حكومة العبادي تتاجر برواتب العراقيين و تقاعدهم

حكومة العبادي تتاجر برواتب العراقيين و تقاعدهم
رام الله - دنيا الوطن - المهندس ستار علي
تبدو حكومة العبادي متخطبة مرتبكة في تعاملها مع ملف الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلد و كل ما قامت به هو ألقاء اللوم على حكومة المالكي و كأن العبادي لم يكن رئيس اللجنة المالية في البرلمان طول فترة حكم المالكي.

إن قيام العبادي بالقاء اللوم على المالكي هو و بكل بساطة تصرف طفولي و صبياني. فنحن كعراقيين نبحث عن حل للمشكلة  التي التهمت رواتبنا و تقاعدنا و لا يهمنا أن يتبادل أطرافها الاتهام و الشتائم و الاهانات! نحن نريد رواتبنا كاملة بل نريد زيادة رواتبنا و مخصصاتنا و تأسيس نظام للفوائد و المنافع الاجتماعية أسوة بغيرنا من دول العالم. نريد ضمان تدفق تقاعدنا بسهولة و يسير دون المعاناة الروتينية التي نمر بها كما نريد زيادة تقاعدنا سنوياً كما تفعل كل الدول في العالم. و أنا أقصد دولاً مثل الكويت، لبنان، قطر، سوريا، مصر، الامارات، الاردن، البحرين. كل هذه الدول تمنح موظفيها و متقاعديها " غلاء معيشة"  وهي زيادة دورية تترواح ما بين 10-20% من قيمة الراتب أو التقاعد. بل أن الكويت تمنح المتقاعدة تلقائيا 80% من راتبها بغض النظر عن كونها متزوجة أم لا. صيانة لكرامة المرأة و حماية لها من العوز و الحاجة.

لقد انخفضت اسعار النفط في كل دول العالم بما فيها دول الخليج التي لا تملك سوى النفط كمصدر لتمويل الانفاق العام. فالكويت و السعودية و الامارات و البحرين لا تملك أراضي زراعية بل تعاني من أزمة مياه حادة ، حيث لا تمتلك إي منها أنهار كبرى فنهر الفرات هو ثاني أكبر نهر في العالم. كل هذه الدول لم تقم بتخفيض رواتب موظفيها أو النيل من تقاعدهم، في نفس الوقت الذي تقدم نفسها على أنها حكومة ديمقراطية جاءت لتحق الحق و العدل بعد سنين من الظلم و العدوان.

إن حكومة العبادي تتصرف و كأنها تتحيين الفرص و تتربص بالعراقيين للنيل من إي مصدر يوفر لهم شيء من الطمأنينة و الآمان فرواتب الموظفين وتقاعدهم هي الأنجاز الوحيد المتبقي من كل ما يسمى بالتغيير الديمقراطي. فالبلد يخلو من الخدمات الاساسية من ماء و كهرباء و محطات تصريف المياه ، الشرطة و الجيش عاجزة عن حماية المواطنين فالأمان مفقود، قطاع الصحة و المستشفيات يعج بالاوبئة و الامراض بدلاً من أن يكون مصدرا للخدمة الصحية. و الآن فقد خسرالعراقيون رواتبهم و تقاعدهم تحت ذريعة " الاصلاحات" .

أن حكومة العبادي هي أول حكومة في تاريخ العراق الحديث التي تقوم بالتعدي على رواتب الموظفين و المتقاعدين العراقيين. نعم أن ما تقوم به حكومة العبادي هو تعدي و تصرف غير قانوني و تجاوز غير مشروع على اصحاب الحق. و لذلك لم تقم به إي حكومة من قبل. فالعهد الملكي أحترم حقوق الموظفين و صرف لهم رواتب مجزية تكفيهم بدء حياة كريمة و ضَمِن لهم تقاعد مجزي بدون تعقيدات روتينية ، بل كانوا يستلمون تقاعدهم معززين مكرمين. أما الزعيم عبد الكريم قاسم فقد منح خصومه السياسيين تقاعد مجزي لهم و لعوائلهم مما بشكل أظهره بمظهر رجل الدولة القدير.  

و لعل أشد ما يؤسف له أن نظام صدام المقبور لم يقم بالتجاوز على رواتب الموظفين رغم أنه زج العراق بحروب أكلت ميزانية الدولة بأكملها. فربما لا يعرف رجال العهد الجديد—كونهم و على رأسهم العبادي تركوا العراق و تجنسوا بجنسيات اجنبية فالعبادي هو رئيس الوزراء الوحيد في العالم الذي يمتلك جنسيتين عراقية و بريطانية—أن العراقيين كانوا يستلمون رواتب و تقاعد أثناء الحرب العراقية – الايرانية البغيضة. و أستمر الحال اثناء حرب الكويت، صحيح، أن الرواتب أصبحت لا قيمة لها أثناء فترة الحصار الاقتصادي لكن النظام نفسه لم يقم بتخفيضها أو تنزيلها.

و مع ذلك فلابد من مناقشة أعذار الحكومة لتخفيض الرواتب و قطع التقاعد. فالحكومة تحتج بانخفاض اسعار و بالتالي لا يوجد واردات لتمويل الميزانية. و لكن الغريب أن اسعار النفط أنخفضت في كل أنحاء العالم و لم تعلن إي من الدول عجزها عن دفع رواتب موظفيها! أسعار النفط أنخفضت في دول الخليج التي تعتمد على النفط فقط كمصدر وحيد للتمويل فلماذا لم تقم كل هذه الدول بالتجاوز على  رواتب موظفيها تخفيضها و التعدي على تقاعدهم  كنوع من " الاصلاح الديمقراطي" ؟ لماذا لم ينهار الاقتصاد فيها رغم أنهيار أسعار النفط؟ لماذا لم تعلن حالة التقشف في كل من الكويت و السعودية و الامارات و قطر و البحرين؟ بل أن المواطنين في هذه الدول يعيشون حياتهم بشكل طبيعي و كأنه لا توجد أزمة ! في حين أن المواطن العراقي لا ينام الليل خوفا من قطع مصدر رزقه؟ ما الذي فعلته حكومة الكويت لتبقى قادرة على دفع رواتب موظيفها و تقاعدهم بل أن حكومة الكويت تدفع 10% غلاء معيشة كل سنة ؟ ما الذي قامت به السعودية و أرضها صحراء جرداء لا نبع فيها و لاماء؟ لابد أن الله رحم هذه الدولة و لم يبتليها باصلاحات حكومة العبادي التي تدعمها الكتل السياسية و المرجعية !!! و الأدهى من ذلك أن العراق أستلم فائض على ميزانيته مقداره تسعين مليار دولار في عام 2007 ! المليار ألف مليون. 

أي ان العراق استلم تسعين ألف مليون دولار. والله أن هذا المبلغ يكفي لتمويل العالم العربي لعشر سنين قادمة. فمثلاَ ميزانية الاردن 11 مليار دولار. فكم سنة تكيفهم 90 مليار؟ إن مبلغ تسعين ملياردولار يكفي لتمويل الاردن لمدة تسع و سبعين سنة قادمة – قرن من الزمن تقريبا- يدفعون رواتب و تقاعد و ماء و كهرباء و أمن!!! فأين ذهبت هذه الاموال الطائلة؟ إذا كان العبادي يريد القول أن المالكي سرقها، وقد يكون، فالعبادي شريك أساسي في الجريمة لأن العبادي كان رئيس اللجنة المالية في البرلمان وقتها وكان يتوجب عليه سؤال المالكي عن مصير هذه الاموال و يطالبه بتقديم التقرير المالي عن كيفية صرفها! و الآن العبادي يتلقى نفس المعاملة فهو لحد هذه اللحظة لم يقدم التقرير الختامي أو النصف سنوي عن ميزانية عام 2015 و البالغة 105 مليار دولار كما لم يطالبه أحد بتقديم أي تقرير.

حكومة العبادي تطالب الموظفين بالادخار. حسناَ لماذا لم تبادر الحكومة الرشيدة نفسها بالادخار؟ لا يمكن الاحتجاج بانها حكومة حديثة النشأة فالعبادي كان رئيس اللجنة المالية في البرلمان  طوال حكم المالكي و كان عليه توجيه حكومة المالكي للبدء الادخار. و مع ذلك لو أن حكومة العبادي أدخرت مليار واحد من ميزانية عام 2015 لكانت ضمنت تدفق رواتب الموظفين لكن الحكومة مشغولة بضمان تدفق الموارد لحزب الدعوة.

حقيقة أزمة العراق تتخلص في أن ميزانية الدولة تصرف على حزب الدعوة و رجال حزب الدعوة. ورواتب الموظفين تعوض من تصدير النفط و لكن انخفاض اسعار النفط أربك حزب الدعوة فلم يعد قادرا على تغطية الفرق. و لهذا عجز عن تسديد الرواتب فلو كانت الميزانية تصرف على العراقيين لتمكنت حكومة العبادي من تسديد الرواتب. فمثلا كم مقر يملك حزب الدعوة؟ مقر في كل محافظة على الاقل بل أكثر من مقر في المحافظات المهمة. كل مقر مؤثث بافخم الاثاث و مجهز بالحاسبات يحرس الحرس و يعج بالموظفين و الخدم و السواق. سؤالي هل تم تنزيل راتب حارس واحد من حارس حزب الدعوة؟ هل تم طرد 123 قيادي بحجة الفساد كما تم طرد 123 وكيل ووزير في يوم واحد!!! طبعا لا بل أن الوكلاء و المدراء المطرودين تم تعويضهم من قيادات حزب الدعوة!! هل تم دمــــــــــــج مقرات حزب الدعوة؟ هل تم أغلاق قنوات حزب الدعوة قناة بلادي التي يجري تعيين كوادرها في مراكز قيادية في وزارة الخارجية!! و كأن ما حصلوا عليه من امتيازات في قناة بلادي غير كافي. ماذا عن قناة آفاق. كم هي الكلفة التشغيلية لقناة آفاق؟ كم موظف و أعلامي و مذيع و كم تبلغ رواتبهم و هل تم تخفيضها أو المساس بها؟ بالتأكيد لا. فحزب الدعوة مستمر بالاستيلاء على موارد الدولة العراقية رغم أن الدولة العراقية أشهرت افلاسها بفضل قيادة حزب الدعوة لها لعشر سنين أو أكثر.

في وسط عجز الكتل السياسية عن وقف النزيف الحاصل في موارد العراق و عدم امكانيات ترشيح بديل من حزب أو كتلة أخرى فحزب الدعوة هو الحزب الوحيد المخول بقيادة العراق يبدو من المفيد المطالبة بوضع العراق تحت الوصاية الدولية و اداراته دوليا على الاقل سنضمن استمرار رواتبنا و تقاعدنا! على الاقل سيدير العراق رجال دولة قديرون يعرفون كيف يجدون حل للازمة بدلا من تبادل الاتهامات و الشتائم على شاشات  التلفزيون كالاطفال

التعليقات