مراكز الدعم النفسي بغزة ودورها الهام في تذليل اثار الحرب علي الاطفال

رام الله - دنيا الوطن - عبد الفتاح الغليظ
أشلاء..دماء..شهداء، بيوت هُدمت على رأس قاطنيها، ومزارع حرقت بمن فيها، مشاهد خلفتها الحرب الصهيونية على أرض القطاع في حرب لا تزال آثارها حاضرة في عقول وعيون الفلسطينيين لم تبرح مكانها في الذاكرة المزدحمة بالأحداث الأليمة.

تلك المعاناة التي كان العالم شاهدًا على مجازرها التي حصدت آلاف الشهداء ، وآلاف الجرحى من أطفال ونساء أصابتهم الآلة العسكرية الغاشمة بالصدمة، فتداعت مؤسسات الدعم النفسي والاجتماعي للتخفيف من آثارها النفسية.

وأخذت المؤسسات الأهلية الفلسطينية على عاتقها تأهيل المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة لاستعادة توازنهم الطبيعي إلى ما قبل الحرب، عبر المزيد من البرامج والخطط التي تحقق الهدف، وتفتح المجال واسعًا للطفل بالتعبير عن مشاكله بالرسم تارةً، واللعب تارة أخرى، والإرشاد النفسي تارةً ثالثة.

وفي التقرير التالي يرصد نشاطات بعض مراكز الدعم النفسي والاجتماعي الناشطة في القطاع؛ لتذليل آثار الحرب عن أطفال غزة، وعدم تطورها إلى مشكلات نفسية يتطلب معها التدخل التخصصي.

توثيق الألم والمعاناة :

ينشط مركز "التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات" بشكل واضح على الساحة الفلسطينية، القائمون على هذا المركز لم ينتظروا انتهاء الحرب ليقوموا بمعالجة الآثار النفسية لها على الأطفال والنساء، بل عمدوا خلال الحرب إلى الوصول إلى مدارس "الوكالة" التي كانت بمثابة مواطن تجمع للسكان المشردين الباحثين عن أمان بعد هدم بيوتهم، أو فرارهم منها؛ بسبب وقوعها في مرمى النار، وقاموا بعقد جلسات تفريغ نفسي للأهالي والأطفال، بالإضافة إلى توزيع المعلومات المكتوبة لمواجهة أي أحداث طارئة، سواء وجود مشاكل نفسية لدى الأطفال، أو اضطرابات سلوكية، ناهيك عن زيارة المستشفيات.

بعد الحرب لم ينته دور المركز، بل استمر، فكان له دور في توثيق المعاناة والألم، ومحاولة إيجاد السبل الكفيلة لإنهاء الآثار النفسية التي تكبدها أفراد الأسر خلال فترة الحرب، وذلك عبر برنامجين: الأول كما يؤكد د. فضل أبو هين- رئيس المركز- يقوم على زيارات ميدانية للبيوت التي هدمت بآلة الحرب الصهيونية، وإتاحة الفرصة للأطفال من على ركام منازلهم التعبير عن واقعهم الجديد بالرسم أو اللعب أو السيكودراما أو التمثيل أو سرد القصص، بالإضافة إلى عقد جلسات فردية أيضًا من على ركام المنازل، غير أن تلك الجلسات اختصت بالأطفال الأكثر تأثرًا بسبب عدم إمكانية إرسالهم إلى مؤسسات بعيدة عن بيوتهم، في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعانونها، ناهيك عن عقد جلسات أخرى مع الآباء والأمهات بما يضمن التفريغ الانفعالي، وتعريفهم بالطرق السليمة للتعامل مع أبنائهم من الأطفال في وقت الأزمات.

وفيما يتعلق بالبرنامج الثاني قال د. أبو هين "يعتمد على زيارة للمستشفيات والأسر التي لم تتضرر منازلهم بالهدم، بل تم الدخول إليها كمنطقة تل الهوى، وأيضًا دخول المدارس، واستثمار الأسبوع الترفيهي الذي أقرته وزارة التربية والتعليم لكل المدارس، وأضاف: "يعمل في البرامج الثلاثة 20 من الموظفين الأساسيين، بالإضافة إلى أكثر من 50 متطوعًا قسموا على ثلاث مناطق منهم 25 في الجنوب، و30 في مدينة غزة، و25 في الشمال يدخلون البيوت والمدارس، وتقديم أنشطة إرشادية وترفيهية للمتضررين من الحرب".

الجهد جماعي:
"المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات" عمد إلى إعداد خطة طوارئ بالتعاون مع مؤسسات شريكة بالنزول إلى المناطق التي تعرضت للاجتياح، وعمل زيارات ميدانية للبيوت؛ للتقرب أكثر من الأطفال، وتحديد مشكلاتهم عن قرب، ومن ثمَّ تحويلهم إلى البرنامج الذي يسهم في حل مشكلاتهم، أكدت على ذلك منال زين الدين، بالإضافة إلى فتح خط هاتفي مجاني للاستشارات يضم نخبة من الأخصائيين النفسيين يساعدون الأم والطفل في تخطي مشكلاتهم، وتجاوز آلام الحرب ومآسيها، وتضيف: "عبر الزيارات الميدانية يتم تجميع أرقام هواتف وعناوين الأطفال الذين عانوا من مشكلات إبان الحرب، ومازال القلق والخوف يحاصرهم بعد الحرب، بحيث يتم تحويلهم إلى قسم الإرشاد النفسي بالمركز؛ لمساعدتهم في تجاوز مشكلاتهم، وإعادة توازنهم النفسي والاجتماعي إلى ما قبل الحرب.

صدمات غير معتادة:

اعتاد الأخصائيون خلال الزيارات الميدانية بعد الأزمات والحروب التي يقع أكبر تأثير لها لدى الأطفال على تشخيص مشكلات الخوف والقلق والأرق وعدم الشعور بالأمان، لكنها في الحرب الأخيرة تفاقمت فلم تكن كسابقتها، وفق ما أشارت زين الدين، وتتابع: "الأطفال في الاجتياحات السابقة كان علمهم بالاجتياح يقتصر على سماع أصوات القصف الذي يدب في قلوبهم الخوف، ويقتلع النوم من عيونهم، أما في الحرب الأخيرة على مدار 23 يومًا رأوا بأعينهم القذائف تخطف أرواح المحبين من حولهم آباءهم وأشقاءهم وأمهاتهم، رأوا الصواريخ تحطم بيوتهم، تحيلها إلى كومة من ركام وتراب، ورأوا القنابل تحيل أجساد الشهداء إلى أشلاء تصهر لحمهم وعظامهم، وتفقأ عيونهم، وتحرق كل شيء تطاله شجر أو بشر أو جحر، "فكان التأثير النفسي أكبر وأخطر، أصيب الأطفال بالصدمة، وبعضهم فقد توازنه ورحل في حالة من الشرود"، قالت زين الدين.

يهتم المركز بتوثيق الزيارات الميدانية عبر إحصائيات وأرقام ليتم بعد ذلك المساعدة بصورة دقيقة، مشيرة إلى أن الاحتياجات لدى الأطفال المتأثرين نفسيًا بالحرب تختلف من طفل لآخر، وعبر تلك الإحصائيات يتم تحديد احتياجات كل فريق، من يحتاج إلى دعم نفسي معمق، ومن يحتاج إلى مجرد استشارة للتغلب على ما أصابه من قلق وخوف، ومن يحتاج إلى تضمينه كحالة لمتابعته عبر برامج المركز حتى يتخلص من مشاكله، ويعود إلى حياته الطبيعية، لافتة إلى أن الإحصائيات في تصاعد مستمر؛ نظرًا لوحشية الحرب الأخيرة، وبشاعة المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال ضد الأسر الفلسطينية على مرأى أعين الأطفال.

لم تقتصر برامج المركز على تقديم الدعم النفسي للأطفال وتأهيلهم لاستعادة توازنهم النفسي والاجتماعي فقط، بل اهتم بتوثيق جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الاحتلال ضد العائلات الفلسطينية بألسن من تبقوا من أطفال العائلة على قيد الحياة.

تشير زين الدين أنهم عبر الزيارات الميدانية يعمدون إلى توثيق شهادات الأطفال الذين شهدوا إعدام أسرهم على مرأى أعينهم، وتضيف: إن تلك الشهادات ستوثق بالصورة والتعليق في إطار فيلم وثائقي، كما سيتم التعرض لمشكلات أولئك الأطفال النفسية التي أثمرتها مشاهد الإعدام لأعز أحبائهم وأقربائهم.

مؤسسات شريكة :

لم يكن المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات الوحيد الذي عمد إلى توثيق جرائم الحرب، والتوجه للميدان للاطلاع على ما أثمرته الحرب على نفسيات الأطفال في قطاع غزة، بل كان واحدًا من مجموعة مؤسسات اشتركت جميعها في ذات الهدف، واتخذت آليات للتخفيف من وطأة الحرب على نفوس الأطفال، سعيًا لإعادة توازنهم الطبيعي مع الحياة بكل أمل.

تقول زين الدين: إن خطة الطوارئ التي وضعها المركز كانت بالتعاون مع مؤسسات شريكة تعمل في ذات إطار الدعم النفسي والاجتماعي، وتعدد زين الدين تلك المؤسسات، فمنها مؤسسات حديثة كمركز حل الصدمات، وجمعية التوجيه والإرشاد، وكذلك مؤسسة شارك التي انضمت للمجموعة للمرة الأولى، بالإضافة إلى شركاء قدامى منهم مركز د. فضل أبو هين لحل الأزمات، وأطباء بلا حدود، برنامج الصحة النفسية، وتوضح زين الدين أنه تم تقسيم المناطق بين المركز والمؤسسات الشريكة، حتى لا يحدث تعارض في الإحصائيات والتوثيق.

طواقم مهنية وخطوط مجانية:

في برنامج غزة للصحة النفسية ضمن خطته الطارئة للوقوف على حجم الآثار النفسية التي تركتها الحرب الأخيرة على الأطفال، عمد إلى تدريب 50 متطوعًا على آلية التدخل في الأزمات، ومن ثمَّ يتم توزيعهم على الأسر المتضررة في الحرب، والتعامل مع الأطفال في الرياض وطلاب المدارس.

مدير مركز غزة المجتمعي، التابع لبرنامج غزة للصحة النفسية حسن زيادة يؤكد على ضرورة التعامل سريعًا مع مخلفات الحرب النفسية على الأطفال قائلاً: "إن الدور الذي تقوم به الآن برامج الدعم النفسي الاجتماعي، والمؤسسات العاملة في مجال الصحة النفسية مهم، بحيث تحدد ردود الفعل الأولية لدى الأطفال، وأي اتجاه سوف تتجه" لافتًا أن تلك الردود إذا تم التعامل معها بشكل مهني وعلمي من خلال الطواقم في الميدان، فإنها تستطيع أن تتأقلم وتتوافق، أما إذا لم يتم العمل بشكل مهني وموضوعي، فإن الفشل سيكون حليفه، حيث بعض الأفراد تتطور لديهم بعض الأعراض، بما يؤثر على أدائهم الوظيفي، وإيجاد إضرابات نفسية أعمق تحتاج إلى تدخلات مهنية متخصصة في أنواع علاج وأساليب تدخل علاجية متعددة ومتخصصة، والعمل على الوقوف على ردود الفعل الأولية مهم جدًا في تحديد المشكلة، ومساعدتهم على فهم التغيرات السلوكية والانفعالية والمعرفية لديهم، وكذلك العودة لحالة التوازن فيما قبل الحرب.

 وأضاف: إن البرنامج سيعمد إلى فتح ثلاث خطوط هاتفية مجانية تتاح للجمهور تعمل على مدار 12 ساعة يوميًا، بحيث تغطي الخطوط الثلاثة مناطق قطاع غزة في المدينة والمحافظة الوسطى بدير البلح، والمحافظة الجنوبية بمدينة خانيونس.

دورات تدريبية للمتطوعين :

محمد البنا استشاري الطب النفسي بمؤسسة حمد الطبية ومسئول الدعم النفسي بالهلال الأحمر القطري والمشرف تحدث عن مشروع الدعم النفسي بالهلال الأحمر القطري قائلا :تبلورت فكرة تأسيس وحدة الدعم النفسي بالهلال الأحمر القطري منذ عام 2004، بعد حملة الدعم النفسي لأطفال فلسطين خلال الانتفاضة الثانية والتي قام بها فريق من الهلال القطري، ومن وقتها يتم عقد دورات تدريبية للمتطوعين من الجنسين ومن مختلف فئات المجتمع القطري، ليكونوا على استعداد لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي على المستوى المحلى، وتكوين فريق وطني للدعم النفسي، يكون مؤازرا لحملات الهلال الأحمر القطري للاستجابة للكوارث على المستوى المحلى والدولي.

كما جرى طباعة عدة كتيبات ونشرات عن الدعم النفسي تم توزيعها داخل وخارج قطر، عن دعم الناجين بمختلف أعمارهم. وقد شاركت الوحدة في جميع التدريبات الاستجابة للكوارث من قبل جهات عدة.

وأشار إلى أن دراسات عديدة صدرت في أعقاب وقوع كوارث طبيعية وحروب متعددة في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، كشفت وجود حاجة ماسة لتوفير الدعم النفسي للناجين وحتى لمقدمي الاغاثة، بسبب وجود تقارير عن تأثر عدد لا بأس به من الناس بردات فعل نفسية لا تقل خطورة عن آثار الجروح الجسدية، التي قد تحتاج إلى فترة طويلة لكي تلتئم، ومن هنا وبناء على توصيات الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر، بوضع الدعم النفسي كأولوية في مشاريع التدريب والاغاثة اثر وقوع أية كوراث، فقد كان الهلال الأحمر القطري سبّاقا على مستوى الجمعيات الوطنية فى الدول العربية.

وقد قدمت الوحدة دعما نفسيا وقت وقوع بعض الكوارث، على سبيل المثال كان للهلال الأحمر القطري دور كبير فى تقديم الدعم النفسي في باكستان بعد وقوع الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد عام 2005 ، وعقب حرب لبنان الأخيرة عام2006، كذلك بعد أحداث مخيم النهر البارد فى لبنان عام 2007.

وعن المشروع الحالي الذي نفذه الهلال الأحمر القطري في مصر لدعم مصابي الحرب علي غزة أكد البنا أن في إطار مشاريع إدارة الإغاثة الخارجية بالهلال الأحمر القطري، تم وضع خطة عاجلة لدعم المصابين الفلسطينيين الموجودين بالمشافي المصرية وذويهم، سواء ماديا أو معنويا، لأن الآثار النفسية التي تظهر على المصاب عقب الصدمة، قد تترك آثارا سيئة على سلوكه، ما لم يتم التعامل معها، خلال الأسابيع الأولى وما يليها طوال فترة الأشهر الست بعد الإصابة.

وبخصوص الدورات التي قام بها المركز قال أن الدورات ركزت على تعريف المتطوعين بأساليب ومهارات تقديم الدعم النفسي، بالاعتماد على برنامج الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر، وأعقب ذلك تدريبا ميدانيا بإشرافي المباشر، إضافة إلى مدربين متخصصين،هما الدكتورة داليا الشيمي والدكتورة وفاء أبو موسى من مركز "تواصل" (إسلام اون لاين)، علما أنه سينضم إلى الفريق الدكتور مأمون مبيض استشاري الطب النفسي ببريطانيا.

كما يتضمن البرنامج زيارات يجريها المتطوعون إلى الجرحى الفلسطينيين ومرافقيهم في كافة مشافي القاهرة، بالإضافة إلى إمداد المتطوعين ببرشورات عن كيفية التعامل مع الأطفال وقت الحروب والدعم النفسي والإيمان، ليكون بمثابة دليل لهم، فضلا عن نشر هذه المواد على شبكة الانترنت على الموقع الاليكتروني للهلال الأحمر القطري.

دعم نفسي للجرحي :

وعن مرحلة ما بعد التدريب أوضح البنا أن تقديم الدعم النفسي سيبدأ للجرحى بمجرد انتهاء المتطوعين من تدريبهم، إذ سيتم تقسيمهم إلى مجموعات، توزع على الحالات فى مشافي القاهرة التي يعالج بها المصابون الفلسطينيون، لتتابع كل مجموعة عددا من الحالات، ويرسل المنسق الخاص بها تقاريرا إلى المنسق العام للمشروع، ليعرضه على استشاريين المتخصصين، للنظر في الحالات التي تحتاج رعاية خاصة. ومن المقرر أن يستمر ذلك لمدة 3 شهور بشكل مبدئي. معنى ذلك أن الهلال الأحمر القطري بدأ بالفعل تقديم الدعم النفسي لمصابى الحرب على غزة؟

بالفعل، وذلك من خلال التدريب الميداني للمتطوعين، ويتم حاليا فرز الحالات المحتاجة إلى عمل متخصص، للتخفيف عن الآثار النفسية وإعادة تكيفهم. وفى الوقت الراهن، ما يزال تقديم الدعم النفسي قاصرا على مشافى "فلسطين" التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني ومشفى "السلام" ومشفى "معهد ناصر" وجميعهم فى القاهرة. لكننا بصدد دراسة تقديم دعم نفسي للمصابين الفلسطينيين ممن يعالجون في مصر عموما، من خلال تكرار الدورات التدريبية في العريش ورفح والإسماعيلية.

وأضاف أن هناك ترتيبات مع الهلال الأحمر الفلسطيني والصليب الأحمر الدولي، بهذا الشأن، وهناك خطة جاهزة للتنفيذ في حال فتح المعابر لمساندة إخواننا الداعمين النفسيين والاجتماعيين في غزة.

من جهة أخرى، هناك خمسة جرحى فلسطينيين كدفعة أولى سيتم نقلهم إلى الدوحة للعلاج، وسيتابع متطوعو الهلال الأحمر القطري هناك، تقديم الدعم النفسي لهم .

والى جانب المصابين، يجرى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي إلى مرافقي الجرحى، لأن القادم من منطقة الكارثة يتأثر سواء أصيب أم لا، وعلى المستوى الدولي الانسانى، يشمل الدعم النفسي جميع المتأثرين من الحروب والكوارث، سواء كانوا مصابين أم لا، لذلك فان خطط الدعم النفسي تشمل تقديم الدعم إلى الجرحى وذويهم. وهذا ما يجري حاليا، حيث يتم تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لمرافقي الجرحى، اللذين غالبا ما تعرضهم أزمات نفسية ربما أشد من المصاب.وخلال كوارث وأزمات متعددة شهدتها مناطق مختلفة في العالم، لاحظ الداعمين النفسيين لمصابي هذه الكوارث أن آثار الصدمات تظهر بوضوح على الناجين بعد مرور عدة أشهر، حيث ينفض من حولهم الداعمين والمتضامنين، فيتضاعف شعورهم بالوحدة، خاصة إذا كانوا بعيدين عن موطنهم الأصلي، مثلما الأمر مع الجرحى الفلسطينيين الموجودين في القاهرة للعلاج، لذلك فان وجود دعم نفسي يستمر لشهور طويلة يصبح حاجة لا غنى عنها، لاستكمال شفاء المصابين

وفي لقاء نظمته دائرة الصحة النفسية في الجمعية، ضم عددا من الاختصاصيين النفسيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، عبر نظام 'الفيديو كونفرنس'،أكدوا أن العدوان خلف آثارا نفسية كبيرة لن تعالج بسهولة على المدى المنظور، نظرا للكم الهائل من الضغط النفسي الذي تعرض له السكان، نتيجة الاستهداف المباشر من قبل قوات الاحتلال.

صدمة كبيرة للسكان :

وقال مصطفى كلاب، أحد الاختصاصيين العاملين في مركز الصحة النفسية بخانيونس: إن الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة شكل صدمة كبيرة للسكان'، مشيرا إلى أن المواطنين هرعوا إلى الشوارع لمعرفة ما يجري، بعد أن اهتزت منازلهم بفعل القصف.

وروى كلاب قصة استشهاد أحد المواطنين أمامه مباشرة، بعد تعرض دراجته النارية للقصف، مؤكدا على أن هذا المشهد ترك فيه أثرا نفسيا كبيرا، وأنه أصبح بحاجة إلى الدعم كي يعود إلى طبيعته بعد ما شاهده من أحداث مأساوية.

بدوره، وصف زميله عاطف العسولي، ما حدث في غزة بـ'الزلزال المتواصل'، مضيفا 'هرع الناس إلى الشوارع، بعدما شاهدوا الأبراج السكنية تهتز بمن فيها، فإذا بقيت في منزلك ستقصف، وإذا خرجت ستقصف، الكل كان مستهدفا'.

وأشار إلى أنه شاهد زلزال عام 1992 في مصر، واصفا المشهد في غزة بأنه أشد قسوة وتدميرا من ذلك الزلزال، 'لأن زلزال القاهرة استمر ثوان معدودةٍ، بينما استمر زلزال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قرابة الشهر'.

من جانبها أشارت الاختصاصية، هبه الأسطل، إلى حجم المأساة الكبير المتمثل في التعامل مع ضحايا العدوان، الذين تجمعوا في مقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بخانيونس طلبا للأمان، لافتةً إلى أنها وجدت صعوبة كبيرة في إخلاء الأطفال من المبنى، بعد انتشار إشاعة تفيد بأنه سيتعرض للقصف، بعد قصف مقرات الجمعية في مدينة غزة.

وهو ما أكد عليه زميلها مصطفى العتال، الذي كان في المكان نفسه، مشيرا إلى أن استهداف قوات الاحتلال للمنشآت الصحية، وبخاصة مباني الجمعية بمدينة غزة، ولد ذعرا كبيرا بين المواطنين المحتمين بمقر الهلال الأحمر في خانيونس، ووجد صعوبة كبيرة في اقناعهم بأنهم بأمان.

وأضاف مصطفى أن إصابة شقيقه حسن، وهو أحد ضباط الإسعاف في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بمنطقة جباليا، ولدت لديه توترا شديدا، في ظل صعوبة الاتصال والتواصل بين مناطق القطاع، لافتا إلى أنه استغرق ساعات للاطمئنان على أخيه.

وفي السياق ذاته، وصفت الاختصاصية نفين عبد الهادي، العداون الأخير على قطاع غزة بالمختلف عن سابقاته، من حيث دائرة الاستهداف، الذي شمل الجميع دون استثناء، مشيرةً إلى أنها عملت مع الضحايا خلال العدوان وبعده.

وأشارت إلى حجم المآساة التي سمعتها وزملاؤها من الضحايا، 'أناس تعرضت منازلهم للقصف، عائلات بكاملها استشهدت، وحارات أبيدت، وأمهات باكيات، وأطفال ذاهلون مما حصل'.

ومن ناحتهما، أكد زميلاها محمد الاغا ووفاء أبو زهري، على صعوبة علاج الآثار النفسية التي خلفها العدوان على المواطنين، مشيرين إلى فظاعة القصص المروعة التي تكشفت بعد توقفه، وإلى الجهد الكبير الذي يجب أن يبذل لتتغلب على ما سببه من أذى ودمار.

من جهته، أشار عزمي الأسطل منسق مركز الصحة النفسية التابع للجمعية في خانيونس، إلى الدعم المعنوي المقدم من المؤسسات والمواطنين في الضفة الغربية خلال فترة العدوان، والتي ساعدت سكان القطاع، ومنحتهم القوة على الصمود والثبات.

وأفاد بأنه حاول قدر المستطاع التخفيف عن طواقم الصحة النفسية، الذين كانوا يقدمون خدماتهم للضحايا وما زالوا، وأصبحوا هم أنفسهم بحاجة لدعم كبير، بعد ما سمعوه وشاهدوه من خراب ودمار وقتل وتشريد، خلفته آلة الحرب الإسرائيلية.

وثمن فائق حسين، نائب المدير العام لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الجهد الكبير الذي بذلته طواقم الجمعية خلال وبعد العدوان، متمنيا أن تساعد إمكانيات الجمعية وجهودها، في تخفيف آلام ضحايا هذا العدوان.

وهو ما أشار إليه د. فتحي فليفل، مدير دائرة الصحة النفسية في الجمعية، الذي أكد على حجم المعاناة الكبير الذي تمر به طواقم الدائرة والجمعية في القطاع، معربا عن أمله في أن تساهم هذه اللقاءات في التخفيف من هذه المعاناة.

اضطراب انفعالي واكتئاب حاد :

"درداح الشاعر" أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى بغـزة قال في بداية حديثه إن الأحداث الأخيـرة فاقت كـل تصور وخيال، وأثرّت في الكبار فكيف بالصغار؟ وأشار إلى أن المشاعر والصور الدامية والعنيفة تركت آثارا نفسية واضحة على الأطفال، وأضاف: "الخـوف أن تبقى الآثار كامنة لتظهر لاحقا في ردود أفعال نفسية عنيفة كالاضطراب الانفعالي، والاكتئاب الحاد، والعزلـة... واضطرابات ما بعد الصدمة".

وشدد أستاذ علم النفس على أن أطفال غـزة بحاجة إلى دعـم نفسي قوي من خبراء الصحة النفسية والإرشاد التربوي والإعلام، واستدرك: "مطـلوب من الجميع: الأسرة, والمدرسة, والمسجد، والإعلام، والمؤسسات الأهلية... الكل يجب أن يعمل كخلية نحل في تقديم الدعم النفسي اللازم والمطلوب للأطفال واحتوائهم والتخفيف من ردودهم السلوكية العنيفة".

كما دعا الشاعر إلى الاستعانة بمتخصصين في مجال الدعم النفسي، مُشددا عـلى أن عـلاج ما تركته الحرب بحاجـة إلى وقت طويل وصبر.

ولرسم البسـمة على وجـوهٍ استقـر الحزن في أماراتها شرعت جمعية "عطاء غزة" بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم بتنفيذ فعاليات وعروض ترفيهية وثقافية داخل مدارس القطاع.

وقالت الجمعية في بيانٍ لها إن عروضها تهدف إلى التخفيف من الضغـط النفسي والتوتر، وناشدت الجمعية كل المؤسسات الدولية والمعنية بالطفولة أن تتبنى حملات دعم لأطفال غـزة من أجل رفع روحهم المعنوية والنظر إلى المستقبل بتفاؤل وإشراق.

مخاوف مرضية ومشاكل صحية :

وفي سياقٍ متصل أكد تقرير صادر عن جمعية مركز فلسطين، أن 90% من أفراد المجتمع الفلسطيني، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن يعانون من اضطرابات نفسية وسلوكية واضحة أهمها :الخوف، والهلع، والتبول اللاإرادي بين الأطفال، والكوابيس، وعدم القدرة على النوم، والاكتئاب؛ بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة.

وقال التقرير إن الشعب الفلسطيني بأكمله عرضة لتزايد الضغوط، والصدمات النفسية، والمخاوف المرضية، والمشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تؤثر سلبا على كافة مجريات الحياة الطبيعية نتيجة الكارثة الإنسانية التي لم يشهد مثلها قطاع غزة من قبل، والتي أضيفت إلى سلسلة المعاناة لشعبنا.

كما أكد التقرير على ضرورة عمل برامج داعمة ومنشطة من أجل زيادة الوعي النفسي والمجتمعي لكيفية التعامل مع الصدمات النفسية وصولا إلى إعادة تأهيل ضحايا الحرب وفي مُقدمتهم الأطفال.

ويُشكل الأطفال نسبة 60% من سكان غزة، قُتل منهم قرابة 1000 طفل منذ بداية انتفاضة الأقصى الثانية في سبتمبر 2000، وودعت المدينـة 412 طفـلا في العدوان الإسرائيلي الشرس الأخير والذي استمر 22 يـوما أصغـرهم لم يتجاوز الشهـر