هذا هو الإسلام : الإيمان بالله أعظم الأركان
الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس www.tayseer-altamimi.com ، [email protected]
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال { بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً ، قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه ، قال فأخبرني عن الإيمان ، قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت ، قال فأخبرني عن الإحسان ، قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال فأخبرني عن أمارتها قال : أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ، قال ثم انطلق فلبثتُ ملياً ثم قال : لي يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم } رواه مسلم .
هذا حديث عظيم تقوم عليه معظم أصول الإسلام ، ويجمع أنواعاً من العلوم والمعارف والآداب واللطائف كما قال النووي في شرحه ، ويشتمل على شرح الدين كله ، ونبدأ بأول ركن من أركان الإيمان :
الإيمان بالله هو الركن الأول من أركان الإيمان بل هو أعظمها وبقية الأركان فرع عنه ، وهو أهم ما خلق له الخلق وأرسلت به الرسل ، فالإيمان بالله هو أساس كل خير ومصدر كل هداية ، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته ، فمن يتتبع دعوات الرسل في القرآن الكريم يستنتج أن كل رسول يبدأ دعوته بذلك ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً } النساء 136 .
ويعني الإيمان بالله التصديق التام والاعتقاد الجازم الذي لا يعتريه شك بوجود الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وبوحدانيته أي أنه واحد أحد فرد صمد لا شريك له في ربوبيته أو في ألوهيته أو في أسمائه وصفاته :
يستدل الإنسان على الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى بفطرته السليمة التي توجهه إلى الله سبحانه ؛ وبالأخص في وقت الشدة ، فإذا عصفت به الأزمات أو حلت به الخطوب أو ضاقت به السبل نراه يرفع يديه متذللاً خاضعاً لربه يرجو عنده تفريج الهموم وكشف الكروب ورفع البلاء ، قال تعالى { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } النمل 27 ، وقال صلى الله عليه وسلم { كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ... } رواه البخاري ، فالعقل المفكر الواعي الذي يقبل الحق ويحترم الحقائق ، ويرفض الوهم والخرافة ويأبى الميل مع الأهواء والشهوات هو الآخر دليل لصاحبه على وجود الله عز وجل ، فهو يدرك أن هذه المخلوقات الكونية التي تسير على نظام بديع متناسق متآلف لا بد لها من خالق أوجدها ، فيستحيل أن توجِدَ نفسها بنفسها أو أن توجد صدفة ، ولا يصدق العقل ولا يقبل أبداً إلاَّ أن موجدها هو الخالق البارئ القادر المبدع ، قال تعالى { وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } الرعد 4 .
ومن يستعرض الشرائع السماوية وأحكامها يرى أنها تحقق مصالح الخلق وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، فيوقن أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه ، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به ، ومعجزات الأنبياء والرسل التي تفوق قدرات البشر وشاهدها الناس في زمانهم أو سمعوا بها هي الأخرى برهان قاطع ساطع على وجود من أرسلهم إلى الناس وأجراها على أيديهم تأييداً ونصراً لهم .
أما الإيمان بربوبيته سبحانه وتعالى فهو إفراده بأفعاله ، ويعني الاعتقاد بأنه الخالق الرازق المدبر لأمور خلقه ، المتصرف في شؤونهم في الدنيا والآخرة ، الملك والمالك لا شريك له في ذلك كله ، قال تعالى { أَلا لهُ الخَلقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ } الأعراف 54 ، فكل من اعتقد غير ذلك فقد كفر ، ومن اعتقد أن لله شريكاً فى الربوبية سواء في ذلك النبى والولى وغيرهما فقد أشرك بالله الشرك الأكبر ، ومن اعتقد أن أيَّ حكمٍ أفضل أو مساوٍ لحكم الله يكون مشركاً بالله الشرك الأكبر ، ومن قال لولا الله وأنت أو حلف بغير الله فقد أشرك بالله الشرك الأصغر أو الأكبر حسب اعتقاده .
والإيمان بألوهية الله عز وجل وهو إفراده بأفعال خلقه , كالصلاة والزكاة والصيام وغيرها من العبادات فلا ينبغي أن تكون لغير الله بل تكون خالصة له وحده ، قال تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } النحل 36 ، وفي قصة إسلام عدي بن حاتم رضي الله عنه قال { أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فسمعته يقول اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ... قلتُ يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، قال أجل ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم } رواه البيهقي ، فكل من توجه بأية عبادةٍ مهما قَلَّتْ لغير الله تعالى فقد كفر ، ومن عبد أحداً مع الله تعالى فقد أشرك به الشرك الأكبر .
ومن مقتضى الإيمان بالله سبحانه الإيمان بأسمائه وصفاته ، وهو إيمانُ معرفةٍ بأن نؤمن ونصدق بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف أو تشبيه أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف أو تفويض لمعناها ، قال تعالى { وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِها } الأعراف 180 ، وبمقتضى هذا الإيمان يجب علينا أن نثبث لله سبحانه من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم فقط ، وأن ننفي ما نفاه سبحانه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم فقط ، وأن نسكت عما سكت عنه الله ورسوله ، قال تعالى { ... قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ... } البقرة 139 ، وتفسير ذلك أننا لا نعرف شيئاً عن أسماء الله وصفاته إلا عن طريق الوحى لأنها توقيفية بالإجماع ، بمعنى أننا نتوقف فيها على ما أخبرنا به الوحي ، ولا تجوز مخالفة اعتقاد السلف الصالح وأهل السنة والجماعة بإنكار الأسماء والصفات ، أو بإثبات الأسماء فقط وإنكار الصفات كلها أو بعضها ، أو بتحريفها كلها أو بعضها ، أو بتأويلها تأويلاً فاسداً ، ولا يجوز كذلك جعل صفاته سبحانه وتعالى مماثلة لصفات المخلوقين ، ولا تجوز حكاية كيفية تلك الصفات ، بل يجب علينا أن نفوِّض هذه المعاني وكيفيتها إلى الله عز وجل وحده ، قال تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الشورى 11 .
إذن فنحن نؤمن بصفات الله التي ليست كصفات مخلوقاته ، فنؤمن مثلاً بأن له سبحانه وتعالى يداً لكنها ليست كأيدي أيٍّ من خلقه ، قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } الفتح 10 ، وبأن له عيناً ليست كأعين أيٍّ من خلقه ، قال تعالى في قصة سيدنا موسى عليه السلام { ... وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } طه 39 ، وقال صلى الله عليه وسلم { ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ، حتى ينفجر الفجر } رواه البخاري ، فهو سبحانه أعلم بكيفية نزوله وهو ليس كنزول أيٍّ من خلقه ، فعلينا أن نثبت له سبحانه وتعالى النـزول على الوجه الذي يليق به وبكماله .
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال { بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً ، قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه ، قال فأخبرني عن الإيمان ، قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت ، قال فأخبرني عن الإحسان ، قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال فأخبرني عن أمارتها قال : أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ، قال ثم انطلق فلبثتُ ملياً ثم قال : لي يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم } رواه مسلم .
هذا حديث عظيم تقوم عليه معظم أصول الإسلام ، ويجمع أنواعاً من العلوم والمعارف والآداب واللطائف كما قال النووي في شرحه ، ويشتمل على شرح الدين كله ، ونبدأ بأول ركن من أركان الإيمان :
الإيمان بالله هو الركن الأول من أركان الإيمان بل هو أعظمها وبقية الأركان فرع عنه ، وهو أهم ما خلق له الخلق وأرسلت به الرسل ، فالإيمان بالله هو أساس كل خير ومصدر كل هداية ، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته ، فمن يتتبع دعوات الرسل في القرآن الكريم يستنتج أن كل رسول يبدأ دعوته بذلك ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً } النساء 136 .
ويعني الإيمان بالله التصديق التام والاعتقاد الجازم الذي لا يعتريه شك بوجود الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وبوحدانيته أي أنه واحد أحد فرد صمد لا شريك له في ربوبيته أو في ألوهيته أو في أسمائه وصفاته :
يستدل الإنسان على الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى بفطرته السليمة التي توجهه إلى الله سبحانه ؛ وبالأخص في وقت الشدة ، فإذا عصفت به الأزمات أو حلت به الخطوب أو ضاقت به السبل نراه يرفع يديه متذللاً خاضعاً لربه يرجو عنده تفريج الهموم وكشف الكروب ورفع البلاء ، قال تعالى { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } النمل 27 ، وقال صلى الله عليه وسلم { كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ... } رواه البخاري ، فالعقل المفكر الواعي الذي يقبل الحق ويحترم الحقائق ، ويرفض الوهم والخرافة ويأبى الميل مع الأهواء والشهوات هو الآخر دليل لصاحبه على وجود الله عز وجل ، فهو يدرك أن هذه المخلوقات الكونية التي تسير على نظام بديع متناسق متآلف لا بد لها من خالق أوجدها ، فيستحيل أن توجِدَ نفسها بنفسها أو أن توجد صدفة ، ولا يصدق العقل ولا يقبل أبداً إلاَّ أن موجدها هو الخالق البارئ القادر المبدع ، قال تعالى { وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } الرعد 4 .
ومن يستعرض الشرائع السماوية وأحكامها يرى أنها تحقق مصالح الخلق وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، فيوقن أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه ، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به ، ومعجزات الأنبياء والرسل التي تفوق قدرات البشر وشاهدها الناس في زمانهم أو سمعوا بها هي الأخرى برهان قاطع ساطع على وجود من أرسلهم إلى الناس وأجراها على أيديهم تأييداً ونصراً لهم .
أما الإيمان بربوبيته سبحانه وتعالى فهو إفراده بأفعاله ، ويعني الاعتقاد بأنه الخالق الرازق المدبر لأمور خلقه ، المتصرف في شؤونهم في الدنيا والآخرة ، الملك والمالك لا شريك له في ذلك كله ، قال تعالى { أَلا لهُ الخَلقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ } الأعراف 54 ، فكل من اعتقد غير ذلك فقد كفر ، ومن اعتقد أن لله شريكاً فى الربوبية سواء في ذلك النبى والولى وغيرهما فقد أشرك بالله الشرك الأكبر ، ومن اعتقد أن أيَّ حكمٍ أفضل أو مساوٍ لحكم الله يكون مشركاً بالله الشرك الأكبر ، ومن قال لولا الله وأنت أو حلف بغير الله فقد أشرك بالله الشرك الأصغر أو الأكبر حسب اعتقاده .
والإيمان بألوهية الله عز وجل وهو إفراده بأفعال خلقه , كالصلاة والزكاة والصيام وغيرها من العبادات فلا ينبغي أن تكون لغير الله بل تكون خالصة له وحده ، قال تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } النحل 36 ، وفي قصة إسلام عدي بن حاتم رضي الله عنه قال { أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فسمعته يقول اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ... قلتُ يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، قال أجل ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم } رواه البيهقي ، فكل من توجه بأية عبادةٍ مهما قَلَّتْ لغير الله تعالى فقد كفر ، ومن عبد أحداً مع الله تعالى فقد أشرك به الشرك الأكبر .
ومن مقتضى الإيمان بالله سبحانه الإيمان بأسمائه وصفاته ، وهو إيمانُ معرفةٍ بأن نؤمن ونصدق بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف أو تشبيه أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف أو تفويض لمعناها ، قال تعالى { وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِها } الأعراف 180 ، وبمقتضى هذا الإيمان يجب علينا أن نثبث لله سبحانه من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم فقط ، وأن ننفي ما نفاه سبحانه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم فقط ، وأن نسكت عما سكت عنه الله ورسوله ، قال تعالى { ... قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ... } البقرة 139 ، وتفسير ذلك أننا لا نعرف شيئاً عن أسماء الله وصفاته إلا عن طريق الوحى لأنها توقيفية بالإجماع ، بمعنى أننا نتوقف فيها على ما أخبرنا به الوحي ، ولا تجوز مخالفة اعتقاد السلف الصالح وأهل السنة والجماعة بإنكار الأسماء والصفات ، أو بإثبات الأسماء فقط وإنكار الصفات كلها أو بعضها ، أو بتحريفها كلها أو بعضها ، أو بتأويلها تأويلاً فاسداً ، ولا يجوز كذلك جعل صفاته سبحانه وتعالى مماثلة لصفات المخلوقين ، ولا تجوز حكاية كيفية تلك الصفات ، بل يجب علينا أن نفوِّض هذه المعاني وكيفيتها إلى الله عز وجل وحده ، قال تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الشورى 11 .
إذن فنحن نؤمن بصفات الله التي ليست كصفات مخلوقاته ، فنؤمن مثلاً بأن له سبحانه وتعالى يداً لكنها ليست كأيدي أيٍّ من خلقه ، قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } الفتح 10 ، وبأن له عيناً ليست كأعين أيٍّ من خلقه ، قال تعالى في قصة سيدنا موسى عليه السلام { ... وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } طه 39 ، وقال صلى الله عليه وسلم { ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ، حتى ينفجر الفجر } رواه البخاري ، فهو سبحانه أعلم بكيفية نزوله وهو ليس كنزول أيٍّ من خلقه ، فعلينا أن نثبت له سبحانه وتعالى النـزول على الوجه الذي يليق به وبكماله .
