ضرائب في الخليج

ضرائب في الخليج
فكري جودة     
   "أعلن وكيل وزارة المال الإماراتية، يونس حاجي الخوري،
 أمس، أن دول الخليج اتفقت على القضايا الرئيسة لتطبيق ضريبة القيمة المضافة في المنطقة لتدنو من فرض ضرائب مباشرة للمرة الأولى."

كان ذلك الخبر الذي انتشر عبر وسائل الإعلام العربية والأجنبية بمثابة الإعلان الرسمي الأول لدخول دول مجلس التعاون الخليجي مرحلة تحول اقتصادي جذري، حيث أن هذا الإعلان يمكن ترجمته على أنه إيذان بتحول دول الخليج من نموذج الاقتصاد الريعيّ القائم على عوائد بيع البترول ومشتقاته إلي اقتصاديات أكثر توازنا من خلال تنويع مصادر الدخل الحكومي من خلال استحداث وتوسيع الأوعية الضريبية التي لا تتعارض مع القوانين الدولية والالتزامات الثنائية والتعاقدية وقواعد منظمة التجارة العالمية. 

ولىّ زمن الوفرة

        أكتب هذا المقال ويتردد في ذهني صدى تحقيق تلفزيوني أجراه تلفزيون الكويت في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وكان موضوع التحقيق سؤال افتراضي يوجه للمواطنين حول رأيهم في حال فرض الدولة لضريبة الدخل والمبيعات ؟

كانت إجابات المواطنين في حينه أقرب للسخرية من السائل، وارتقت في بعضها لحد استنكار مجرد السؤال، والكل دون استثناء استبعد إمكانية حدوث ذلك. أحدهم أجاب بلهجته المحلية: "عقب الخير ظرايب ! ..... صعبة هذي".

الهاجس الذي حرك هذا السؤال في تلك المرحلة المتقدمة من الزمن هو الأزمة المالية الأمريكية في العام 1988 والمسماة بالإثنين الأسود. على الرغم عدم انكشاف الكويت ودول الخليج بشكل كبير على تلك الأزمة ، إلا أن بعض الخسائر الفردية وشبح أزمة سوق الأوراق المالية الكويتي المسماة أزمة "سوق المناخ" عام 1983 ، وكذلك الأعباء الضخمة اقتصاديا للحرب العراقية الإيرانية ، بالإضافة إلى الانخفاض الحاد والمزمن لأسعار النفط منتصف ثمانينات القرن الماضي والمقترن باعتماد الاقتصاد الخليجي على ريع بيع البترول بشكل مفرط . كل ما سبق أدّى لبروز وعي خليجي مبكر بضرورة السعي لتنويع مصادر الدخل وإصلاح الأنظمة الضريبية بما يحقق التوازن المالي ويخفض من مخاطر العجز المالي ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة من الثروة.

إلاّ أن أي من ذلك لم يتحقق أو حتى تم التقدم نحوه حتى اليوم، وذلك لأسباب سياسية داخلية وخارجية، ولأسباب اجتماعية خاصة بكل دولة من هذه الدول ، ويطول الحديث في هذا الجانب ويتشابك، ولن أخوض فيه كثيرا. 

عبر الزمن

        يمكن تحديد أكتوبر/2008 كنقطة انطلاق جديدة لدول الخليج العربي نحو إصلاح أنظمتها الضريبية لتحديد الأهداف السابق شرحها. حيث تم إعلان عن البدء الفعلي في توحيد الأنظمة الضريبية الخليجية وصولا للتوافق على معدلات ونسب ضريبية مناسبة لضرائب الشركات والدخل والقيمة المضافة، وكان الهدف في حينه الوصول لاتفاق نهائي في غضون العام 2012 .

ذلك لم يحدث، وتقديري أن الأمر يمكن تحليله من خلال دراسة سيكولوجية متّخذ القرار الخليجي ، حيث يمكننا ومن خلال مقاربة تاريخية بسيطة أن نلحظ ارتباط النشاط الحكومي الخليجي نحو تنويع الموارد والإصلاح الضريبي بالأزمات المالية العالمية : 1988-1997-2008-2013..... فهي أقرب لرد الفعل الانفعالي منها لاستراتيجية جماعية صارمة.

لكنني أرجح أن الإجراءات الخليجية هذه المرة أكثر جدية، وأنها سوف تظهر للضوء فعلا خلال عامين أو ثلاثة. وذلك بسبب الانكشاف الكبير للاقتصاد الخليجي على الأسواق العالمية، والتغيرات السياسية العميقة في المنطقة ، والانخفاض الكبير لأسعار البترول وتسارع السعي لإيجاد مصادر طاقة بديلة ، والأهم شبح نضوب الثروة البترولية الذي يقترب كل يوم.

التأثير على الميزة التنافسية

        لطالما اعتبرت دول الخليج العربي بشكل عام جنة من جنان الاستثمار على الارض، فالدولة كانت تتكفل بالبنى التحتية وتقدم شتى التسهيلات للمستثمر ويقرن ذلك بالحد الأدنى من تدخل الدولة وسياسة صفرية للضرائب بأنواعها.

طبعا كان الهدف المعلن هو تشجيع الاستثمارات التي تعود على الدولة بتنوع الدخل وتقليل الاعتماد على البترول كعائد رئيس. وتشكلت بناء على ما سبق منظومة اقتصادية ضخمة مستفيدة مما سبق من مزايا.

التوجه الحكومي الخليجي الحالي – مالم يكن مدروسا بعناية –  يهدّد بتبخر صورة الجنة الضريبية السابقة ، فالمستثمر الباحث عن العائد الأعلى سوف يضع في حسبانه كلفا جديدة لدخول السوق أو الاستمرار به. وعلى الصعيد المهني الفردي سوف نرى تراجعا كبيرا في ترتيب الأسواق الخليجية كجاذبة للعمالة الماهرة وحتى العمالة غير الماهرة. فالمقارنة بين دبيّ ودبلن كانت في السابق تجاه دبي بقوة وذلك بسبب العائد المالي الأعلى ، إلاّ أن تساوي المدينتين في معدل العائد مع تثبيت بقية العوامل لشخص ما مستقبلا قد يكون في صالح دبلن ، حيث يوجد نظام مستقر ضريبيا ويقدم خدمات اجتماعية وصحية متكاملة ، والأهم إمكانية الحصول على الجنسية الايرلندية بعد 5 سنوات من الإقامة ، وهذا مالا توفره دبي وأخواتها –على الأقل في الوقت الحاضر-. 

إذن، فنحن اليوم ننظر إلى خليج عربي مختلف بعد خمس سنوات من الآن ، ومن يدري علّ الأزمات تظهر أفضل ما في دول الخليج العربي الذي لم يظهر بعد.