عاجل

  • مجلس الوزراء: وزارة المالية سَتُصدر بيانًا تفصيليًا حول صرف دفعة من الراتب قبل العيد

عبد العاطي يطالب بتفعيل الضغط الشعبي للخروج من دائرة الانقسام إلي رحاب المصالحة والوحدة الوطنية

غزة / عبد الفتاح الغليظ

طالب الأستاذ صلاح عبد العاطي مدير مركز مسارات بغزة ضرورة تفعيل الضغط الشعبي للخروج من دائرة الانقسام إلي رحاب المصالحة والوحدة الوطنية مشيرا إلي انه لابد من شجب كل محاولات االقفز فوق قوة العمل الهادفة لاعادة الوحدة وبناء نظام ديمقراطي في المجتمع الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال ولا يتحمل أي تباطؤ في إنهاء الانقسام .

وقال عبد العاطي في دراسة له بعنوان "دور منظمات المجتمع المدني في مواجهة التحديات وتحقيق الوحدة الوطنية " أن الرهان علي العامل الجماعي التوحيدي كفيل بتحقيق هدف إعادة بناء الوحدة الوطنية ورهان رغم عدم جاهزيته لكنه أفضل من الرهان علي المتغيرات الدولية والإقليمية وتبني الحلول الاحاية من قبل طرفي الانقسام مشددا علي ضرورة المحافظة علي النسيج الاجتماعي بما يضمن تعزيز مقومات الصمود وتمكين الشعب الفلسطيني من مواجهة مشاريع الاحتلال الاستيطانية والعدوانية والتوسعية والعنصرية .

وشدد عبد العاطي علي ضرورة اعطاء المواطنين حقهم في العدالة والكرامة والإنصاف قبل أن يضطرهم استمرار الانتهاكات والقمع الي التمرد واستخدام العنف من جديد بصورة قد تهدد مستقبل المجتمع الفلسطيني وقضيته الوطنية مشيرا إلي ضرورة قيام المجتمع المدني بكافة مكوناته بدور فاعل في مواجهة التحديات الوطنية وتحقيق الوحدة الوطنية .

دور منظمات المجتمع المدني في فلسطين

أما حول قيم المجتمع المدني أكد عبد العاطي أن يلتزم في وجوده ونشاطه بقيم ومعايير حقوق الإنسان والاحترام والتراضي والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف، وما يتطلبه ذلك من قبول التنوع والاختلاف بين الذات والآخرين، وهي نفس القيم والمعايير التي تقوم عليها الديمقراطية كصيغة لإدارة الصراع في المجتمع بوسائل سلمية، فالثقافة الديمقراطية تلغي الانقسامات ومركزية القرار وأحادية الفكر،مشيرا أن هذه القيم ضرورية لمواجهة ظاهرة التعصب والتطرف، فضلاً عن إبداع بدائل لحل المشكلات والأزمات. أما مهارات وقيم المشاركة، فتمكن المواطن من التأثير في قرارات السياسة العامة ومساءلة ممثليه المنتخبين.

وأشار إلي أن الحالة الفلسطينية تؤكد أن منظمات المجتمع المدني لعبت دورا أساسيا في نشوء ورفد الحركة الوطنية الفلسطينية، التي جرى التعبير عن أول بروز لها في إطار الجمعيات المسيحية الإسلامية منذ عام 1918. وعلى مدار تاريخها المعاصر، لعبت المنظمات الأهلية الفلسطينية أدوارا مختلفة ومتباينة انسجمت مع الظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية التي مر بها المجتمع الفلسطيني، ابتداء بفترة السيطرة العثمانية على مقدرات البلاد، ومروراً بالاستعمار البريطاني والصهيوني، وكذلك بفترة التواجد الأردني والمصري في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن ثم الاحتلال الإسرائيلي لبقية فلسطين عام 1967.

ومن الجدير الإشارة إلى أن الاتحادات الشعبية، وخاصة الاتحاد العام لطلبة فلسطين، شكلت القاعدة لانطلاق منظمة التحرير، إضافة إلى الأدوار التي قامت بها في تعزيز التضامن مع النضال الوطني على المستويين العربي والدولي، حيث قامت المنظمات الأهلية الفلسطينية بدور كبير في تعزيز صمود المواطن الفلسطيني في مواجهة سياسات المحتل من خلال خدماتها الإغاثية والحقوقية. وفي المقابل، عانت هذه المنظمات من القيود والعراقيل التي أوجدها الاحتلال للحد من وجودها ونشاطها المقاوم، إلا أنها استطاعت وبكثير من الجهود أداء رسالتها في تعزيز الصمود وفضح ممارسات المحتل وانتهاكاته اليومية لحقوق الشعب الفلسطيني، كما نجحت في القيام بأدوار هامة في الاستجابة لاحتياجات المواطنين في معظم المجالات الإنسانية والاجتماعية في فلسطين.

 وقال عبد العاطي أن إثر إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1994، تضاعف عدد المنظمات الأهلية الفلسطينية وتنوعت أدوارها وأهدافها، وأخضعت للمرة الأولى للرقابة الفلسطينية الرسمية بموجب القوانين الفلسطينية، فقد كفل القانون الأساسي الفلسطيني المعدل للعام 2003 حق كل مواطن في تشكيل الجمعيات والنقابات والاتحادات والروابط والأندية وحرية الانضمام إليها، انطلاقا من أن حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام من قبل السلطة.

ونوه إلي أن في العام 2000 صدر قانون الجمعيات والهيئات الأهلية الفلسطيني، كأول قانون فلسطيني ينظم إنشاء وتسجيل ومتابعة عمل المنظمات الأهلية، التي وصل عددها حتى نهاية العام 2011، إلى (2600) جمعية أهلية تعمل في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، وتنشط في كافة المجالات. ولعل أبرز إسهاماتها تمثل في رصد وفضح انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي والتأثير بالرأي العام الدولي لنصرة الحقوق الوطنية الفلسطينية، إلى جانب الاستجابة لتلبية احتياجات المجتمع المحلي من خلال تقديم الخدمات المختلفة للمجتمع الفلسطيني، وبخاصة في قطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية والزراعة وتنمية المصادر البشرية والمرأة …الخ.

ويضاف إلى ذلك، مهام الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها في مواجهة تعسف السلطة وفسادها، وخاصة الفئات الضعيفة والمهمشة وضمان مصالحهم وحقوقهم، من خلال رفع مستوى الوعي العام لدى المواطنين، أو من خلال التعليم والتدريب والنشر والإعلام وإعداد الدراسات والأبحاث والقيام بحملات المناصرة والتعبئة والضغط والتأثير بالسياسات العامة وصياغة التشريعات.

 وبين ان منذ الانقسام، قامت بعض منظمات المجتمع المدني، إلى جانب عملها في مجال الإغاثة وتقديم الخدمات، بالتركيز على أنشطة المدافعة والضغط من أجل المصالحة، والدفاع عن الحريات، ورصد الانتهاكات وممارسة النقد، الأمر الذي أدخل المنظمات الأهلية في حالة اشتباك مع الحكومتين، وصل في بعض الأحيان إلى حد إغلاق بعض الجمعيات أو التأثير على عملها من خلال سن مجموعة من القوانين والقرارات لتحجيم دورها.

التحديات التي تعيق عمل المجتمع المدني:

 وفيما يخص بالتحديات التي تعيق عمل المجتمع المدني  قال عبد العاطي انه يمكننا التعاطي مع هذه التحديات من زاويتين، الأولى تتعلق بالتحديات الذاتية، فيما الزاوية الأخرى تتعلق بالتحديات الموضوعية، وسوف نورد هنا أهم هذه التحديات التي تعيق النهوض بدور منظمات المجتمع المدني في مواجهة التحديات الوطنية والمجتمعية:

التحدي الأول: استمرار الاحتلال الإسرائيلي وممارساته وجرائمه بحق المواطنين والمؤسسات، إضافة إلى دوره في تعميق واستمرار الانقسام، الأمر الذي أدى بدوره إلى تركيز منظمات المجتمع المدني على الاهتمام بالقضايا الوطنية العامة المتعلقة بممارسات الاحتلال، والتي يمكن تحقيق تعبئة سريعة بنداء عام حولها، مما يرفع الحرج عن نشطاء المنظمات الأهلية، حيث تحصر بعض المنظمات نشاطها في إصدار بيان أو نشرة أو تقرير أو تنظم ورشة أو لقاء في فندق.

التحدي الثاني: تعرض منظمات المجتمع المدني الفاعلة لانتكاسة كبيرة في ظل السلطة الفلسطينية وحكوماتها المتعاقبة، الأمر الذي أدى إلي تغيرات في أجندة عملها وأولوياتها وجعل قياداتها تركز على احترف كتابة مقترحات المشاريع والتواؤم مع متطلبات الممولين لتصبح سمة الغالبة لعمل معظم المؤسسات الأهلية الانشداد والتنافس على التمويل الدولي والتوظيف واستمرارية عمل المؤسسة والحفاظ عليها في أجواء مضطربة وغير مستقرة، أكثر من انشدادها إلى القضايا الوطنية والارتباط مع مصالح الفئات الاجتماعية الضعيفة والمهمشة.

التحدي الثالث: الانتهاكات التي تعرضت لها منظمات المجتمع المدني من قبل الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية التابعة لحكومتي غزة والضفة، والتي وصلت إلى حد إغلاق بعض الجمعيات والنقابات، إضافة إلى إعاقة عملها، وأحيانا منع بعض أنشطتها، في انتهاك سافر لحرية الرأي والتعبير والحق في التجمع السلمي.

التحدي الرابع: يتصل بتغليب الطابع النخبوي في مؤسسات العمل الأهلي والعجز عن بناء روافد لها من الفئات الاجتماعية صاحبة المصالحة في إنهاء الانقسام، فالقضايا الكبرى تتطلب طاقة هائلة حتى تحرز النجاح، مع ملاحظة أن حملات التوعية والتأثير تنجح بقدر ما تتحول إلى مطالب ملموسة تحملها فئات اجتماعية. ولعل ذلك يعود إلى غياب حركة اجتماعية وغياب الارتباط بالمنظمات الشعبية، وغياب العلاقة الفاعلة مع وسائل الإعلام، الأمر الذي أدى إلى تحويل منظمات المجتمع المدني إلى فروع شجرة بلا جذور. وبصرف النظر عن النوايا، فإن الوضع العام لمنظمات المجتمع المدني – مع استثناءات قليلة، على سبيل المثال، وليس الحصر- مهدد بالتحول إلى بناء بيروقراطي مقطوع الصلة بالناس ومطالبهم الملحة.

التحدي الخامس: تأثير ضغوط البيئة السياسية الخارجية الدولية والإقليمية والعربية، وحاجة أطراف الانقسام للانحياز إلى محور، والارتهان للمساعدات المقدمة له، مع استجابة منظمات المجتمع المدني – عامة – لهذه الضغوط حرصا على الاستمرارية، ورغبة منها في الحصول على مساعدات من هذه الأطراف التي امتنعت في أحيان كثيرة عن تمويل المؤسسات الحكومية أو تقديم تمويل تبعا لتبعية المنظمات لطرف سياسي، وخاصة في قطاع غزة.

التحدي السادس: محدودية المهارات في إدارة الحوارات الداخلية وحل الصراعات ونقص المهارات في التشبيك وإدارة حملات مناصرة طويلة، فقد عجز المجتمع المدني عن إدارة حوارات داخلية لتقييم أسباب الفشل والنجاح، إلى جانب جمع كافة الأطراف صاحبة المصلحة لإنهاء الانقسام، إضافة إلى الإخفاق في بناء تحالف دائم قادر على إحداث التغيير وتقديم بديل ديمقراطي.

من أجل مواجهة المخاطر والتحديات السابقة قال عبد العطي في دراسته إن إحدى الاستراتيجيات المطروحة على منظمات المجتمع المدني لتعظيم فاعليتها هي مساعدة أصحاب المصالح لتنظيم أنفسهم، وبناء المنظمات القاعدية المعنية بالقضايا المباشرة، وتشجيع عملية تفعيل وبناء شبكة من الأفراد والمنظمات ذات التوجه المشترك، فكلما أصبحت مؤسسات المجتمع المدني أكثر ديمقراطية في حياتها الداخلية فإنها تكون أقدر على المساهمة في التطور الديمقراطي للمجتمع كله.

وهذا يستدعي توفر مجموعة من المعايير التي تتطلب تعزيز النمو في العضوية الفاعلة والنشطة، ومستوى المشاركة في نشاط وإدارة المؤسسة عبر وضع معدلات لتغيير عضوية مجالس الإدارة لجهة ضمان مشاركة المرأة والشباب وإصلاح آليات إصدار القرارات.

 وأضاف انه إذا نجحت مؤسسات المجتمع المدني في تحقيق المشاركة والتداول داخلها وفي هيئاتها القيادية المنتخبة، تكون قد وفرت بذلك أعدادا متزايدة من القيادات تتحرك للنشاط في مجالات سياسية مباشرة، وتساهم في تعزيز الوحدة والديمقراطية السياسية في المجتمع. بمعني آخر، ألا تكون المؤسسة أو المنظمة صورة مصغرة عما يجرى في المجتمع من احتكار فئة محدودة للسلطة أو انفراد فرد واحد بها، ونحن نلاحظ أن نمط القيادة الأبوية هو النمط السائد في المجتمع عموما، حيث ينفرد بالقيادة شخص واحد. وما لم يتغير هذا النمط في القيادة فإنه لا أمل في تطور المجتمع ديمقراطيا أو تحقيق الوحدة (كون فاقد الشيء لا يعطيه).

وأوضح انه بالرغم من التحديات الكبيرة التي تعيق تطور دور المجتمع المدني في إتمام المصالحة، ومن بينها تأثير جماعات الانقسام داخل السلطتين وخارجهما، وفقدن الثقة بين طرفي الانقسام، وتأثيرات الاحتلال والعوامل الإقليمية والدولية، والتي بدورها ترخي بظلالها على قدرة الأطراف المعنية بإنهاء الانقسام، إلا أن هذه المنظمات تتوفر فيها نخبة مرشحة للاتساع، كما وتتوفر لديها إمكانيات مؤسساتية وأطر وشخصيات وعلاقات تمكنها من أن تكون محركا فاعلا على الأقل للمساهمة في استعادة الوحدة الوطنية والتدخل في كافة ملفات المصالحة، إن اتجهت رغبتها وإرادتها للعمل على ملف التحديات الوطنية بصورة جمعية.

مبادرات منظمات المجتمع المدني في مجال المصالحة وآفاق التغيير:

وأكد عبد العاطي أن مؤسسات العمل المدني الفلسطيني نجحت في القيام بعدد كبير من المبادرات والفعاليات التي هدفت للمساهمة في تحقيق الوحدة، على أن المثير في الأمر، وفي الجوانب الميدانية والعملية، أن هناك عددا كبيرا من مؤسسات العمل المدني في المجتمع الفلسطيني تتسم بقصور النظر وغياب التخطيط والمشاركة الإستراتيجية في تنمية، وتطوير، وتغيير المجتمع الفلسطيني، وبالتالي غابت أو هي بلا دور على الإطلاق.

وأشار أن هناك منظمات مجتمع مدني أدركت العلاقة الجدلية بين إنجاز مرحلة التحرر الوطني وتحقيق الوحدة الوطنية، كما لا يمكن تحقيق التنمية والتحول الديمقراطي في ظل حالة الانقسام السياسي، فالاكتفاء بأعمال الإغاثة الخيرية وتقديم الخدمات والعزوف عن السياسة من شأنه أن يفاقم أزمة المجتمع المدني، ويضعف دوره ويمكن سلطتي رام الله وغزة من الزحف المنظم لاحتلال الفضاء العام وتقليص مساحة الفعل السياسي والاجتماعي أمام الآخرين.

لذا، وجدنا أنه كلما ارتفعت الفعالية السياسية للمجتمع المدني خفت حدة الانتهاكات لحقوق الإنسان والملاحقة الأمنية ومحاولات تضييق الخناق على الحريات.

وأكد انه لم يكن ذلك غريباً، القيام بجهد كبير لاستعادة الوحدة وتنشيط الحوار الوطني من قبل منظمات المجتمع المدني، حيث مارست بعض المؤسسات الفاعلة جهدا بحثيا وشعبيا وضغطا سلميا وإعلاميا باتجاه التأثير على صناع القرار لدى قيادات فتح وحماس، من أجل المساهمة في إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

ورغم أن بعض المؤسسات تعرض بسبب ذلك لمحاولات الاحتواء أو القمع والإقصاء، إلا أن عددا منها لعب دوراً فاعلاً باتجاه حماية الحريات العامة، وتعزيز قيم الوحدة الوطنية، وقد تمثل ذلك من خلال العديد من المبادرات الشعبية والمؤسساتية، التي قادتها بعض مؤسسات المجتمع المدني التي تقدمت بمبادرات مكتوبة ، وقدمت جهد عملي وبحثي وإضافة إلي مبادرات من الشخصيات المستقلة والمثقفين ولكن إبراز الفعاليات تمثل في الحراك الشبابي والشعبي في يوم 15/ آذار 2011، الذي بالرغم من نجاحه في تحريك الشارع الفلسطيني، إلا أنه افتقد للاستمرارية لأسباب متعددة في مقدمتها تعرض النشطاء الشباب إلى قمع الأجهزة الأمنية التابعة لحكومتي رام الله وغزة، إضافة إلى محاولات الاحتواء من قبل طرفي الانقسام وبعض القوى السياسية، فيما تمثل العامل الأهم في عدم استكمال الحراك في ظل بروز أمراض الزعامة المبكرة لدى القيادات الشابة المشرفة على الحراك.

وقال أن معظم المبادرات والفعاليات الأخرى، رغم إيجابيها، ظلت  محدودة ومحصورة لأسباب تعود لضعف القائمين عليها، أو لانحياز بعضها، أو لغياب رؤية شاملة فيها، أو لأسباب موضوعية خارجية، أو لتحولها إلى مشروع ممول ضمن أجندة بعض المنظمات الأهلية، أو كون بعض المبادرات مرجعتيها الترقيع، أو التسليم بالواقع، بمعني قبول إدارة الانقسام بدل إنهاء الانقسام، أو أنها عملت دون برامج وخطط عمل تحول هذه الاستراتيجيات إلى أعمال وخطوات ملموسة في مجال إنهاء الانقسام، وبالتالي لم يكن لها أثر كبير، حيث انحصرت في نطاق محدود ودون تشبيك وتعاون فيما بنيها، مع أن الواقع يقول إن صوت وحراك الشباب والنساء، إلى جانب الفعاليات التي نظمتها المؤسسات الأهلية، قد لعبت دوراً في استجابة القيادات السياسية للتوقيع على اتفاق القاهرة.

طبيعة علاقة منظمات المجتمع المدني بالسلطة وسيناريوهات التحرك لتحقيق الوحدة الوطنية:

وأشار عبد العاطي في دراسته ان في ضوء الواقع الراهن الذي مر ويمر به المجتمع الفلسطيني، أصبح المطلب الرئيس للمواطنين في هذه المرحلة الحرجة هو إنهاء الانقسام كونه أثر سلبا على الشعب والقضية، وجعل معظم الناس تهتم بالقضايا الحياتية والخدمات التي تراجعت بفعل ضعف وانقسام وعجز النظام السياسي الفلسطيني، بحيث أصبح الهم الأساس لكل مواطن هو كيفية الحصول على لقمة العيش منتظراً راتباً شهرياً أو سلفة على حساب الراتب تمكنه من الاستمرار في الحياة، ووقف الانتهاكات لحقوق الإنسان من قبل كلا السلطتين، الأمر الذي أنشأ علاقات متلبسة بين الناس والسلطة، وبين السلطة والمجتمع المدني الذي تراوحت علاقته مع (سلطتي الانقسام) بين ثلاثة أنواع من العلاقات، الأولى: علاقة الإقصاء، وهذا راجع لطبيعة الانقسام الذي نجم عنه خلاف وصراع سياسي، والثانية: اختلاف في الرؤية المجتمعية والاقتصادية بين مؤسسات المجتمع المدني التي تميل لفتح أو حماس، والثالثة: قيام كلا السلطتين في غزة ورام الله بمحاولة احتواء أو تجحيم بعض المؤسسات الفاعلة في الضفة والقطاع، وبالتالي غابت إلي حد بعيد العلاقة المفترضة بين السلطة ومنظمات المجتمع المدني، والتي يفترض أن تقوم على التكامل والشراكة.

سيناريوهات وخيارات المجتمع المدني لاستعادة الوحدة:

وعن السيناريوهات وخيارات المجتمع المدني لاستعادة الوحدة شدد عبد العاطي علي ضرورة المواجهة المباشرة التي تضع الأطراف في حالة قطعية ومواجهة مفتوحة لا يحسمها سوى منطق موازين القوى، وبالتالي الغلبة ستكون لعنف السلطة وقمعها في حالة ضعف الحراك الشعبي ومنظمات المجتمع المدني والتبعية والاحتواء لمنظمات المجتمع المدني، التي تصبح تدريجياً تعمل في الفضاء الذي ترسمه السلطة، وهذا يعني تصفية المجتمع المدني.

ونوه إلي ضرورة تفعيل سيناريو الحوار الذي يهدف إلى إقناع الأطراف بأن مصلحتها ومصلحة الشعب تكمن في إنهاء الانقسام، من خلال أنشطة رقابية وبحثية وحملات مناصرة سلمية يترافق معها حراك شعبي مستمر يقوم على ربط هذا

المسار بإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية ضمن مشروع وطني جامع.

ويجدر تبني المجتمع المدني السيناريو الثالث في الحالة الفلسطينية، ولكنه يتطلب من منظمات المجتمع المدني، تطوير قدرة الحوار النشط مع السلطة وأطراف الانقسام وبناء أجواء الثقة التي تساعد على تنشيط الحوار، في إطار التمسك بالاستقلالية والعمل على تطوير قدرات المجتمع المدني في الضغط من أجل تحقيق الوحدة، والتأثير على صانع القرار من خلال توجيه الرأي العام وصناعته، التفاعل مع مشكلات المواطنين وتفعيل استخدام وسائل الإعلام المختلفة، وتبني ثقافة جديدة تتمثل بانتقال المجتمع المدني من تأدية الدور التعبوي والتحريضي إلى المشاركة في عمليات رسم السياسات العامة، وفي اعتماد آليات الرقابة والمحاسبة والمساءلة، إضافة إلى الاستمرار في بناء قدرات جميع الفئات، بما في ذلك النساء والشباب، وتمكينها من التعبير عن مخاوفها ومطالبها والمشاركة بصورة أفضل في حوارات بناءة تعزز من دورها في المشاركة الفاعلة بالتصدي للتحديات الوطنية.

إستراتيجية وطنية بديلة لمواجهة التحديات الوطنية:

 أما فيما يتعلق بإستراتيجية وطنية بديلة لمواجهة التحديات الوطنية قال عبد العاطي انه كم يمكن لمنظمات المجتمع المدني إدارة تفاوض مباشر مع الأطراف المعنية مع تحديد الأولويات، وهذا يتطلب أن يحدد النشطاء في المجتمع المدني ماذا يريدون؟ هل يملكون خططا واستراتيجيات وطنية بديلة لكسب مزيد من الحلفاء كي يتمكنوا من الضغط على أطراف الانقسام لتبنيها؟

 وأضاف أن هذا الأمر يتطلب امتلاك المجتمع المدني لإستراتيجية بديلة تهدف إلى إخراج الحالة الوطنية الفلسطينية من أزمتها، والمبادرة باتجاه الاتفاق على صياغة إستراتيجية وطنية فلسطينية موحدة من اجل تجاوز حالة الاستعصاء القائمة، وبما يمكن شعبنا من مواصلة نضاله وتحقيق أهداف في مواجهة الاحتلال من اجل الحرية والاستقلال والعودة. وهذا يتطلب وقف الرهان على العودة إلى المفاوضات العبثية مع الاحتلال الإسرائيلي، ووقف التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال، وتفعيل مسار سياسي جديد يقوم على الجمع بين مسارين:

الأول: تدويل القضية عبر المطالبة بعقد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة، بالاستناد إلى القانون الدولي والقرارات ذات الصلة، ويكون على جدول أعماله تطبيق هذه القرارات وليس إعادة التفاوض بشأنها، بما يقود إلى ضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، غير القابلة للتصرف، إضافة إلى استكمال انضمام دولة فلسطين إلى المنظمات والمؤسسات والوكالات والبروتوكولات والاتفاقيات الدولية.

الثاني: مسار المقاومة بكافة أشكالها بما يتناسب مع طبيعة وظروف كل من التجمعات الفلسطينية ويخدم الحقوق الوطنية. ولعل المدخل الضروري لمثل هذه الاستراتيجية يكون بإنهاء حالة الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية وفق أسس الشراكة وضمن برنامج وطني، الأمر الذي يتطلب دعوة الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير، لإجراء المراجعة السياسية المطلوبة، ووضع آليات تنفيذية لإنهاء الانقسام، ورسم استراتيجية سياسية تقوم على الاتفاق على برنامج وطني فلسطيني موحد، والعودة للشعب بانتخابات شاملة لمؤسسات السلطة ومنظمة التحرير وفق قانون التمثيل النسبي الكامل.

ومن شأن ذلك أن يغلق الطريق أمام المشاريع الهادفة إلى فصل القطاع عن الضفة، ويوفر المناخ والقدرة على توفير مقومات الصمود، والعمل على إنهاء الحصار وضمان إعادة الاعمار في القطاع، والتصدي لجرائم المستوطنين وتوسيع المستوطنات وتهويد القدس، ودعم وتعزيز الأطر الشعبية في مقاومتها الشاملة ضد الاحتلال والاستيطان، والتنكيل بالأسرى، وتبني حملة المقاطعة والعزل والمحاسبة للاحتلال، وتطوير أشكال النضال الجماهيري الشامل، والتحرك الدبلوماسي والسياسي في المحافل الدولية، وتعزيز صمود الناس في القدس وقطاع غزة، إضافة إلى العمل على دعم ومأسسة إستراتيجية لحماية اللاجئين في الشتات ومتابعة قضاياهم والتصدي للمشاريع البديلة عن حق العودة وفق قرار 194.

سابعا: المهام والدور المطلوب من منظمات المجتمع المدني لتحقيق الوحدة

تفرض الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الأراضي الفلسطينية بقوة أهمية استثنائية للحركات والشبكات الاجتماعية التي يمكن أن تلعب دوراً مهماً في استعادة الوحدة الوطنية. ففاعلية العمل لا تتحقق إلا من خلال العمل المثابر لبناء شبكات ومنظمات مجتمع مدني لها جذور قوية، وصلات مباشرة مع أصحاب المصلحة، الأمر الذي يحقق عملا فاعلا في ظل أوضاع انتقالية معقدة تتسم بتزايد انتهاكات حقوق الإنسان بفعل استمرار الاحتلال وممارساته القمعية وجرائم حربة المتواصلة من جهة، ومن جهة أخرى انطلاقا من واقع التطورات السياسية بسبب الانقسام الفلسطيني الذي أثر على مجمل الحياة الفلسطينية وحالة حقوق الإنسان.

وفي ضوء الرؤية الوطنية البديلة التي تقوم على مقاربة الحقوق وعلى حق الشعب الفلسطيني في النضال من اجل الخلاص من الاحتلال بكافة الوسائل والأدوات الكفاحية، يمكن تلخيص دور ومهام منظمات المجتمع المدني في إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة من خلال تقديم المبادرات والتصورات والآليات العملية لدعم مسار إعادة بناء الوحدة الوطنية، وممارسة الضغط الشعبي والجماهيري وتنظيم قوى الناس من اجل تحقيق جملة من المطالب لضمان تحقيق الوحدة الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي الموحد وترتيب البيت الداخلي على أسس وطنية ديمقراطية تضع على أجندتها النضال من اجل التنفيذ الفعلي لاتفاقية المصالحة الوطنية على الأرض دون إبطاء أو مماطلة، وبما يضمن إعادة النظر في الإشكاليات كافة التي نشأت بموجب حالة الانقسام، من خلال:

أولا: دعوة الإطار القيادي المؤقت للانعقاد لضمان إشرافه على تنفيذ الاتفاقيات وعمله من اجل إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وتفعيل دورها وإجراء انتخابات المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية حيث أمكن وبالتوافق الوطني حيث يتعذر إجراء الانتخابات، إلى جانب إجراء انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي، وإعادة بناء المؤسسات والأطر التمثيلية النقابية والمهنية، وكذلك البلديات، عبر آلية الانتخابات الديمقراطية المبنية على التمثيل النسبي بما يضمن إعادة وحدتها وتجديد وتفعيل مجمل الخلايا المجتمعية.

ثانيا: تفعيل عمل المجلس التشريعي ليباشر أعماله بفاعلية لحين إجراء الانتخابات التشريعية.

ثالثا: الضغط لتشكيل حكومة وحدة وطنية تراعي مشاركة القوى السياسية وقطاعي النساء والشباب، ومتابعة تنفيذها لبرنامج عمل تتضمن إنهاء تبعات الانقسام.

رابعا: إعادة بناء وإصلاح الجهاز القضائي وتشكيل مجلس القضاء الأعلى على أسس مهنية تجمع ما بين الكفاءات القضائية في الضفة والقطاع، ويناط به مهمة توحيد وضمان استقلالية السلطة القضائية.

خامسا: تطبيق للعدالة الانتقالية وإنصاف ضحايا الانقسام من خلال تشكيل هيئة فلسطينية للمصالحة والإنصاف من شخصيات مستقلة ومشهود لها بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته، على أن يكون لهذه اللجنة دور وصلاحية التحقيق وتقصي الحقائق، ويناط بذات اللجنة صلاحية وضع الأسس الكفيلة بإنصاف وتعويض ضحايا الانقسام، إضافة إلى إشراك الفعاليات الوطنية والاجتماعية في عملية المصالحة، وتقديم مقترحات ومبادرات لتحقيق تلك المصالحة من اجل إعادة صياغة السلم الأهلي في المجتمع على أسس سيادة القانون ومبادئ المواطنة.

سادسا: الضغط لضمان إعادة دمج وهيكلة وتوحيد الأجهزة الأمنية كي تقوم بمهمة حفظ الأمن والنظام في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية وفق التزامها بمبادئ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وحماية أمن المواطنين.

سابعا: ضمان الحريات وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد من خلال استخدام كافة الأدوات التي يتيحها القانون وطبيعة العمل، وعلى رأسها ممارسة حرية التظاهر والتجمع السلمي للقوى السياسية والاجتماعية على اعتبار أنها وسيلة أساسية للتعبير عن الرأي، ومنع أجهزة الأمن في الضفة الغربية وفي قطاع غزة من التدخل والتضييق على أي تجمع سلمي، وكف يد الأجهزة الأمنية عن التدخل في شؤون الجمعيات والجامعات وأية أشكال تنظيم جماهيري أو نقابي أو مهني، وإطلاق حرية التنظيم النقابي.

ثامنا: العمل على حل مشكلات قطاع غزة أزمة الكهرباء والفقر والبطالة وإعادة الاعمار و موظفي قطاع غزة، وإعادة المفصولين من الوظيفة العمومية على خلفية الانقسام وتوفير الميزانيات التشغيلية للمؤسسات الخدمية.

تاسعا: تفعيل الجمعيات الأهلية وضمان حرية العمل النقابي وضمان التوقف الفوري عن مضايقة الجمعيات الأهلية واستهدافها خارج نطاق القانون، وفتح الجمعيات المغلقة، وإعادة أية محتويات تمت مصادرتها أو نهبها، وذلك دون إبطاء على اعتبار أن تلك الانتهاكات هي إحدى إفرازات الانقسام.