إما فراعنة وإما أنبياء
إما فراعنة وإما أنبياء
مقال بقلم: النائب مسعود غنايم – رئيس كتلة القائمة المشتركة
رئيس حزب الوحدة العربية (الحركة الإسلامية)
في دنيا العرب والمسلمين لا يوجد خط وسط أو منطقة وسطى بين القداسة والدناسة، فأنت إما شيطان رجيم، أو ملاك من ملائكة الرحمن المنزهة الطاهرة النقية التي لا تخطئ ولا تعصي.
لقد خلق الله الإنسان لا ليكون ملاكًا أو شيطانًا، بل خلقه ليحقق إنسانيته عن طريق تعاليمه ووصاياه، والتي وإن طبقها فهو لن يصبح ملاكًا طاهرًا، بل سيبقى إنسانًا يُصيب ويخطئ. وهذه هي حلاة وعظمة خلقه؛ لأنه دائما هو بحاجة إلى الله ليغفر له وليوجهه إلى طريق الخير والرشاد.
نحن نحاول دائمًا إلغاء الإنسان وشطبه عن قائمة مخلوقات الكون وذلك تسهيلا لمهمتنا الجديدة في فرز عالم الملائكة والشيطان، وفي إعلان الحرب على هذا أو ذاك. فالكون له لونان فقط: إما أسود أو أبيض، وعلى محور الأسود والأبيض تصبح المهمة سهلة في تصنيف الناس وفي الحكم عليهم. لا تعب ولا نصب ولا حاجة لإعمال الفكر أو الضمير أو الإيمان في تشريح الكائن البشري، وفي تصنيفه لا يوجد منطقة رمادية، ولا يوجد ميزان السلبيات والإيجابيات، فأنت إما... وإما...
يعتبر القرآن الكريم كتاب الإنسان والذي من خلاله قدّم نماذج وأمثلة وحالات عن طبائع البشر وعن طبيعة الإنسان. ومن هذه الطبائع الثابتة وغير المتغيرة والتي أوردها القرآن الكريم في المشهد الأول من مشاهد خلق آدم جدنا وأبينا الأول، والتي جرت أثناء وجوده مع شريكته وزوجته ونصفه الثاني حواء في الجنة، مشهد إغواء إبليس له ولزوجته بأكل الثمرة التي أوصاه الله بعدم الاقتراب منها. وبالمناسبة، رواية القرآن الكريم على خلاف الرواية التوراتية لا تتهم حواء بأنها سبب المعصية أو سبب إغواء آدم، بل تضع المسئولية على الزوجين آدم وحواء.
في الجنة كانت الشجرة المحرّمة رمزًا لكل ما حرم الله ولكل ما يُغري الإنسان منذ آدم حتى يوم القيامة. ومنذ المشهد الأول فشل آدم في الامتحان، واستطاع إبليس أن يُفشله وأن يُغويه، لأنه وعده بخصلتين وبأمرين هما أكثر ما يُغري الإنسان وأكثر ما يوقعه في المعاصي، بل سبب هلاكه وفقدانه لإنسانيته، إنهما: حب البقاء والخلود، وحب الملك والسلطة. فقال إبليس مغريًا آدم للأكل من الشجرة المحرمة: "هل أدُلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى". نعم إنه الخلود والأبدية، إنها السلطة المطلقة والاستبداد الذي يسقط في براثنه وفي شباكه كل إنسان ويفقد إنسانيته.
إن ما يجري في العالم العربي والإسلامي بل وفي مجتمعاتنا من نزاعات ومن مصائب، تعود في كثير من الأحيان إلى الرغبة في السلطة والاستبداد وفي التجبّر على الناس وعلى الخلق. إن ما يسود في دنيا العرب والمسلمين من أنظمة حكم ومن مفاهيم سياسية واجتماعية تدور في معظمها حول النظرية الفرعونية التي فصّلها القرآن الكريم محذرًا منها. إنها "الأيديولوجيا" الاستبدادية الأولى التي أوصلت فرعون إلى أقصى مداها بقوله: "أنا ربكم الأعلى"، وقوله: "لا أريكم إلا ما أرى". أليس هناك الكثيرون من الزعماء والرؤساء والملوك الذين يهتدون بنظرية فرعون المذكورة، والتي من خلالها لا يحق للشعب ولا للأفراد أن يختاروا ما يريدون، والخيار والرؤية هي لصاحب السيف والسلطان وولي النعمة؟!
بالمقابل أخذت تتبلور مقابل هذه النظرية الفرعونية الاستبدادية التجبّرية التي تلغي الإنسان وتجعله مجرد حجر على رقعة الشطرنج يحرّكها الفرعون كما يشاء، أخذت تتبلور نظرية خطيرة تريد أن تجعل من المعارضين ومن المحاربين لهؤلاء الفراعنة أنبياء معصومين يوحى لهم من السماء، لا يُسألون عما يفعلون. وهؤلاء أيضا يمثّلون انحرافًا عن الخط الإنساني الإيماني، والذي يجعل من نفسه نبيًا وينصّب نفسه قاضيًا وجلادًا، ويضع كرسيه إلى جانب عرش الرحمن ليقرر مَن في الجنة ومَن في النار، وليقرر مَن هو المسلم ومَن هو غير المسلم، وليجعل من نفسه سوط الله على الأرض، أو سيف الله المنتقم من أعداه. هو أيضا يسقط في براثن الرؤية الفرعونية من حيث لا يدري وهو أيضا مجرد رد فعل مقابل، يستبد ويتجبّر باسم العناية الإلهية.
إن الذي يريد أن يحارب الشياطين يجب أن يعلم أنه يستطيع التغلب عليهم بإنسانيته، لا بملائكيته. ولا يمكن للإنسان ولا للملاك أن يستبيح دماء الأبرياء بحجة محاربة الشياطين والفراعنة.
لقد بعث الله تعالى النبي موسى عليه السلام إلى فرعون لينقذ قومه من الظلم والاضطهاد، فبماذا أوصاه؟ هل قال له: دمّر عرش فرعون عن طريق قتل رعاياه المصريين البسطاء؟ هل قال له: احمل سيفك واقطع رؤوس المصفقين لفرعون الخاضعين بسبب الخوف والرعب لحكمه وسلطانه؟. قال له موصيا: "فقولا له قولًا ليّنًا لعلّه يتذكّر أو يخشى". قولًا لينًّا، بالتي هي أحسن، بالكلمة، بالإقناع، لعله يقتنع ويتذكر أنه إنسان ومخلوق من مخلوقات الله فيخاف من عقاب الله ويتراجع عن غيّه وظلمه.
إن محاربة الاستبداد وطرد الفراعنة لا يمكن أن ينجح بفرعنة مقابلة، مهما كانت المسميات والشعارات واليافطات. وطريق الدماء سوف تنتهي بالمزيد من الدماء وبفقدان الإنسان. وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم خيرَ مثال وأفضلَ نموذج للتعامل مع الآخرين، سواءً كانوا كفارًا أم منافقين. وقد قال كلمته المشهورة التي يجب أن يتخذها مَن يدّعي الاقتداء به والسير على دربه قاعدة، فعندما ظهر النفاق في المدينة على يد عبدالله بن أبي سلول، نصحه بعض الصحابة بقتله، فقال: "أخشى أن تقول العرب إنّ محمدًا يَقتل أصحابه، سنحسن صحبته ما دام معنا". صدق رسول الله. فهل يَفهم رسالته الفراعنة والأنبياء ويعودوا إلى رشدهم وإنسانيتهم؟.
مقال بقلم: النائب مسعود غنايم – رئيس كتلة القائمة المشتركة
رئيس حزب الوحدة العربية (الحركة الإسلامية)
في دنيا العرب والمسلمين لا يوجد خط وسط أو منطقة وسطى بين القداسة والدناسة، فأنت إما شيطان رجيم، أو ملاك من ملائكة الرحمن المنزهة الطاهرة النقية التي لا تخطئ ولا تعصي.
لقد خلق الله الإنسان لا ليكون ملاكًا أو شيطانًا، بل خلقه ليحقق إنسانيته عن طريق تعاليمه ووصاياه، والتي وإن طبقها فهو لن يصبح ملاكًا طاهرًا، بل سيبقى إنسانًا يُصيب ويخطئ. وهذه هي حلاة وعظمة خلقه؛ لأنه دائما هو بحاجة إلى الله ليغفر له وليوجهه إلى طريق الخير والرشاد.
نحن نحاول دائمًا إلغاء الإنسان وشطبه عن قائمة مخلوقات الكون وذلك تسهيلا لمهمتنا الجديدة في فرز عالم الملائكة والشيطان، وفي إعلان الحرب على هذا أو ذاك. فالكون له لونان فقط: إما أسود أو أبيض، وعلى محور الأسود والأبيض تصبح المهمة سهلة في تصنيف الناس وفي الحكم عليهم. لا تعب ولا نصب ولا حاجة لإعمال الفكر أو الضمير أو الإيمان في تشريح الكائن البشري، وفي تصنيفه لا يوجد منطقة رمادية، ولا يوجد ميزان السلبيات والإيجابيات، فأنت إما... وإما...
يعتبر القرآن الكريم كتاب الإنسان والذي من خلاله قدّم نماذج وأمثلة وحالات عن طبائع البشر وعن طبيعة الإنسان. ومن هذه الطبائع الثابتة وغير المتغيرة والتي أوردها القرآن الكريم في المشهد الأول من مشاهد خلق آدم جدنا وأبينا الأول، والتي جرت أثناء وجوده مع شريكته وزوجته ونصفه الثاني حواء في الجنة، مشهد إغواء إبليس له ولزوجته بأكل الثمرة التي أوصاه الله بعدم الاقتراب منها. وبالمناسبة، رواية القرآن الكريم على خلاف الرواية التوراتية لا تتهم حواء بأنها سبب المعصية أو سبب إغواء آدم، بل تضع المسئولية على الزوجين آدم وحواء.
في الجنة كانت الشجرة المحرّمة رمزًا لكل ما حرم الله ولكل ما يُغري الإنسان منذ آدم حتى يوم القيامة. ومنذ المشهد الأول فشل آدم في الامتحان، واستطاع إبليس أن يُفشله وأن يُغويه، لأنه وعده بخصلتين وبأمرين هما أكثر ما يُغري الإنسان وأكثر ما يوقعه في المعاصي، بل سبب هلاكه وفقدانه لإنسانيته، إنهما: حب البقاء والخلود، وحب الملك والسلطة. فقال إبليس مغريًا آدم للأكل من الشجرة المحرمة: "هل أدُلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى". نعم إنه الخلود والأبدية، إنها السلطة المطلقة والاستبداد الذي يسقط في براثنه وفي شباكه كل إنسان ويفقد إنسانيته.
إن ما يجري في العالم العربي والإسلامي بل وفي مجتمعاتنا من نزاعات ومن مصائب، تعود في كثير من الأحيان إلى الرغبة في السلطة والاستبداد وفي التجبّر على الناس وعلى الخلق. إن ما يسود في دنيا العرب والمسلمين من أنظمة حكم ومن مفاهيم سياسية واجتماعية تدور في معظمها حول النظرية الفرعونية التي فصّلها القرآن الكريم محذرًا منها. إنها "الأيديولوجيا" الاستبدادية الأولى التي أوصلت فرعون إلى أقصى مداها بقوله: "أنا ربكم الأعلى"، وقوله: "لا أريكم إلا ما أرى". أليس هناك الكثيرون من الزعماء والرؤساء والملوك الذين يهتدون بنظرية فرعون المذكورة، والتي من خلالها لا يحق للشعب ولا للأفراد أن يختاروا ما يريدون، والخيار والرؤية هي لصاحب السيف والسلطان وولي النعمة؟!
بالمقابل أخذت تتبلور مقابل هذه النظرية الفرعونية الاستبدادية التجبّرية التي تلغي الإنسان وتجعله مجرد حجر على رقعة الشطرنج يحرّكها الفرعون كما يشاء، أخذت تتبلور نظرية خطيرة تريد أن تجعل من المعارضين ومن المحاربين لهؤلاء الفراعنة أنبياء معصومين يوحى لهم من السماء، لا يُسألون عما يفعلون. وهؤلاء أيضا يمثّلون انحرافًا عن الخط الإنساني الإيماني، والذي يجعل من نفسه نبيًا وينصّب نفسه قاضيًا وجلادًا، ويضع كرسيه إلى جانب عرش الرحمن ليقرر مَن في الجنة ومَن في النار، وليقرر مَن هو المسلم ومَن هو غير المسلم، وليجعل من نفسه سوط الله على الأرض، أو سيف الله المنتقم من أعداه. هو أيضا يسقط في براثن الرؤية الفرعونية من حيث لا يدري وهو أيضا مجرد رد فعل مقابل، يستبد ويتجبّر باسم العناية الإلهية.
إن الذي يريد أن يحارب الشياطين يجب أن يعلم أنه يستطيع التغلب عليهم بإنسانيته، لا بملائكيته. ولا يمكن للإنسان ولا للملاك أن يستبيح دماء الأبرياء بحجة محاربة الشياطين والفراعنة.
لقد بعث الله تعالى النبي موسى عليه السلام إلى فرعون لينقذ قومه من الظلم والاضطهاد، فبماذا أوصاه؟ هل قال له: دمّر عرش فرعون عن طريق قتل رعاياه المصريين البسطاء؟ هل قال له: احمل سيفك واقطع رؤوس المصفقين لفرعون الخاضعين بسبب الخوف والرعب لحكمه وسلطانه؟. قال له موصيا: "فقولا له قولًا ليّنًا لعلّه يتذكّر أو يخشى". قولًا لينًّا، بالتي هي أحسن، بالكلمة، بالإقناع، لعله يقتنع ويتذكر أنه إنسان ومخلوق من مخلوقات الله فيخاف من عقاب الله ويتراجع عن غيّه وظلمه.
إن محاربة الاستبداد وطرد الفراعنة لا يمكن أن ينجح بفرعنة مقابلة، مهما كانت المسميات والشعارات واليافطات. وطريق الدماء سوف تنتهي بالمزيد من الدماء وبفقدان الإنسان. وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم خيرَ مثال وأفضلَ نموذج للتعامل مع الآخرين، سواءً كانوا كفارًا أم منافقين. وقد قال كلمته المشهورة التي يجب أن يتخذها مَن يدّعي الاقتداء به والسير على دربه قاعدة، فعندما ظهر النفاق في المدينة على يد عبدالله بن أبي سلول، نصحه بعض الصحابة بقتله، فقال: "أخشى أن تقول العرب إنّ محمدًا يَقتل أصحابه، سنحسن صحبته ما دام معنا". صدق رسول الله. فهل يَفهم رسالته الفراعنة والأنبياء ويعودوا إلى رشدهم وإنسانيتهم؟.
