البرد يجمد أطراف ساكني الكرفانات

غزة - دنيا الوطن - محمد الغورانى
تجلس الأربعينية عايدة عبيد، على مقعد خشبي عتيق على الرمال الصفراء، وفي يدها إبريق شاي اكتسى باللون الأسود بعد وضعه على الحطب ساعات طويلة، وعلى الأرض بعض قطع الإسفنج الذائبة التي استخدمتها لغسل الأواني بعد إعدادها وجبة طعام لأكثر من 24 فردًا في "الكرفان" الذي تعيش فيه شرق بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة. عبيد لم تكترث لهذه الأجواء الباردة بفعل المنخفض الجوي الذي يضرب المنطقة، وواصلت الأعمال المنزلية، في وقت انتشر فيه أبناؤها الصغار لجمع أكبر قدر ممكن من الصناديق الورقية والخشب لإشعال النيران للشعور بالدفء ولو لفترات قصيرة في بداية يومهم.وتقول عبيد وهي ترتدي جلابية من الصوف وتضع على رأسها غطاء خفيفًا: "نعاني الأمرين في الكرفانات فلا شيء يقينا مياه الأمطار التي اجتاحت الغرف، حتى أصبحنا نستيقظ من النوم على صوت المياه تدخل من جميع الجهات".وتشير عبيد التي كانت تعيش في بيت مكون من 4 طوابق إلى غمر المياه للفراش والملابس والأغطية الموجودة داخل الكرفانات، ما جعل من استخدامها مجددًا أمرًا صعبًا.وتضيف بعد أن أشارت إلى نجلها الصغير الذي لم يتجاوز الثلاثة أعوام: "نعيش في كرفان واحد مع أسرتي التي يقدر عدد أفرادها 14 فردًا، لا يستطيع أحد التنفس أو الحركة إلا بصعوبة". وتشاركها جارتها أم أحمد الكفارنة في الحديث، وتقول: "لا يوجد راحة في الكرفانات أبدًا كل يوم نموت ألف مرة ولا أحد يلتفت إلى وضعنا، كل ما يتحدثون به وعود فقط بإعادة الإعمار ويأتي الشتاء والصيف ونعاني الأمرين ولا أحد يساعدنا بشيء". وتضيف الكفارنة والتي لم تجد مكانًا تنشر فيه غسيلها كي تتمكن من توفير الملابس لأبنائها في ظل البرد: "بعد أن كنا نمتلك بيوتًا مرتبة ومنمقة أصبحنا نعيش في غرف من ألواح الزينكو لا تقي من البرد أبدًا، أطرافنا لا تدفئ أبدًا، جميع أبنائنا مرضى وكل ما نستطيع فعله هو إشعال النيران خارج الكرفان كي نشعر بقليل من الدفء، حتى أننا نخاف أن نضع النار داخل الكرفان كي لا نتعرض لحوادث حريق أو اختناق لا سمح الله". وتتابع قولها وهي تحاول تدفئة صغيرتها ذات الأعوام الأربعة: "حتى الكهرباء غير متوافرة لتشغيل المدفئة كل شيء في الكرفان لا يوحي بالحياة لا نعلم إلى متى سنبقى على هذا الحال؟! نضع البطانيات على الشباك كي لا يدخل الهواء إلينا ولكن دون فائدة". أطفال مرضى
وتحاول أم مازن أبو عودة جمع أكبر قدر ممكن من الأخشاب والأوراق لإعداد خبز الصاج لأطفالها. وتقول: "انتظرت الكهرباء طويلًا كي أعد الخبز لأبنائي، لكن للأسف تأخرت فقررت صنع خبز الصاج لهم".وتضيف أبو عودة: "يتحول الكرفان إلى غرفة مظلمة جدًا لا نستطيع الجلوس فيها، حتى أبنائي يهربون منها للعب في الرمال والمياه، منذ بداية المنخفض والمكان تحول إلى بركة مياه كبيرة لم نستطع الخروج منها".وتتابع: "ينام أطفالنا في غرفة لا تزيد مساحتها على مترين فقط، لدينا 3 أطفال مرضى بالقلب يحتاجون للدفء، ولكن هنا لا يوجد للدفء مكان أبدًا"، مشيرةً إلى وضع ابنتها ذات الأشهر التسعة في بيت عمتها أمس الأول، حتى تجنبها المرض في هذه الأجواء.وفي السياق، تتخوف أم محمد شاهين (39 عامًا)، من استمرار المنخفض الجوي لأيام عدة، فهي تعاني الأمرين في الكرفان الذي تعيش فيه. وتعيش شاهين مع زوجها وأبنائها في كرفان لا تزيد مساحته على 30 مترًا، ويفتقر إلى أدنى مقومات الحياة وتدخل عليه المياه من جميع الجهات غير أنه قد يتعرض للانهيار في حال زادت حدة الموجة وتساقطت الأمطار بغزارة عليه. شاهين أشعلت النيران خارج منزلها استعدادًا لجلسة هادئة مع أطفالها وزوجها بعد ساعات العصر ليأخذوا قسطًا من الراحة بعد عناء يومٍ طويل في الغسيل وإعداد الطعام ومحاولة إيجاد حل لمياه الأمطار التي لا تتوقف عن اجتياح الكرفان.