الوطن التونسي في ازمة إقتصادية حادة، تركت بصماتها على برنامج الحكومة، وحال دون تمكنها من الاستجابة لحاجات الشعب، وخاصة البطالة، التي تضاعفت مؤخرا؛ ثالثا شهد الائتلاف الحاكم "نداء تونس" تناقضات، أدت لاستقالة (22) نائبا منه، وإنضمام جزء كبير منهم لحركة النهضة التونسية الاسلامية، التي تحتل الموقع الثاني في الكتل البرلمانية؛ رابعا تعمق التباينات والتناقضات بعدما ترأس نجل الرئيس التونسي، حافظ قائد السبسي "نداء تونس". مما اثار ردود فعل غاضبة في اوساط الكتلة البرلمانية، ودفعهم للاستقالة، لانهم إعتبروا ذلك شكلا من اشكال التوريث المرفوض، والذي لا يقبل القسمة على التجربة التونسية التاريخية والراهنة؛ خامسا الخوف من عودة النظام الاسلاموي بقيادة النهضة ومن لف لفها.

هذه العوامل وغيرها ساهمت في خلق المناخ الملائم للاحتجاجات، وهنا جاء دور القوى المتربصة بالثورة والنظام السياسي الديمقراطي بالتحريض،  وصب الزيت على نار المظاهرات، وفتح ابواب المدن والولايات للصوص والحشاشين وقطاع الطرق، لكي يستبيحوا الاسواق والمحال التجارية واماكن السياحة، مما حدا بالحكومة لفرض منع التجول في البلاد، واعتقال المئات من أعداء البلاد والثورة على حد سواء.

بالتأكيد على حكومة الحبيب الصيد مسؤوليات كبيرة تجاه العاطلين عن العمل ورجال الامن، ورفع مستوى المعيشة في الجمهورية التونسية، حتى ينسجم دورها مع اهداف ومطالب ابناء ثورة الياسمين. وإقالة المعتمد الاول في ولاية القصرين لا يكفي للرد على الاحتجاجات، بل من الضروري وضع رؤية برنامجية لابعاد شبح الفتنة والحرب التكفيرية عن تونس، والعمل على اشراك القوى الوطنية والديمقراطية كلها، بالاضافة لتسوية الاوضاع داخل الائتلاف الحاكم "نداء تونس"، والعمل على إستعادة النواب، الذين غادروا الكتلة النيابية إن أمكن.

تونس بين خيارين، فاما ان تنهض من خلال تعاضد كل ابناءها من مختلف الاتجاهات الوطنية والقومية والديمقراطية لحماية وحدة البلاد وتطور العملية الديمقراطية داخل الجمهورية التونسية. وقيام الحكومة بدورها الوطني عبر الاصغاء جيدا لنبض الشارع، وقطع الطريق على من يريد بتونس الشر والفجيعة؛ او ترك الابواب مشرعة للظلاميين التكفيريين، الذين لا يريدوا الخير لها.

[email protected]

[email protected]