فكرة عظيمة وممارسة بائسة
فكرة عظيمة وممارسة بائسة
عمر حلمي الغول
حين يقف المراقب غير المنتمي لحركة فتح، ليتتبع مسيرة الحركة القائدة لمسيرة التحرر الوطني، مذ كانت فكرة راودت مجموعة من المناضلين إلى يوم الدنيا هذا. يجد ان هناك فرقا شاسعا ومتزايدا بين لحظة الانطلاقة وما تلاها من إنجازات على الصعيدين التنظيمي والسياسي والكفاحي، حيث تمكنت حمل راية الوطنية إسوة بالقوى القائمة آنذاك، وإن تميزت عنها بعدم ربط إطلاق الرصاصة الاولى بالقرار الرسمي العربي، وأكدت على اولوية القرار الوطني المستقل. مع انها لاحقا في المحطات الوطنية، وبعد إستلامها مركز القرار الفلسطيني في منظمة التحرير عام 1968، حرصت على التنسيق مع القوى الرسمية العربية. لكنها بقدر ما حرصت على التنسيق بقدر ما ناورت ولم تسلم الرأس الوطنية لهذا النظام او ذاك. وأبقت مسافة بين التعاون والتكامل وبين الاستقلالية، وأبقت الناظم الاستشرافي عن المصالح الوطنية، هو الاساس لبوصلة كفاحها.
حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" تميزت ايضاعلى الصعيد التنظيمي بالابتعاد الكلي عن الصبغة الايديولوجية الضيقة، وفتحت ابوابها التنظيمية امام كل اصحاب الرؤى والافكار والمدارس الفكرية، من المدرسة الدينية إلى الاتجاهات القومية المختلفة وحتى الفرق اليسارية بتلاوينها المتشعبة وما بين هذه المشارب من يمين ويسار ووسط، وركزت على القضية الفلسطينية الجامعة واهداف المشروع الوطني، كناظم للكل التنظيمي والوطني. حتى ان الرئيس الشهيد ياسر عرفات، قال ذات مرة "من ليس له تنظيم، فهو "فتح" بالضرورة." غير ان هذه الميزة العبقرية في التحشيد الوطني لتحقيق الاهداف الوطنية في العودة وتقرير المصير والحرية والاستقلال، على ما فيها ايجابيات، غير انها أضعفت الطابع التنظيمي، وغاب دور النواة الصلبة او لنقل إقتصرت على المجموعة الاولى "الابوات"، الذين حملوا الراية في البدايات. وجلهم سعى لتوسيع دائرة نفوذه من خلال موقعه، فشكل تياره او "عشيرته" التنظيمية. اضف إلى ان البعض لعب على البعد المناطقي الضيق على حساب الطابع الوطني الجامع. مما فتح الباب امام الاتجاهات الانتهازية والمجموعات النفعية والمحسوبيات والاستزلام وغيرها من الامراض.
ومع تقدم وتطور وتسييد حركة فتح في الساحة الوطنية، وبغياب عملية الضبط التنظيمي، وترك الباب مفتوحا على الغارب لكل من هب ودب، إتسعت الهوة بين عظمة الفكرة، التي اطلقتها الحركة وبين الممارسة العملية. ومع ولوج مرحلة السلطة الوطنية، بات البون شاسعا بين عبقرية الانطلاقة وآليات العمل اليومي في مجالات الحياة المختلفة. مع ان القيادة الفتحاوية الوطنية، بقيت ومازالت ممسكة بناصية المشروع الوطني، ولم تحد للحظة عنه، غير أنها فشلت في العملية التنظيمية، وبعض فشلها جاء برغبة عميقة عند الرأس الاول، الذي حرص على التفرد أكثر فاكثر بالقرار، فغاب دور القيادة الجماعية الفتحاوية والوطنية (منظمة التحرير). وزادت التباينات وحالة التشظي في اوساط تياراتها. وامست الحسابات الشخصية، هي المسألة الحاسمة في الترتيبات الداخلية والوطنية.
مما لا شك فيه، ان حركة فتح، ليست القوة السياسية الوحيدة، التي عانت من هذا التناقض. فكل القوى والاحزاب في بلدان العالم اجمع، تختلف من مرحلة لاخرى، فما ان تضع اي قوة سياسية يدها على مركز القرار، وتمسك بمقاليد السلطة هنا او هناك، حتى تدخل منعرج مغاير لما بدأته من حياتها، وتنتقل عدوى التفرد وتغييب الهيئات المركزية والوسيطة. ويصبح الناظم لهذا القائد او ذاك، المصالح الضيقة. إلآ ان العامل الاخطر، عند زعماء العالم الثالث، الذين لم يتمثلوا الروح الديمقراطية، وتحكمهم نزعاتهم الخاصة، سقوطهم في براثن "الانا" على حساب "النحن"، لان السلطة تغري، وغالبا تعمي البصيرة، وتفقد الحاكم التمييز بين ما هو مشروع وغير مشروع. وتلعب البطانة المحيطة بهذا القائد او ذاك دورا مهما في صناعة القرار. فإن كانت موضوعية وايجابية، تساهم في ترشيد القرار، والعكس صحيح.
حركة "فتح" صاحبة الفكرة العظيمة وقعت اسيرة ممارسات وسلوكيات خاطئة، مما ضاعف من عملية التشظي داخلها. فهل تستعيد قياداتها وكوادرها مجد العلاقة بين عظمة الفكرة وعظمة الممارسة، كي لا تغيب العظمتين، وتعيد الاعتبار لكل ما المظاهر الايجابية، وتقرب المسافة نحو الانعتاق من إزالة الاحتلال والانقلاب.
عمر حلمي الغول
حين يقف المراقب غير المنتمي لحركة فتح، ليتتبع مسيرة الحركة القائدة لمسيرة التحرر الوطني، مذ كانت فكرة راودت مجموعة من المناضلين إلى يوم الدنيا هذا. يجد ان هناك فرقا شاسعا ومتزايدا بين لحظة الانطلاقة وما تلاها من إنجازات على الصعيدين التنظيمي والسياسي والكفاحي، حيث تمكنت حمل راية الوطنية إسوة بالقوى القائمة آنذاك، وإن تميزت عنها بعدم ربط إطلاق الرصاصة الاولى بالقرار الرسمي العربي، وأكدت على اولوية القرار الوطني المستقل. مع انها لاحقا في المحطات الوطنية، وبعد إستلامها مركز القرار الفلسطيني في منظمة التحرير عام 1968، حرصت على التنسيق مع القوى الرسمية العربية. لكنها بقدر ما حرصت على التنسيق بقدر ما ناورت ولم تسلم الرأس الوطنية لهذا النظام او ذاك. وأبقت مسافة بين التعاون والتكامل وبين الاستقلالية، وأبقت الناظم الاستشرافي عن المصالح الوطنية، هو الاساس لبوصلة كفاحها.
حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" تميزت ايضاعلى الصعيد التنظيمي بالابتعاد الكلي عن الصبغة الايديولوجية الضيقة، وفتحت ابوابها التنظيمية امام كل اصحاب الرؤى والافكار والمدارس الفكرية، من المدرسة الدينية إلى الاتجاهات القومية المختلفة وحتى الفرق اليسارية بتلاوينها المتشعبة وما بين هذه المشارب من يمين ويسار ووسط، وركزت على القضية الفلسطينية الجامعة واهداف المشروع الوطني، كناظم للكل التنظيمي والوطني. حتى ان الرئيس الشهيد ياسر عرفات، قال ذات مرة "من ليس له تنظيم، فهو "فتح" بالضرورة." غير ان هذه الميزة العبقرية في التحشيد الوطني لتحقيق الاهداف الوطنية في العودة وتقرير المصير والحرية والاستقلال، على ما فيها ايجابيات، غير انها أضعفت الطابع التنظيمي، وغاب دور النواة الصلبة او لنقل إقتصرت على المجموعة الاولى "الابوات"، الذين حملوا الراية في البدايات. وجلهم سعى لتوسيع دائرة نفوذه من خلال موقعه، فشكل تياره او "عشيرته" التنظيمية. اضف إلى ان البعض لعب على البعد المناطقي الضيق على حساب الطابع الوطني الجامع. مما فتح الباب امام الاتجاهات الانتهازية والمجموعات النفعية والمحسوبيات والاستزلام وغيرها من الامراض.
ومع تقدم وتطور وتسييد حركة فتح في الساحة الوطنية، وبغياب عملية الضبط التنظيمي، وترك الباب مفتوحا على الغارب لكل من هب ودب، إتسعت الهوة بين عظمة الفكرة، التي اطلقتها الحركة وبين الممارسة العملية. ومع ولوج مرحلة السلطة الوطنية، بات البون شاسعا بين عبقرية الانطلاقة وآليات العمل اليومي في مجالات الحياة المختلفة. مع ان القيادة الفتحاوية الوطنية، بقيت ومازالت ممسكة بناصية المشروع الوطني، ولم تحد للحظة عنه، غير أنها فشلت في العملية التنظيمية، وبعض فشلها جاء برغبة عميقة عند الرأس الاول، الذي حرص على التفرد أكثر فاكثر بالقرار، فغاب دور القيادة الجماعية الفتحاوية والوطنية (منظمة التحرير). وزادت التباينات وحالة التشظي في اوساط تياراتها. وامست الحسابات الشخصية، هي المسألة الحاسمة في الترتيبات الداخلية والوطنية.
مما لا شك فيه، ان حركة فتح، ليست القوة السياسية الوحيدة، التي عانت من هذا التناقض. فكل القوى والاحزاب في بلدان العالم اجمع، تختلف من مرحلة لاخرى، فما ان تضع اي قوة سياسية يدها على مركز القرار، وتمسك بمقاليد السلطة هنا او هناك، حتى تدخل منعرج مغاير لما بدأته من حياتها، وتنتقل عدوى التفرد وتغييب الهيئات المركزية والوسيطة. ويصبح الناظم لهذا القائد او ذاك، المصالح الضيقة. إلآ ان العامل الاخطر، عند زعماء العالم الثالث، الذين لم يتمثلوا الروح الديمقراطية، وتحكمهم نزعاتهم الخاصة، سقوطهم في براثن "الانا" على حساب "النحن"، لان السلطة تغري، وغالبا تعمي البصيرة، وتفقد الحاكم التمييز بين ما هو مشروع وغير مشروع. وتلعب البطانة المحيطة بهذا القائد او ذاك دورا مهما في صناعة القرار. فإن كانت موضوعية وايجابية، تساهم في ترشيد القرار، والعكس صحيح.
حركة "فتح" صاحبة الفكرة العظيمة وقعت اسيرة ممارسات وسلوكيات خاطئة، مما ضاعف من عملية التشظي داخلها. فهل تستعيد قياداتها وكوادرها مجد العلاقة بين عظمة الفكرة وعظمة الممارسة، كي لا تغيب العظمتين، وتعيد الاعتبار لكل ما المظاهر الايجابية، وتقرب المسافة نحو الانعتاق من إزالة الاحتلال والانقلاب.
