"الحبة على باب السجن" : غياب مراكز الرعاية يفاقم ظاهرة الإدمان في غزة

"الحبة على باب السجن" : غياب مراكز الرعاية يفاقم ظاهرة الإدمان في غزة
خاص دنيا الوطن 
من علي دوله  

حاول الشاب الثلاثيين محمد أبو عرب من سكان مدينة غزة أن يعالج نفسه من الإدمان على المخدرات داخل المنزل بمساعدة عائلته، ولكن محاولاته باءت بالفشل، بسبب عدم وجود مراكزَ ومصَحاتٍ خاصةٍ بالمُدمنين، ليستمر في التعاطي على مدار 4 سنوات متتالية، دون أن تسعفه فترة الحبس التي امتدت 4 شهور منتهية في الخامس من شهر يناير الحالي. 

محمد ليس وحده من لم يجد العلاجَ المناسب للإدمان في غزة، فنتيجة لعدم اكتمال فترة العلاجِ اللازمة للتخلّصِ من الإدمان، وعدمُ توفُّرِ الأساليبِ المتعارف عليها في غزة، لا تتحقق النتائجَ المرجوة لتوقف الإدمان خلال فترات العلاج أو الحبس االتي يتعرض لها المدمن، ليعود غالبية المدمنين لما كانوا عليه في السابق، وهو ما حدث مع محمد الذي عاد للتعاطي منذ اليوم الأول للإفراج.

الحبة على باب السجن

البعض يجد في الضرب والتعنيف وسيلة لكبح جماح المتعاطين، ولكنهم لا يدركون أن تلك الأساليب لا يمكن لها أن تضع حدا للإدمان، ولكنهم لا يعلمون، فهي تعد طرقا خاطئة، وتزيد إصرار المدمن على التعاطي، وهذا ما أثبتته دنيا الوطن من خلال رصد عدد من متعاطي المخدرات والعقاقير الخطرة الذين تم سجنهم ومعاقبتهم في المراكز التابعة لمكافحة المخدرات بقطاع غزة.

الشاب "م.ه" البالغ من العمر 26 عاما أحد ضحايا عقار الترامادول، والذي حكم عليه بالسجن لمدة ستة أشهر متتالية بعد إلقاء القبض عليه، بتهمة ترويج وتعاطي المخدرات، اعتقد أن تلك الفترة كافية لعلاجه من الإدمان، ولكن جدران السجن لم تحرك سفنه كما كان يشتهي، فالأسلوب الذي اتبع معه بالسجن حال دون علاجه حسب تعبيره. 

ويقول في حديثه "لدنيا الوطن "بعد أن حبست ظننت أن السجن سيكون المكان المناسب لمساعدتي في التخلص من الإدمان، في ظل غياب وجود مراكز خاص لعلاج الإدمان، ولكني وجدت العكس تماماً، فلم يقدموا لنا أي نوع من أنواع الرعاية والعلاج، فعندما كنت أصاب بالأوجاع الناجمة عن عدم تعاطي جرعات الترمادول، فلم أحصل إلا على مسكنات يتناولها أي شخص يصاب بصداع أو ألم في أسنانه، ومثل هذه الأدوية لا تتناسب مع حالتي".

 ويضيف:" السجن لم يكن بيئة مناسبة للإقلاع عن الإدمان، فكنت أتعرض للشتم، والضرب دائماً، ففي كل مرة كنت أطلب علاج لكي اقلع عن الإدمان، أتعرض للإهانة، ويخبروني أنني أقبع في سجن وليس داخل مصحة". 

مرت شهور السجن قاسية وكأنه سنوات طويلة على الشاب "م,ه"، ليضطر إلى تناول عقار الترمادول مجرد أن أصبح خلف أسوار السجن، ليخفف من أوجاع جسده التي زادت خلال فترة حبسه.

أساليب خاطئة

إذا كان المدمن يمتلك الإرادة الكاملة للإقلاع عن الإدمان، كخطوة أساسية في العلاج، فإن عزيمته ستنهار مجرد تعرضه للعنف والعقاب الجسدي. 

وعن ذلك يقول مدير مستشفى غزة للصحة النفسية عايش سمور،" إن المشكلة الرئيسية تكمن في الإرادة والاقتناع لدى المدمن بضرورة التخلص من التعاطي، ولكن المشكلة الأخطر هي العنف في علاج المدمن بحبسه وضربه والتضييق، فزيادة الضغوط النفسية عليه تزيد من إصراره على الإدمان، وتعقد عملية علاجه".

ويضيف لدنيا الوطن :" إن الأساليب المتبعة مع المدمنين سواء في مراكز المكافحة، أو داخل المنزل خاطئة، فلذلك نجد الكثير ممن الذين سجنوا يعودون للإدمان بعد خروجهم من السجن مباشرة، وكذلك الأمر مع الذين تفرض عليهم إقامة جبرية داخل البيت". 

علاج المدمنين على المخدرات والعقاقير الخطرة وخاصة الترمادول لا يكتمل إلا من خلال 3 مراحل هامة يفترض أن يمر بها المدمن، فالمرحلة الأولى الخاصة بسحب المخدر من الجسم تصل إلى 15 يوما وفقا لكمية الجرعة التي كان يتعطاها المدمن.

ويوضح سمور أن تلك الفترة حساسة في علاج المدمن نظرا لتوقفه بشكل مفاجئ عن التعاطي، حيث يحتاج تناول الأدوية التي تخفف من أعراض الإنسحاب وأوجاع التوقف عن المخدرات، بالإضافة المهدئات وحبوب المنوم.

وبالإنتقال إلى المرحلة الثانية والتي تعد مرحلة التشجيع وزيادة الدافعية للاستمرار في العلاج، فلم يكن لها أن تتم بدون متابعة المريض من قبل أخصائي نفسي، وذلك لارتباط تلك المرحلة ارتباطا وثيقا بسابقتها، والتي يحتاج فيها المدمن إلى الدعم النفسي والتخلص من الاكتبئاب بعد انسحاب سموم المخدرات من جسده.

وفيما يعتلق بالمرحلة الثالثة من علاج الإدمان، يقول مدير مستشفى غزة للصحة النفسية:" إن الخطوة الأخيرة في علاج المدمن تعد الأخطر، فإن لم تكتمل تنهار كافة الجهود السابقة، حيث تعد مرحلة العلاج السلوكي والمعرفي لتغيير المعتقدات والأفكار الخاطئة المتعلقة باستخدام المخدرات، والنظرة تجاه النفس والمجتمع".

ويوضح أن العلاج النفسي قد يتم من خلال جلسات العلاج الفردى أو الجماعي وبمعاونة المجموعات المعاونة، التى تتكون من مجموعة من الأشخاص سابقى الإدمان ولكنهم أقلعوا عنها الآن وفيها يتم تبادل الخبرات وتقديم الدعم للأشخاص الآخرين.

ويشير إلى أن جميع المراحل الخاصة في الإقلاع عن تعاطي المخدرات لا يمكن لها أن تكتمل في ظل استمرار الأساليب الخاطئة في العلاج، وإتباع أنماط سلوكية معقدة مع المدمن ، فالعلاج يحتاج إلى جهود وإمكانيات كبيرة لمواجهة خطر الإدمان، وهو ما تفتقر إليه غزة، بسبب الغياب الواضح لمراكز الرعاية الخاصة بعلاج المدمنين.

ويشدد مدير مستشفى غزة للصحة النفسية على ضرورة وجود مؤسسة رسمية صحية تضمن اخضاع المدمنين للفطام بطرق علمية،  فقطاع غزة الذي يزيد عدد سكانه عن مليون و800 ألف نسمة لا يوجد به مصحات لعلاج الإدمان، بل المتوفر مراكز تصرف الدواء كأي صيدلية .

غياب المراكز الخاصة في رعاية وعلاج الإدمان في غزة تعود إلى عدم تطبيق القاونين المتعلقة بالمخدرات، فقد حمل البند رقم 6 من المادة 32 للقانون الفلسطيني نصا واضحا بوجوب إنشاء الصندوق الوطني لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، أما البند السابع فنص على وجود لجنة الإشراف والرعاية وهي لجنة تختص بمتابعة المتعاطيين الذين تأمر المحكمة بإيداعهم في مصحات خاصة لتوفير العلاج الطبي والنفسي والاجتماعي بدلا من تنفيذ عقوبة الحبس. 

ونجد أن المادة 32 التي تنص على أنه لا تقوم الدعوة الجنائية على من يتقدم للجنة الإشراف من تلقاء نفسه من متعاطي المواد المخدرة للعلاج ويبقى في هذه الحالة خاضعا للعلاج في المصحة حتى تقرر لجنة الإشراف القرار اللازم-غير مفعلة على اعتبار أنه لا يوجد لجنة إشراف تعمل في القطاع.