البعد الخفي لمشكلة غزة

البعد الخفي لمشكلة غزة
بقلم / المهندس نهاد الخطيب                                          

مهندس وباحث في العلاقات الدولية

            غزة بالتأكيد ليست الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم ، ولكنها من فئة "الأكثر" ،وهذا يضعنا جميعاً أمام تحديات كبيرة ، ليس أخطرها عجز الموارد الطبيعية عن الإيفاء بحاجة السكان ، وما ينتجع عن ذلك من اضطراب اقتصادي يليه أو يتواكب معه اضطراب اجتماعي واللذان يؤسسان لحالة  فوضي سياسية تجعل الحياة الطبيعية المنتظمة مسألة حلم للغزيين.

           في كتابة البعد الخفي ، أشار ادوارد تي .هول ، وهومن علماء الإنسان ، وهو علم جديد في الفضاءالمعرفي العربي ، أشار الى تجربة لها  علاقة بالسلوك الإجتماعي للحيوانات ، عندما لاحظ أن حيوانات المعمل كانت تموت بشكل جماعي في لحظة معينة من عمر التجربة وهو وقت طويل نسبياً، وبعد اجراء كل التجارب والفحوصات اللازمة لمحاولة فهم السبب ، توصل العلماء الى أن السبب هو ما يسمى ب "التوتر الناشئ عن الازدحام " ، ووجدوا أن هناك تغيرات هرمونية  يستتبعها تغيرات في وظائف الأعضاء الى حد معين وبعدها تنفق هذه الحيوانات.

            قادته ،ادورد تي هول، تجاربه  الى أن الإنسان يشترك مع الحيوانات في موضوع الحاجة الى ثلاثة أنواع من الحيز ،الحيز الشخصي والحيز الإجتماعي والحيز الأمن أو ما يسمى مسافة هروب ،وإلا فان مشاكل الاكتظاظ ،النفسية والاجتماعية والصحية تبدأ بالظهور وانعكاسات كل ذلك على مجرى الحياة الطبيعية.

          البعض يريد من غزة أن تحلّي مياه البحر للشرب ، وأن تعالج مياهها  العادمة ,ان تتخلص من نفاياتها وأن تتعامل مع متطلبات النمو الطبيعي لسكانها وذلك في ظل محدودية قاتلة للمساحة الجغرافية ، ومحدودية أكبر للموارد ، فمهما كان كرم الطبيعة معنا فمن الممستحيل أن تكون الموارد الطبيعية لهذه الرقعة الصغيرة قادرة على تحمل هذا التكدس البشري غير المعقول.

               إن لم نواجه مشاكلنا بشجاعة وبكل ملكاتنا الفكرية من الوعي والتخطيط والتنفيذ الناجع والأمين ففي وقت قريب قد لا نجد قبور لدفن موتانا ، فضلاً عن ايجاد أماكن للأحياء ، ستنعكس مشكلة الاكتظاظ على سلوكنا ، برفع مستوى التوتر الداخلي وضعف التركيز وانعدام الحد الأدنى من الخصوصية اللازمة للحياة الطبيعية  فضلاًعن الابداع المطلوب أن يتجلي في كل مظاهر حياتنا ،ومشاكل اجتماعية وأخلاقية غريبة عن أخلاقيات مجتمعنا حاضراً.

          غزة بحاجة الى أن تتكامل مع جوارها ، وهذا لا يعني أن تتخلى عن هويتها الوطنية أو صبغتها الشخصية، أنا أعتقد أن الهوية الفلسطينية ، غير قابلة للذوبان  في هويات الأخرين ، وأمر التواصل مع الضفة الغربية ليس من باب التكامل المقصود بل هو الوحدة العضوية وهي ليست موضوع مناقشة .

            التكامل مع سيناءء المصرية قد يكون أكثر من ضرورة وإيجاد صيغ تكاملية مفيدة للطرفين  ، ليس أمراَ صعباً، في الثمانينات كانت الصين تستورد نفاياتها الصلبة من المانيا لإعادة تدويرها ، مستعمرة جبل طارق تتزود بكهربائها بالكامل من أسبانيا رغم الخلافات بينهما ، وكثيراً من المناطق تعتمد في تزويدها بالمياه العذبة على الأخرين شركات ودول.

           أما إذا كان البعض يرى في التكامل مع الكيان الصهيوني خياراً أفضل، فهؤلاء بحاجة الى إعادة صياغة وعيهم الوطني      يرحمكم الله