البداية من هنا

البداية من هنا
بقلم / المهندس نهاد الخطيب                                          

مهندس وباحث في العلاقات الدولية


              يقولون أن الفلسفة هي البحث عن الحكمة، فالفلاسفة إذن هم الباحثون عن الحكمة، والحكمة هي الوصول الى المعرفة عن طريق التأمل ،والتأمل ( Meditation )  ، واحداً من أكثر التمارين الذهنية التي يصر عليها خبراء التنمية البشرية ، لدرجة أنهم يدعوننا الى ممارستها ولو لمدة ربع ساعة كل يوم، وأنا هنا لا أريد أن أتطرق الى الفكرة في سياقاتها القرأنية ، لأترك الفرصة لأحد العقول النابهة من محبي الثقافة.

              مارست تجربة التأمل من منظور السيرورة الحضارية لأمتنا وشعبنا ، وبمعنى أكثر وضوحا ، أين نقف في هذه اللحظة التاريخية من تاريخ أمتنا ، وكيف يمكننا العودة الى متن التاريخ وتقليل فترة مكوثنا على الهامش  ، نحن كأمة تعاني من الاستباحة البشعة للإنسان والموارد والرصيد الحضاري ، أي أننا ندفع ثمن عبقرية الجغرافيا الطبيعية التي حبانا بها الله ، وندفع ثمن طمع الأخرين في ثرواتنا ، أيضاً التي منحننا اياها الرب الكريم، وندفع أيضاً ثمن صعود حضاري سريع عندما امتزجت كيمياء العرب بسمو الاسلام ورفعته ، وكانت النتيجة ما يمكن تسميته بالحسد أو الضغينة أو الخوف الحضاري من العرب إن قامت لهم قائمة مرة أخري .

              ولهذا لم تكف ماكنة صنع المؤامرات على هذ المنطقة منذ القرن السابع الميلادي ، وهذا ما يتكلم عنه صراحة المؤرخون الغربيون ، من أن المشاكل الحالية في المنطقة بدأت منذ القرن السابع الميلادي.

            نتيجة تجربتي التأملية ، كانت على تواضعها كالأتي : بدون تكريس حالة من الوعي على المستوى الفردي تنعكس على صورة وعي جمعي للموقف الحضاري لهذه الأمة في الوقت الحاضر، وبالأستفادة الكاملة من التجربة التاريخية لهذه الأمة وبنيّة إعادة موضعة لهذه الأمة في مكانة متقدمة ، إن لم تكن الرائدة على الإطلاق بين الحضارات الأخرى ، فإننا قطعاً لسنا على الطريق الصحيح نحو المستقبل .

              طريقنا نحو الوعي  هو المعرفة ، تحديدها، بمعنى ماذا يلزمنا أن نعرف لكي نستعيد الذات الحضارية في شكلها السياسي ابتداءً،وبالأشكال الأخري تالياً ، ثم ماهي الأدوات المعرفية التي تلزمنا ، وهي بالمناسبة أدوات بسيطة، العقل والحس والتجربة والنص الديني والإشراق الفيضي القلبي (المقصود هنا الاستخارة المعروفة)، وتبقى هنا مسألة المنهج المعرفي ، والمقصود هنا أيضاً معرفة أي الأدوات أكثر مناسبةً في ظرف معين لزيادة حصيلتنا المعرفية ، وبما يلامس الخصوصية الفردية لكل واحد مننا.

             عندما نتسلح بالوعي المستند الى المعرفة ونحدد هدفنا ومصالحنا فلن يكون هناك فرصة لأحد أن يستغلنا أو يحتقرنا أو يعاملنا بدونية ناتجة عن خلل عنده أو قصور عندنا ، وستنفتح لنا الأفاق ،لحياة طيبة ودور تاريخي حضاري طليعي ومشرف ، ينسجم مع الهدف الأسمى الذي خلقنا من أجله ، عبادة الله وعمارة الأرض    يرحمكم الله