لأول مرة في فلسطين، مبادرة خدمة مجتمعية تستهدف نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل بغزة

لأول مرة في فلسطين، مبادرة خدمة مجتمعية تستهدف نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل بغزة
رام الله - دنيا الوطن
لأول مرة في فلسطين، مبادرة خدمة مجتمعية تستهدف نزلاء السجون في مركز الإصلاح والتأهيل – مركز الكتيبة المركزي، بهدف إكسابهم مهارات التنمية البشرية ، واعداد كوادر قادرة على قيادة نفسها وأسرها بعد الخروج من السجن ، ولإعادة دمج النزلاء في المجتمع وبناء ترابط اجتماعي متين وبناء حياة إيجابية خالية من أي شوائب.

المشروع الذي يقدمه الطالب / محمود الغوطي ضمن دراسته الأكاديمية لنيل درجة الماجستير في الإدارة التربوية من الجامعة الإسلامية بغزة، ويشرف على المشروع من الجامعة الإسلامية الدكتور/ اياد الدجني ، الخبير في مجال القيادة والتخطيط الاستراتيجي .

ويعتبر المشروع وهو ضمن الخدمات المجتمعية التي تربط المحتوى الأكاديمي مع خدمة المجتمع ويعمل على اكساب النزلاء العديد من المهارات وتنميتها والعمل على تطويرها.

وتنبثق فكرة المشروع من أن السجن ليس مكاناً للانتقام من المحكوم عليه أو التشفي منه واعتباره شخصاً شاذاً ومنبوذاً عن المجتمع ولا يستحق التمتع بأي قدر من الكرامة الإنسانية وحقوقه الأساسية ولكن هو مكان لمكافحة الجريمة والعمل على منع وقوعها بإصلاح المنحرف ومحاولة انشاء مواطن صالح ،  وتتمثل عملية اعداد النزيل لبدء حياة جديدة بعد انقضاء العقوبة تحدياً كبيراً يواجه المجتمع الفلسطيني، ومن هنا جاءت الفكرة بإنشاء مشروع لإعداد النزلاء ليصبحوا مؤهلين من جميع النواحي ، تحت اسم (مشروع النزيل المثالي).

تتمثل أهداف المشروع في إكساب النزلاء المهارات والخبرات والعمل على تنمية هذه المهارات لديهم والعمل على تطويرها، لكي يكونوا قادرين على قيادة أنفسهم وقيادة أُسرهم وعائلاتهم ويكون لهم تأثير في المجتمع، ومساعدتهم وعلى البدء في حياة جديدة تسير نحو الإيجابية في المجتمع وكذلك الارتقاء بنمط تفكير النزلاء نحو التفكير الإبداعي الذي يقود الى حل المشكلات واتخاذ القرارات بشكل سليم بعيدا عن الاتجاه الى السلوك الاجرامي ، وبالتالي التقليل من مستوى الجريمة والعود الجنائي للجريمة مرة أخرى .

ويستهدف المشروع 15 نزيلا ، تم اختيارهم حسب معايير معينة ، كالعمر والتهمة ومدة الحكم ومكان السكن داخل السجن .

ويتكون المشروع من أربعة محاور أساسية ، المحور الأول : المهارة الإنسانية وتشمل الاتصال والتواصل – إقامة العلاقات مع الاخرين – بناء فريق العمل – تحقيق الذات – قوة الإرادة ، والمحور الثاني : المهارات الشخصية : وتشمل اكساب النزلاء المهارات التالية :( الثقة بالنفس – التعبير عن الذات – السيطرة الشخصية ) ، والمحور الثالث : المهارات الإبداعية : وتشمل اكساب النزلاء المهارات التالية : ( مهارة التفكير الإبداعي – مهارة حل المشكلات ) ، والمحور الرابع : السمات الشخصية: وتشمل اكساب النزلاء السمات التالية : ( تقدير الآخرين – الصدق والأمانة – ضبط النفس – السلوك السوي – الرقابة الذاتية ).
وتجدر الإشارة الى ان هذا المشروع  ينفذ لأول مرة في فلسطين، " فمعظم المشاريع المتبعة يغلب عليها الطابع الأمني، والنفسي، والديني، والاجتماعي، ناهيك عن أن المهارات الشخصية والابداعية لم يتم التطرق لها من قبل وخير دليل ابداء النزلاء رغبة كبيرة في التعلم".

ومن جانب نتائج المشروع ، فالنتائج باتت واضحة من خلال التغير الحاصل في سلوك وشخصية النزيل وعلاقته مع الآخرين وفتح حوارات معهم، بالإضافة إلى قدرتهم على إعطاء المحاضرات لزملائهم الآخرين في الغرفة.

ولفت الغوطي النظر إلى أنه تم اختيار خمسة مشاركين على درجة من التميز من بين المنتسبين للمشروع، وتم خضاعهم لبرامج ليكونوا مدربين حتى بعد انتهاء المشروع في حال لم يتبن أي جهة المشروع، وضمان استمرار المشروع لـ15 عاماً على الأقل.

وفي هذا الصدد تم اطلاق مشروع النزيل المثالي مرة أخرى ولكن هذه المرة بقيادة النزلاء الخمسة الذين تم اختيارهم ، ويتم حاليا تطبيق المشروع على باقي غرف السجن حسب جدول تم اعداده ، حيث يتم نقل المهارات التي اكتسبها النزلاء الى زملائهم في باقي أنحاء السجن وبذلك تم الحصول على استدامة ذاتية من النزلاء أنفسهم لهذا المشروع .

وشدد الغوطي على أهمية تحقيق استدامة واستمرارية للمشروع ، وذلك من خلال تبنيه من قبل مديرية الإصلاح والتأهيل ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة ، ووجود جهات داعمة للمشروع من خارج السجن،  وذلك لضمان تأهيل النزلاء بشكل مستمر وبدون انقطاع.

وذكر أن المشروع بدأ في نوفمبر 2015 وينتهي في يناير 2016، بمشاركة طاقم تدريبي للمشروع متميز وذو كفاءة عالية في تخصص التنمية  البشرية .

قصص نجاح:

النزيل (أ. ق) الذي يبلغ من العمر 36 عاما، وهو لم يكمل تعليمه الابتدائي، أبدى تحمسا كبيرا عندما طرحت عليه فكرة المشروع، بسبب عزمه على الخروج من عزلته وانطوائيته، والتحكم في انفعالاته.
قال: "بدأت أحضر المحاضرات وأراجعها، وأعدل الخطأ في سلوكي، فأصبحت أعبر عن رأيي بجرأة وبدون خوف، واستطعت أن أضبط انفعالاتي لأني سريع الغضب وهي الصفة التي قادتني إلى ارتكاب الجريمة الوحيدة في حياتي، واستطعت أن أطور من مهاراتي".

أما النزيل الثاني (م. ع) ذو 34 عاماً، فقد اعتبر أن المحاضرات التي تلقاها في المشروع حول التنمية البشرية، نوعية لأن نتائجها تطبق تلقائيا على أرض الواقع، وتحدث تغييرا مباشرا في شخصية المشاركين.
وقال: " أصبحت قادرا على إدارة وقتي واستغلاله بشكل أفضل، وأقدر على التعبير عن ذاتي، ورفض أي أمر لست مقتنعا به، كما أن طريقة حواري مع زملائي تحسنت".
وأضاف (م. ع): "السجناء سئموا وملوا من المحاضرات التقليدية، وهذا ما يميز محاضرات المشروع بأنها نوعية وتلامس حياة النزلاء".
ولفت النظر إلى أنه حقق استفادة كبرى من خلال هذا المشروع، حيث تمكن من إلقاء المحاضرات على زملائه في الغرفة غير المشاركين في المشروع، كما اكتسب مهارات التواصل والانفتاح على الآخرين، وصار قارئا لهم لكتب التنمية البشرية.
وأشار (م. ع) إلى أن الاستفادة التي حققها في المشروع، فاقت توقعاته، والطريق لتحقيق هدفه ازداد وضوحا، بتطوير نفسه ومن حوله "مجتمع النزلاء"، كونه يتحمل مسئولية نقل خبراته للنزلاء وتحسين حياتهم.

فيما غيّر المشروع من نمط التفكير السلبي لدى (ش. أ) البالغ من العمر (35 عاماً) وقضى تسع سنوات في السجن، واستطاع تحويل طاقته إلى طاقة إيجابية.
واستطاع (ش. أ) أن يحسن من طريقة تعامله مع زملائه في الغرفة، حيث نقلته المهارات التي اكتسبها من المشروع نقلة نوعية في كسب محبة الآخرين، واتساع دائرة المعرفة بهم، وقال لـ"فلسطين": "ومن ثمار الاستفادة السريعة أنني منحت إجازة لرؤية عائلتي لأول مرة منذ تسع سنوات، لأنني أثبتت حسن سير وسلوك منذ سنوات".
وتابع: "أصبح لدي رغبة في سماع أفكار الآخرين ومناقشتهم إياها، حيث كنت سابقاً أرفض المشاركة في أي نشاطات ومحاضرات كانت تتم في السجن".

من ناحيته، بيّن مدير مركز الاصلاح والتأهيل بالكتيبة المركزي الرائد / وائل الحسني، أن مشروع النزيل المثالي، هو المشروع الأول من نوعه الذي يطبق في سجون قطاع غزة، متوقعا أن يكون له نتائج ايجابية وتغيير في سلوك النزلاء، وبالتالي سيتم تعميم المشروع على باقي المراكز حسب الامكانيات المتوفرة.

وحول تقاطع المشروع مع أهداف مركز الإصلاح، أجاب: "الهدف الأساسي إدارة سجون تأهيل النزلاء وإعادة دمجهم في المجتمع مرة أخرى، وهذا يعزز العنوان الرئيسي للمشروع وهو إعادة تـأهيل النزلاء، فنحن لا نتعامل معهم كسجناء بل أعضاء نريد إصلاح أنفسهم من أجل أن يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع".
ونوه إلى أن التغيير الايجابي الذي يطرأ على سلوك النزلاء الذين خاضوا المحاضرات، يمكن أن يؤثر على مدة محكوميتهم التي يمكن أن تخفف لثلثي المدة سيما مع أصحاب المحكوميات العالية.

وفي النهاية  شدد الحسني على أهمية مشاركة مؤسسات المجتمع المدني بجميع اشكالها في مثل هذه المشاريع الخدمية والتي تصب في دعم قضية النزلاء والمشاركة في تأهيلهم من كافة النواحي  لأنهم حقيقة فئة جديرة بالاهتمام ويجب أن تولى رعاية كاملة من كافة الجوانب.