خطاب الملك محمد السادس في قمة باريس خطاب من أجل الانصاف البيئي والتنموي المستدام
رام الله - دنيا الوطن - رشيد فاسح
هو خطاب جاء لكشف المسكوت عنه في القمم الكونية التي تهم مستقبل الانسانية بغض النظر عن مواقعها الجغرافية واختلافاتها السياسية، خطاب بيئي ايكولوجي تنموي مستدام يبسط التجربة المغربية ويلتفت الى الانتماء الإفريقي ويستشرف المستقبل الانساني فيظل التحديات البيئية والمناخية الكونية.
وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس خطابا إلى الدورة 21 لمؤتمر الاثفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية المنعقدة بباريس، حيث اكد العاهل المغربي في الخطاب الذي القاه في باريس، ذكر الملك ان القمة الحالية لا يمكن أن تندرج ضمن القمم والمؤتمرات العادية، التي دأبت المجموعة الدولية على عقدها بانتظام، في إطار جدول العلاقات الدولية. فمؤتمر باريس والمؤتمر الذي تقترح المملكة المغربية احتضانه بمدينة مراكش، خلال السنة القادمة 2016، هما أولا وقبل كل شيء، قمتان من أجل المستقبل الذي من واجب ومن مسؤولية الزعماء أن يتركوه لأطفالنا. هؤلاء الأطفال يضيف الملك محمد السادس الذين لا نريد أن نراهم محرومين من الغابات والمحيطات والشواطئ، ومن كل الموارد والخيرات الطبيعية، التي تجسد أغلى رصيد تملكه البشرية، والذي أصبح اليوم، مهددا بسبب تقاعس المجتمع الدولي، أو عجزه عن تعبئة جهوده، قبل فوات الأوان، من أجل توفير الوسائل اللازمة التي تجعله يتحكم في مصيره. كما ان الوعي الجماعي اليوم، بالآثار المدمرة لظاهرة الاحتباس الحراري، يحتم على الجميع الإسراع بالملائمة بين الأقوال بالأفعال.
الخطاب المتبصر البيئي المستقبلي
كما أن الرهان الذي يميز النقاش اليوم يؤكد جلالته، ليس إيديولوجيا ولا ديبلوماسيا ولا حتى اقتصاديا بالمعنى المتعارف عليه والذي ميز المداولات والاجتماعات السابقة، فالكل يعرف أن التهديد صار عالميا، ولا يمكن لأي بلد، ولا لأي منطقة ولا قارة أن تكون بمعزل عنه او الإفلات من آثار التغيرات المناخية وتبعاتها السلبية .
وأكد جلالة الملك في هذه الكلمة انه قد ولى زمن الشك والريبة، ولم يعد هناك مجال لمبررات ترتبط بأولويات كاذبة، قد تعتذر بها المجموعة الدولية، التي أدارت ظهرها طويلا لمصير ومستقبل أطفالها ومن خلالها الانسانية جمعاء. بينما الحقيقة لم تتغير: الثلوج تذوب، والبحار والمحيطات يرتفع مستواها، والشواطئ تتآكل يوما بعد يوم، والموارد المائية تتناقص، والمنتوجات الزراعية مهددة، والفيضانات تزداد حدة وفتكا بالأرواح، وتتناوب مع مواسم من الجفاف لا تقل خرابا وإضرارا.
ودعا الملك ان لا يتحول الإجماع، الذي يصعب تحقيقه حاليا في هذا المجال، إلى عائق يرمي عليه البعض تردده ويبرر به البعض الآخر أوهامه التي يغذيها جموده، فإنه لا بد لنا أن نبني على ما هو ممكن، وما نستطيع تحقيقه، وأن نتحلى بالصبر والطموح والعزم. فالتحرك الفاعل والنتائج الملموسة، وحدها هي الجديرة بهزم معاقل المقاومة والتحفظ.
الاستراتيجية والحكمة المغربية الرائدة والاستباقية في المجال المائي:
كما اكد الملك في خطابة للاستراتيجية التي أطلقتها المملكة المغربية منذ أزيد من نصف قرن. بدءا بالموارد المائية، شريان الحياة والهاجس اليومي والمعيشي لكل مغربي. فكيف سيكون مصير المغرب، في هذا الصدد لولا سياسة السدود هذا الاختيار الرائد الذي يعكس بعد النظر، الذي نهجه جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه منذ مطلع ستينيات القرن الماضي.
ووعيا من جلالته بأهمية هذا المكسب الهيكلي والمحوري بالنسبة لمستقبل المغرب، فقد حرص على تعزيزه، وهو ما مكن المملكة من التوفر على 140 من السدود الكبرى المصنفة، تم إنشاء ثلثها تقريبا خلال الخمسة عشرة سنة الماضية. وبفضل هذه السياسة، أصبح المغرب قادرا على مواجهة آثار الجفاف، بينما يتحول مجرد تأخر موسمي في هطول الأمطار في بعض الدول المتقدمة، إلى حالة طوارئ، حيث يبدأ الحديث عن فترة جفاف استثنائي وحاد. كما أن انخراط المغرب في هذا الاتجاه، يبرز أيضا في تطوير شبكة الأحواض النهرية التي تمكن من ضمان تدفق المياه عبر قنوات تحافظ على استقرار الأنظمة البيئية.
وفي مجال الصيد البحري، اعتمد المغرب سياسة تحافظ على ثرواته السمكية ودافع عنها رغم كل الصعوبات التي واجهها في مفاوضاته مع شركائه.
الانخراط الكامل للمملكة المغربية في المستقبل الاخضر والطاقات النظيفة :
كما ذكر جلالة الملك محمد السادس بأن المملكة المغربية، ومنذ لقاء ريو دي جانيرو سنة 1992 الذي دق ناقوس الخطر بالنسبة لقضية المناخ، قد انخرطت وبكل حزم ، من خلال سياستها الإرادية للتنمية المستدامة وحماية البيئة، في الجهود الشاملة التي يبذلها المجتمع الدولي، وذلك عبر مجموعة من الاصلاحات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية والتنظيمية.
ومنها الميثاق الوطني للبيئة، ومخطط المغرب الأخضر، ومخطط الاستثمار الأخضر، ومنع المواد المعدلة جينيا، والقانون المعتمد مؤخرا حول النفايات البلاستيكية، إلا تعبير عن هذه التعبئة وهذا الالتزام. كما أن المملكة المغربية، في إطار نفس الرؤية التي تعطي الأولوية للمدى البعيد، قد أصبحت في الآونة الأخيرة، أحد أهم الفاعلين في مجال الانتقال الطاقي في العالم، وفي القارة الإفريقية بصفة خاصة.
فبعد أن كان هدفنا بلوغ نسبة 42 بالمائة من الطاقات المتجددة لسد حاجياتنا الوطنية في أفق سنة 2020، فقد تم رفع هذا السقف مؤخرا إلى 52 بالمائة بحلول سنة 2030.
وإن "المساهمة المرتقبة والمحددة للمغرب في الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية" تؤكد هذه المقاربة الريادية للمملكة، من حيث طبيعتها الطموحة والملموسة.
وانطلاقا من هذا الالتزام، الذي لا رجعة فيه، يتقدم المغرب اليوم بترشيحه لاستضافة المؤتمر 22 حول التغيرات المناخية، في مدينة مراكش، سنة 2016.
وهو ما يعكس مضمون "نداء طنجة"، الذي أطلقه جلالته بمعية فخامة الرئيس فرانسوا هولاند، في 20 شتنبر الماضي، والذي يؤكد التزامنا بالعمل، يدا في يد، من أجل إنجاح هذين الموعدين الحاسمين بالنسبة لمستقبلنا المشترك. فالمراحل ينبغي أن تتوالى في هذا المسار الطويل، لأن هناك عادات يجب تغييرها، وأولويات ينبغي تحديدها، وتكنولوجيات يتعين اختراعها، إضافة إلى اعتماد تقارير دورية.
البعد الافريقي والتنموي المستدام والعدل البيئي بين الشمال والجنوب من اجل مستقبل الانسانية
ولم يفت جلالته التذكير بأن أزمة المناخ هي أكبر حيف يلحق بالدول الهشة، فتأثيرات التغيرات المناخية تعني كذلك، وربما بشكل أكبر، البلدان النامية، خاصة دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية الأقل تطورا، والدول الجزرية الصغيرة. لقد دق ناقوس الخطر وسمعه حتى الصم، وبات الجميع يعرف حجم الرهان، هناك بلدان تسير إلى الأمام، لكن كل بوتيرته وحسب استراتيجيته الخاصة. كل يشق طريقه رغم الصعاب، التي لا يمكن تجاهلها، وعلى رأسها توفير مستويات عيش مناسبة للشعوب. كما ذكر بالقارة الإفريقية التي تستحق اهتماما خاصا، فهي قارة بدأت تستفيق في كل مناطقها، وتستكشف ذاتها وتكتسب الثقة في نفسها. إنها قارة المستقبل، وعلى أرضها سيحسم مصير كوكبنا.
وتسأل جلالته: هل من الإنصاف أن نطالب الآخرين بالتقليص عندما نتوفر على كل شيء ؟ ولكن عندما نتوفر على القليل، هل المطالبة بالمزيد تعتبر إجراما في حق كوكب الأرض ؟وهل من المناسب وصف التنمية بالمستدامة إذا كانت تدفع الجزء الأكبر من البشرية نحو الفقر ؟وهل من المشروع أن تصدر توجيهات حماية البيئة عن الأطراف التي تعتبر المسؤول الأول عن ارتفاع حرارة المناخ ؟
ففي مقارنة بين نمط الاستهلاك بين بلدان الشمال والجنوب ، فإن نمط عيش سكانها وعاداتهم الاستهلاكية الخاصة بمنتجات التجميل أو بعض المواد الغذائية، مثلا، تخلف كميات هائلة من النفايات "غير القابلة للتحلل". أما في البلدان النامية، فتشكل مكافحة الأكياس البلاستيكية تحديا حقيقيا. فالناس لا يهتمون بكيفية التخلص منها، بقدر ما يهتمون بملئها من أجل سد حاجياتهم. فالأمر هنا يتعلق بمسألة تربوية. ومن هذا المنطلق، وفي كلتا الحالتين، فإنه لابد من سن قوانين ملزمة. لكن هذه المعركة ضد النفايات لا يجب أن تصبح مرادفة لرفض التكنولوجيا، ونبذ التطور، والعودة للعصر الحجري. بل على العكس من ذلك، يجب استخدام التطور التكنولوجي بكل نجاعة، للحد من آثار الاحتباس الحراري.
مؤتمر من أجل مستقبل الانسانية وجوابا ضد الظلامية
ودعا جلالته في ختام كلمته امام هذا الجمع الهائل لزعماء العالم الى استغلال الفرصة من اجل المستقبل و التوصل لإجماع دولي حقيقي وشامل. فهذا الإجماع الذي لن يتحقق إلا بدعم للانخراط الفعلي للدول النامية في كل تحركاتها لفائدة المناخ. فمؤتمر باريس يمنح فرصة لتطوير آلية قانونية شاملة وعملية ومتوازنة وكونية، تمكن من الحفاظ على ارتفاع حرارة الأرض دون مستوى درجتين مئويتين، والتطلع نحو اقتصاد خال من الكربون.
وفي الختام، عبر جلالته عن تمنياته بكامل التوفيق لهذا المؤتمر، وعن جزيل الشكر للرئيس فرانسوا هولاند ولفرنسا، على حرصهما وتعبئتهما من أجل جعل هذا المؤتمر موعدا ناجحا مع التاريخ ومع الأمل .فالإصرار على تنظيم هذا المؤتمر وعلى نجاحه، هو أكبر تقدير يمكن أن تقديمه للفرنسيين، نساء ورجالا، الذين أصابهم الإرهاب البغيض. وهذا أحسن جواب لمواجهة الظلامية وأعداء الانسانية.


هو خطاب جاء لكشف المسكوت عنه في القمم الكونية التي تهم مستقبل الانسانية بغض النظر عن مواقعها الجغرافية واختلافاتها السياسية، خطاب بيئي ايكولوجي تنموي مستدام يبسط التجربة المغربية ويلتفت الى الانتماء الإفريقي ويستشرف المستقبل الانساني فيظل التحديات البيئية والمناخية الكونية.
وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس خطابا إلى الدورة 21 لمؤتمر الاثفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية المنعقدة بباريس، حيث اكد العاهل المغربي في الخطاب الذي القاه في باريس، ذكر الملك ان القمة الحالية لا يمكن أن تندرج ضمن القمم والمؤتمرات العادية، التي دأبت المجموعة الدولية على عقدها بانتظام، في إطار جدول العلاقات الدولية. فمؤتمر باريس والمؤتمر الذي تقترح المملكة المغربية احتضانه بمدينة مراكش، خلال السنة القادمة 2016، هما أولا وقبل كل شيء، قمتان من أجل المستقبل الذي من واجب ومن مسؤولية الزعماء أن يتركوه لأطفالنا. هؤلاء الأطفال يضيف الملك محمد السادس الذين لا نريد أن نراهم محرومين من الغابات والمحيطات والشواطئ، ومن كل الموارد والخيرات الطبيعية، التي تجسد أغلى رصيد تملكه البشرية، والذي أصبح اليوم، مهددا بسبب تقاعس المجتمع الدولي، أو عجزه عن تعبئة جهوده، قبل فوات الأوان، من أجل توفير الوسائل اللازمة التي تجعله يتحكم في مصيره. كما ان الوعي الجماعي اليوم، بالآثار المدمرة لظاهرة الاحتباس الحراري، يحتم على الجميع الإسراع بالملائمة بين الأقوال بالأفعال.
الخطاب المتبصر البيئي المستقبلي
كما أن الرهان الذي يميز النقاش اليوم يؤكد جلالته، ليس إيديولوجيا ولا ديبلوماسيا ولا حتى اقتصاديا بالمعنى المتعارف عليه والذي ميز المداولات والاجتماعات السابقة، فالكل يعرف أن التهديد صار عالميا، ولا يمكن لأي بلد، ولا لأي منطقة ولا قارة أن تكون بمعزل عنه او الإفلات من آثار التغيرات المناخية وتبعاتها السلبية .
وأكد جلالة الملك في هذه الكلمة انه قد ولى زمن الشك والريبة، ولم يعد هناك مجال لمبررات ترتبط بأولويات كاذبة، قد تعتذر بها المجموعة الدولية، التي أدارت ظهرها طويلا لمصير ومستقبل أطفالها ومن خلالها الانسانية جمعاء. بينما الحقيقة لم تتغير: الثلوج تذوب، والبحار والمحيطات يرتفع مستواها، والشواطئ تتآكل يوما بعد يوم، والموارد المائية تتناقص، والمنتوجات الزراعية مهددة، والفيضانات تزداد حدة وفتكا بالأرواح، وتتناوب مع مواسم من الجفاف لا تقل خرابا وإضرارا.
ودعا الملك ان لا يتحول الإجماع، الذي يصعب تحقيقه حاليا في هذا المجال، إلى عائق يرمي عليه البعض تردده ويبرر به البعض الآخر أوهامه التي يغذيها جموده، فإنه لا بد لنا أن نبني على ما هو ممكن، وما نستطيع تحقيقه، وأن نتحلى بالصبر والطموح والعزم. فالتحرك الفاعل والنتائج الملموسة، وحدها هي الجديرة بهزم معاقل المقاومة والتحفظ.
الاستراتيجية والحكمة المغربية الرائدة والاستباقية في المجال المائي:
كما اكد الملك في خطابة للاستراتيجية التي أطلقتها المملكة المغربية منذ أزيد من نصف قرن. بدءا بالموارد المائية، شريان الحياة والهاجس اليومي والمعيشي لكل مغربي. فكيف سيكون مصير المغرب، في هذا الصدد لولا سياسة السدود هذا الاختيار الرائد الذي يعكس بعد النظر، الذي نهجه جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه منذ مطلع ستينيات القرن الماضي.
ووعيا من جلالته بأهمية هذا المكسب الهيكلي والمحوري بالنسبة لمستقبل المغرب، فقد حرص على تعزيزه، وهو ما مكن المملكة من التوفر على 140 من السدود الكبرى المصنفة، تم إنشاء ثلثها تقريبا خلال الخمسة عشرة سنة الماضية. وبفضل هذه السياسة، أصبح المغرب قادرا على مواجهة آثار الجفاف، بينما يتحول مجرد تأخر موسمي في هطول الأمطار في بعض الدول المتقدمة، إلى حالة طوارئ، حيث يبدأ الحديث عن فترة جفاف استثنائي وحاد. كما أن انخراط المغرب في هذا الاتجاه، يبرز أيضا في تطوير شبكة الأحواض النهرية التي تمكن من ضمان تدفق المياه عبر قنوات تحافظ على استقرار الأنظمة البيئية.
وفي مجال الصيد البحري، اعتمد المغرب سياسة تحافظ على ثرواته السمكية ودافع عنها رغم كل الصعوبات التي واجهها في مفاوضاته مع شركائه.
الانخراط الكامل للمملكة المغربية في المستقبل الاخضر والطاقات النظيفة :
كما ذكر جلالة الملك محمد السادس بأن المملكة المغربية، ومنذ لقاء ريو دي جانيرو سنة 1992 الذي دق ناقوس الخطر بالنسبة لقضية المناخ، قد انخرطت وبكل حزم ، من خلال سياستها الإرادية للتنمية المستدامة وحماية البيئة، في الجهود الشاملة التي يبذلها المجتمع الدولي، وذلك عبر مجموعة من الاصلاحات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية والتنظيمية.
ومنها الميثاق الوطني للبيئة، ومخطط المغرب الأخضر، ومخطط الاستثمار الأخضر، ومنع المواد المعدلة جينيا، والقانون المعتمد مؤخرا حول النفايات البلاستيكية، إلا تعبير عن هذه التعبئة وهذا الالتزام. كما أن المملكة المغربية، في إطار نفس الرؤية التي تعطي الأولوية للمدى البعيد، قد أصبحت في الآونة الأخيرة، أحد أهم الفاعلين في مجال الانتقال الطاقي في العالم، وفي القارة الإفريقية بصفة خاصة.
فبعد أن كان هدفنا بلوغ نسبة 42 بالمائة من الطاقات المتجددة لسد حاجياتنا الوطنية في أفق سنة 2020، فقد تم رفع هذا السقف مؤخرا إلى 52 بالمائة بحلول سنة 2030.
وإن "المساهمة المرتقبة والمحددة للمغرب في الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية" تؤكد هذه المقاربة الريادية للمملكة، من حيث طبيعتها الطموحة والملموسة.
وانطلاقا من هذا الالتزام، الذي لا رجعة فيه، يتقدم المغرب اليوم بترشيحه لاستضافة المؤتمر 22 حول التغيرات المناخية، في مدينة مراكش، سنة 2016.
وهو ما يعكس مضمون "نداء طنجة"، الذي أطلقه جلالته بمعية فخامة الرئيس فرانسوا هولاند، في 20 شتنبر الماضي، والذي يؤكد التزامنا بالعمل، يدا في يد، من أجل إنجاح هذين الموعدين الحاسمين بالنسبة لمستقبلنا المشترك. فالمراحل ينبغي أن تتوالى في هذا المسار الطويل، لأن هناك عادات يجب تغييرها، وأولويات ينبغي تحديدها، وتكنولوجيات يتعين اختراعها، إضافة إلى اعتماد تقارير دورية.
البعد الافريقي والتنموي المستدام والعدل البيئي بين الشمال والجنوب من اجل مستقبل الانسانية
ولم يفت جلالته التذكير بأن أزمة المناخ هي أكبر حيف يلحق بالدول الهشة، فتأثيرات التغيرات المناخية تعني كذلك، وربما بشكل أكبر، البلدان النامية، خاصة دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية الأقل تطورا، والدول الجزرية الصغيرة. لقد دق ناقوس الخطر وسمعه حتى الصم، وبات الجميع يعرف حجم الرهان، هناك بلدان تسير إلى الأمام، لكن كل بوتيرته وحسب استراتيجيته الخاصة. كل يشق طريقه رغم الصعاب، التي لا يمكن تجاهلها، وعلى رأسها توفير مستويات عيش مناسبة للشعوب. كما ذكر بالقارة الإفريقية التي تستحق اهتماما خاصا، فهي قارة بدأت تستفيق في كل مناطقها، وتستكشف ذاتها وتكتسب الثقة في نفسها. إنها قارة المستقبل، وعلى أرضها سيحسم مصير كوكبنا.
وتسأل جلالته: هل من الإنصاف أن نطالب الآخرين بالتقليص عندما نتوفر على كل شيء ؟ ولكن عندما نتوفر على القليل، هل المطالبة بالمزيد تعتبر إجراما في حق كوكب الأرض ؟وهل من المناسب وصف التنمية بالمستدامة إذا كانت تدفع الجزء الأكبر من البشرية نحو الفقر ؟وهل من المشروع أن تصدر توجيهات حماية البيئة عن الأطراف التي تعتبر المسؤول الأول عن ارتفاع حرارة المناخ ؟
ففي مقارنة بين نمط الاستهلاك بين بلدان الشمال والجنوب ، فإن نمط عيش سكانها وعاداتهم الاستهلاكية الخاصة بمنتجات التجميل أو بعض المواد الغذائية، مثلا، تخلف كميات هائلة من النفايات "غير القابلة للتحلل". أما في البلدان النامية، فتشكل مكافحة الأكياس البلاستيكية تحديا حقيقيا. فالناس لا يهتمون بكيفية التخلص منها، بقدر ما يهتمون بملئها من أجل سد حاجياتهم. فالأمر هنا يتعلق بمسألة تربوية. ومن هذا المنطلق، وفي كلتا الحالتين، فإنه لابد من سن قوانين ملزمة. لكن هذه المعركة ضد النفايات لا يجب أن تصبح مرادفة لرفض التكنولوجيا، ونبذ التطور، والعودة للعصر الحجري. بل على العكس من ذلك، يجب استخدام التطور التكنولوجي بكل نجاعة، للحد من آثار الاحتباس الحراري.
مؤتمر من أجل مستقبل الانسانية وجوابا ضد الظلامية
ودعا جلالته في ختام كلمته امام هذا الجمع الهائل لزعماء العالم الى استغلال الفرصة من اجل المستقبل و التوصل لإجماع دولي حقيقي وشامل. فهذا الإجماع الذي لن يتحقق إلا بدعم للانخراط الفعلي للدول النامية في كل تحركاتها لفائدة المناخ. فمؤتمر باريس يمنح فرصة لتطوير آلية قانونية شاملة وعملية ومتوازنة وكونية، تمكن من الحفاظ على ارتفاع حرارة الأرض دون مستوى درجتين مئويتين، والتطلع نحو اقتصاد خال من الكربون.
وفي الختام، عبر جلالته عن تمنياته بكامل التوفيق لهذا المؤتمر، وعن جزيل الشكر للرئيس فرانسوا هولاند ولفرنسا، على حرصهما وتعبئتهما من أجل جعل هذا المؤتمر موعدا ناجحا مع التاريخ ومع الأمل .فالإصرار على تنظيم هذا المؤتمر وعلى نجاحه، هو أكبر تقدير يمكن أن تقديمه للفرنسيين، نساء ورجالا، الذين أصابهم الإرهاب البغيض. وهذا أحسن جواب لمواجهة الظلامية وأعداء الانسانية.


