ترشيح جعجع لعون لا يلغي تاريخاً من الحروب والخصومات
رام الله - دنيا الوطن - وكالات
كان تاريخ 18 أغسطس/ آب 1988 موعداً لانعقاد جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانبة آنذاك. والمرشح الجدي الوحيد هو سليمان حميد فرنجية الذي سبق أن شغل منصب رئاسة الجمهورية بين عامي 1970 و1976. وكان فرنجية الجد - كما يلقب للتمييز بينه وبينه حفيده سليمان - أقرب الحلفاء السياسيين لسوريا وكانت تربطه صداقة شخصية مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.
لم تكن الأجواء توحي يومها بأن الجلسة ستنتهي إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، فالوساطة الأمريكية التي كان يقودها الموفد الأمريكي ريتشارد ميرفي مع سوريا للتوصل إلى اسم توافق عليه، فشلت.
وطلبت يومها سوريا من الأمريكيين نقل أربعة إلى خمسة أسماء من الجانب المسيحي للاتفاق على واحد منها، لكن الاتفاق لم يتم على أي منها.
وكان الأسد الأب قد أبلغ ميرفي تحفظاته على مجموعة الأسماء التي نُقلت إليه، بما فيها اسم قائد الجيش يومها ميشال عون. كما أبلغه أن سوريا تؤيد صديقها سليمان فرنجية إذا ما رغب في الترشح للرئاسة مرة أخرى.
وكان فرنجية الجد في الصف الحليف لسوريا، وفي خصومة سياسية ودموية حادة مع سمير جعجع بسبب مجزرة أهدن التي شارك وأصيب فيها جعجع، وانتهت بمقتل نجل فرنجية طوني وزوجته وابنته، بينما نجا الحفيد سليمان من تلك المجزرة، وهو الذي دخل، فيما بعد، المعترك السياسي من موقع الحليف لسوريا والصديق الشخصي لبشار حافظ الأسد.
وفشل المسعى الأمريكي مع سوريا للتوصل إلى اسم توافقي يُنتخب في جلسة 18 أغسطس/آب آنذاك. وبينما كان رئيس المجلس وقتها حسين الحسيني يستعد لإعلان إرجاء الجلسة، خرج فرنجية الجد وأعلن ترشيحه للرئاسة، سويعات قليلة قبل موعد الجلسة، فبات المرشح الوحيد فيها.
الجميل أمر قائد الجيش ميشال عون بإغلاق الطرق أمام حضور النواب جلسة المجلسوفور إعلان الترشح، انتشر مقاتلو القوات اللبنانية في كل المناطق الشرقية التي كانوا يسيطرون عليها، ولا سيما في محيط منازل النواب لمنعهم من التوجه إلى المجلس النيابي. وعمدوا إلى إقفال معبر المتحف الذي كان يربط شطري العاصمة لمنعهم من الوصول إلى المجلس النيابي المؤقت، الذي كان يقع عند خط التماس في المنطقة العازلة بين المنطقتين الشرقية والغربية لبيروت.
كما أمر أمين الجميل قائد الجيش يومها ميشال عون، بالشيء نفسه.
وتوجه النواب القاطنون في الشطر الغربي لبيروت إلى المجلس النيابي المؤقت، لكن الجلسة لم تنعقد لعدم اكتمال النصاب.
ويومها التقى الثلاثة، جعجع وعون والجميل على رفض سليمان فرنجية وإن كانت الأسباب مختلفة: عون لأنه كان مرشحا للرئاسة، والجميل لأنه كان يطمح إلى التمديد لولايته، وجعجع بسبب الخصومة الدموية مع عائلة فرنجية.
نسخة جديدةواليوم وبعد 28 عاما، تتكرر الأجواء نفسها بنفس الأسماء والأشخاص، مع فارق واحد هو أن فرنجية المرفوض اليوم هو حفيد فرنجية الذي رُفض عام 88. وكل واحد لديه أسبابه الشبيهة بأسباب الرفض عام 88، وإن كان موقف الجميل اليوم غير معبر عنه بوضوح، من ناحية رفض فرنجية الحفيد مع تحفظ ظاهر.
بعد اغتيال الحريري عاد عون من المنفى وخرج جعجع من السجنوظن الجميع، قبل أسابيع قليلة، وتحديدا في الأسبوعين الأخيرين من العام الحالي، أن الفراغ الرئاسي أُنقذ بإعلان سعد الحريري ترشيح سليمان طوني فرنجية لرئاسة الجمهورية، لأن اسما كهذا لا يمكن أن يرفضه حزب الله ولا فريق سوريا.
لكن الترشيح قوبل بتحفظ ولم يُقابل بخطوة موازية من قبل الفريق المقرب من سوريا وحزب الله.
وفي المقابل أثار هذا الترشيح غضب الدائرة اللصيقة للحريري وعلى رأسها جعجع، للخصومة الحادة مع فرنجية بسبب مجزرة أهدن وما تلاها. ولأن جعجع يمثل الفريق المسيحي الأبرز في تحالف 14 آذار، واعتبر الترشيح طعنة ضده جاءت من دون تنسيق وتخطت تسميته مرشحا لرئاسة الجمهورية من قبل هذا الفريق.
وشكل ترشيح جعجع لعون خطوة صادمة في إطار سعيه لقطع الطريق على فرنجية. فالعلاقة بين القوات وتيار عون لم تدخل نطاق المصالحة بعد، عقب المعارك المسلحة الطاحنة بين الفريقين عام 89، والتي أدت إلى سقوط مئات القتلى وتدمير واسع للممتلكات.
فالتنسيق الذي تم عام 88 بين عون وجعجع لقطع الطريق على انتخاب سليمان فرنجية، لم يشكل حلفا طويل الامد. فقد انتهت ولاية أمين الجميل يومها من دون انتخاب رئيس، وعمد الجميل في ربع الساعة الأخير من عهده ، إلى تشكيل حكومة عسكرية برئاسة ميشال عون قائد الجيش آنذاك.
وقد شكلت هذه الخطوة بداية التباينات في الشارع المسيحي، ولاسيما بين عون وجعجع من جهة، وعون والجميل من جهة أخرى، بسبب رفض جعجع تشكيل حكومة انتقالية عسكرية وميله إلى تشكيل حكومة تكنوقراط أو سياسية.
وتطورت العلاقات سلبا إلى أن وقع الصدام المسلح بين الجيش اللبناني بقيادة رئيس الحكومة العسكرية ميشال عون وسمير جعجع قائد ميليشا القوات اللبنانية التي تفوق بقدراتها قوة الجيش اللبناني العسكرية. وأُطلق على هذا الصدام المسلح يومها اسم 'حرب الإلغاء'، وهي حرب أدت إلى فرز المنطقة الشرقية بين نفوذين عسكريين، واحد للجيش وآخر للقوات اللبنانية.
ثم امتد هذا الخلاف الميداني، ليصبح خلافا سياسيا عندما أعلن جعجع عام 1990 موافقته على اتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الأهلية برعاية عربية ودولية. ويومها أعلن عون تمرده عليه، وانتهى بقصف الطائرات السورية القصر الجمهوري الذي كان يتمركز فيه، فلجأ إلى السفارة الفرنسية، ثم نُفي إلى باريس بقرار غير مسبوق من مجلس النواب اللبناني. وأعلن جعجع تشكيل حزب القوات اللبنانية، وسلم سلاح ميليشياته، ودخل في الحياة العامة عبر تسمية وزراء له في حكومات ما بعد الطائف إلى أن أُدخل السجن بتهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994 حيث بقي 11 عاما رغم تبرئته منها.
ومع اغتيال رفيق الحريري والتطورات التي تلته، وعلى رأسها انسحاب سوريا من لبنان، عاد عون من المنفى وخرج جعجع من السجن وبقيت العلاقة بين الرجلين على خصومتها، بل زادت حدة الخلاف مع انضمام عون إلى تحالف بقيادة حزب الله.
رفض عون في 1990 اتفاق الطائف وأعلن تمرده عليهلقد شكلت خطوة ترشيح عون خطوة الحد الأقصى بالنسبة لجعجع لتعكس استعداده للذهاب إلى أبعد الحدود لقطع الطريق على انتخاب سليمان فرنجية رئيسا للجمهورية.
كما يعد هذا الترشيح عاملا جديدا تشهده الساحة اللبنانية سيزيد من ضبابية مستقبل الرئاسة الأولى في لبنان. ولكن هذا الترشيح عكس في الوقت نفسه إلى أي مدى تدور السياسية اللبنانية في دائرة الوجوه نفسها والأحداث نفسها. فالعوامل تتجدد، لكن الوجوه والأحداث تتكرر.
فكما التقى جعجع-عون على قطع الطريق على انتخاب سليمان الجد بإجراءات ميدانية على الأرض عام 88، هاهما يلتقيان اليوم وبعد 28 عاما لقطع الطريق على فرنجية الحفيد لنفس الأسباب تماما، ولكن بإجراءات سياسية هي الوحيدة الممكنة اليوم.
كان تاريخ 18 أغسطس/ آب 1988 موعداً لانعقاد جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانبة آنذاك. والمرشح الجدي الوحيد هو سليمان حميد فرنجية الذي سبق أن شغل منصب رئاسة الجمهورية بين عامي 1970 و1976. وكان فرنجية الجد - كما يلقب للتمييز بينه وبينه حفيده سليمان - أقرب الحلفاء السياسيين لسوريا وكانت تربطه صداقة شخصية مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.
لم تكن الأجواء توحي يومها بأن الجلسة ستنتهي إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، فالوساطة الأمريكية التي كان يقودها الموفد الأمريكي ريتشارد ميرفي مع سوريا للتوصل إلى اسم توافق عليه، فشلت.
وطلبت يومها سوريا من الأمريكيين نقل أربعة إلى خمسة أسماء من الجانب المسيحي للاتفاق على واحد منها، لكن الاتفاق لم يتم على أي منها.
وكان الأسد الأب قد أبلغ ميرفي تحفظاته على مجموعة الأسماء التي نُقلت إليه، بما فيها اسم قائد الجيش يومها ميشال عون. كما أبلغه أن سوريا تؤيد صديقها سليمان فرنجية إذا ما رغب في الترشح للرئاسة مرة أخرى.
وكان فرنجية الجد في الصف الحليف لسوريا، وفي خصومة سياسية ودموية حادة مع سمير جعجع بسبب مجزرة أهدن التي شارك وأصيب فيها جعجع، وانتهت بمقتل نجل فرنجية طوني وزوجته وابنته، بينما نجا الحفيد سليمان من تلك المجزرة، وهو الذي دخل، فيما بعد، المعترك السياسي من موقع الحليف لسوريا والصديق الشخصي لبشار حافظ الأسد.
وفشل المسعى الأمريكي مع سوريا للتوصل إلى اسم توافقي يُنتخب في جلسة 18 أغسطس/آب آنذاك. وبينما كان رئيس المجلس وقتها حسين الحسيني يستعد لإعلان إرجاء الجلسة، خرج فرنجية الجد وأعلن ترشيحه للرئاسة، سويعات قليلة قبل موعد الجلسة، فبات المرشح الوحيد فيها.
الجميل أمر قائد الجيش ميشال عون بإغلاق الطرق أمام حضور النواب جلسة المجلسوفور إعلان الترشح، انتشر مقاتلو القوات اللبنانية في كل المناطق الشرقية التي كانوا يسيطرون عليها، ولا سيما في محيط منازل النواب لمنعهم من التوجه إلى المجلس النيابي. وعمدوا إلى إقفال معبر المتحف الذي كان يربط شطري العاصمة لمنعهم من الوصول إلى المجلس النيابي المؤقت، الذي كان يقع عند خط التماس في المنطقة العازلة بين المنطقتين الشرقية والغربية لبيروت.
كما أمر أمين الجميل قائد الجيش يومها ميشال عون، بالشيء نفسه.
وتوجه النواب القاطنون في الشطر الغربي لبيروت إلى المجلس النيابي المؤقت، لكن الجلسة لم تنعقد لعدم اكتمال النصاب.
ويومها التقى الثلاثة، جعجع وعون والجميل على رفض سليمان فرنجية وإن كانت الأسباب مختلفة: عون لأنه كان مرشحا للرئاسة، والجميل لأنه كان يطمح إلى التمديد لولايته، وجعجع بسبب الخصومة الدموية مع عائلة فرنجية.
نسخة جديدةواليوم وبعد 28 عاما، تتكرر الأجواء نفسها بنفس الأسماء والأشخاص، مع فارق واحد هو أن فرنجية المرفوض اليوم هو حفيد فرنجية الذي رُفض عام 88. وكل واحد لديه أسبابه الشبيهة بأسباب الرفض عام 88، وإن كان موقف الجميل اليوم غير معبر عنه بوضوح، من ناحية رفض فرنجية الحفيد مع تحفظ ظاهر.
بعد اغتيال الحريري عاد عون من المنفى وخرج جعجع من السجنوظن الجميع، قبل أسابيع قليلة، وتحديدا في الأسبوعين الأخيرين من العام الحالي، أن الفراغ الرئاسي أُنقذ بإعلان سعد الحريري ترشيح سليمان طوني فرنجية لرئاسة الجمهورية، لأن اسما كهذا لا يمكن أن يرفضه حزب الله ولا فريق سوريا.
لكن الترشيح قوبل بتحفظ ولم يُقابل بخطوة موازية من قبل الفريق المقرب من سوريا وحزب الله.
وفي المقابل أثار هذا الترشيح غضب الدائرة اللصيقة للحريري وعلى رأسها جعجع، للخصومة الحادة مع فرنجية بسبب مجزرة أهدن وما تلاها. ولأن جعجع يمثل الفريق المسيحي الأبرز في تحالف 14 آذار، واعتبر الترشيح طعنة ضده جاءت من دون تنسيق وتخطت تسميته مرشحا لرئاسة الجمهورية من قبل هذا الفريق.
وشكل ترشيح جعجع لعون خطوة صادمة في إطار سعيه لقطع الطريق على فرنجية. فالعلاقة بين القوات وتيار عون لم تدخل نطاق المصالحة بعد، عقب المعارك المسلحة الطاحنة بين الفريقين عام 89، والتي أدت إلى سقوط مئات القتلى وتدمير واسع للممتلكات.
فالتنسيق الذي تم عام 88 بين عون وجعجع لقطع الطريق على انتخاب سليمان فرنجية، لم يشكل حلفا طويل الامد. فقد انتهت ولاية أمين الجميل يومها من دون انتخاب رئيس، وعمد الجميل في ربع الساعة الأخير من عهده ، إلى تشكيل حكومة عسكرية برئاسة ميشال عون قائد الجيش آنذاك.
وقد شكلت هذه الخطوة بداية التباينات في الشارع المسيحي، ولاسيما بين عون وجعجع من جهة، وعون والجميل من جهة أخرى، بسبب رفض جعجع تشكيل حكومة انتقالية عسكرية وميله إلى تشكيل حكومة تكنوقراط أو سياسية.
وتطورت العلاقات سلبا إلى أن وقع الصدام المسلح بين الجيش اللبناني بقيادة رئيس الحكومة العسكرية ميشال عون وسمير جعجع قائد ميليشا القوات اللبنانية التي تفوق بقدراتها قوة الجيش اللبناني العسكرية. وأُطلق على هذا الصدام المسلح يومها اسم 'حرب الإلغاء'، وهي حرب أدت إلى فرز المنطقة الشرقية بين نفوذين عسكريين، واحد للجيش وآخر للقوات اللبنانية.
ثم امتد هذا الخلاف الميداني، ليصبح خلافا سياسيا عندما أعلن جعجع عام 1990 موافقته على اتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الأهلية برعاية عربية ودولية. ويومها أعلن عون تمرده عليه، وانتهى بقصف الطائرات السورية القصر الجمهوري الذي كان يتمركز فيه، فلجأ إلى السفارة الفرنسية، ثم نُفي إلى باريس بقرار غير مسبوق من مجلس النواب اللبناني. وأعلن جعجع تشكيل حزب القوات اللبنانية، وسلم سلاح ميليشياته، ودخل في الحياة العامة عبر تسمية وزراء له في حكومات ما بعد الطائف إلى أن أُدخل السجن بتهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994 حيث بقي 11 عاما رغم تبرئته منها.
ومع اغتيال رفيق الحريري والتطورات التي تلته، وعلى رأسها انسحاب سوريا من لبنان، عاد عون من المنفى وخرج جعجع من السجن وبقيت العلاقة بين الرجلين على خصومتها، بل زادت حدة الخلاف مع انضمام عون إلى تحالف بقيادة حزب الله.
رفض عون في 1990 اتفاق الطائف وأعلن تمرده عليهلقد شكلت خطوة ترشيح عون خطوة الحد الأقصى بالنسبة لجعجع لتعكس استعداده للذهاب إلى أبعد الحدود لقطع الطريق على انتخاب سليمان فرنجية رئيسا للجمهورية.
كما يعد هذا الترشيح عاملا جديدا تشهده الساحة اللبنانية سيزيد من ضبابية مستقبل الرئاسة الأولى في لبنان. ولكن هذا الترشيح عكس في الوقت نفسه إلى أي مدى تدور السياسية اللبنانية في دائرة الوجوه نفسها والأحداث نفسها. فالعوامل تتجدد، لكن الوجوه والأحداث تتكرر.
فكما التقى جعجع-عون على قطع الطريق على انتخاب سليمان الجد بإجراءات ميدانية على الأرض عام 88، هاهما يلتقيان اليوم وبعد 28 عاما لقطع الطريق على فرنجية الحفيد لنفس الأسباب تماما، ولكن بإجراءات سياسية هي الوحيدة الممكنة اليوم.

التعليقات