قل " ظاظا " !!

قل  " ظاظا "  !!
بقلم : محمد الوحيدي .

 

توزيع أراضٍ على موظفي حماس ، بدلاً و تعويضأ عن رواتبهم ، و ما بات يعرف بقرار " ظاظا " هو ببساطة و ألم عملية  الطعن القاتله ، فبقدر سهولة وسرعة بَقْر السكين لأحشاء الضحية ، بقدر ما ينتج عنها من ألم و معاناة و ندم ، شق الصف ،و تمزيق لُحمة الشعب الواحد ، ليس فقط في الدولة الواحدة ، بل تمددت و تسربت و تفشت ، لتصل إلى بذر الشِقاق و الفرقة و البغضاء بين أبناء المدينة الواحدة ، فبين  متفهم  أو محاول أن يتفهم  مشكلة ما يزيد على الخمسين ألفا ونيف من البشر ، إنضموا إلى الوظيفة العمومية في قطاع غزة على مدى الأعوام التسعة السابقة ، وتم إقناعهم ، بل و إقناعنا نحن ، بل أكثر من ذلك ، إقناع الحكومة الرسمية بأنهم موظفين ، و أنهم مسجلين في ما يسمى ديوان الموظفين العام في الدولة ، ومن هؤلاء من كان يعرف أنه عملياً إنما يعمل لدى فصيل ، و لا شرعية له و لا لوظيفته و لكنه عمل بما يشبه  الأبيات التي تقول : 

تَقَنَّع فذا زمن الأَقنعة ........وكُن دائماً أبداً إِمّعـَـــــــــــة

ونَافِق تَنَلْ كل ما تشتهى.......... فَرِزق المُنافق ما أوسَعه

ولا تَكترثَ أن تصيبَ الصديق......... بِبَغيٍ وتَسلِبهُ مَوضِعَه 

و بين معارضٍ يرى أنهم في الواقع "معتدون على حقوق الغير "، فكل من شَغَل وظيفة يشغِلها غيره ، هو معتدٍ على رزق غيره ، و مُخرِّب للهدف الذي من أجله إمتنع الموظف الأول عن تقديم الخدمة، بناءً على توجيهات المُشِّغل ، و العمل في الحكومة هوَ تعاقدٌ بينَها و بين " المُسْتَخدَم"  ، و الجهة المُشَغِّلة هي صاحبة الأمر و النهي . 

كما أن دفع رواتب لأكثر من خمسين ألفاً ، جُلُّهم ما شاء الله تمت ترقيتهم بين ليلة و ضحاها - قبيل إتفاق الشاطئ الشهير - إلى مراتب متوسطة و عليا ، و إلى رتب عسكرية  بكم ربما لا يوجد مثله إلا في جيوش أمريكا و روسيا من عقداء و لواءات .. أمر أشبه بالمهمة المستحيلة و يحتاج إلى جيمس بوند لحلها ، أو أن تصبح فلسطين دولة بترولية ، صناعية لوزعية ، و عضو في الثمانية دول المصنعة العظمى G8.

هذا الأمر ، خلق و سيخلق بلبلة ، و يغرز سكينا مسممة في قلب لحمة الشعب الواحد ، و كأنه شكل من اشكال مضاعفة المرض الذي بدأ بالإنقسام و الإنفصال عن الدولة – السلطة – الكيان الفسطيني الواحد، و الإنسلاخ عن الشرعية ، بخلق ما يسمى " شرعية الغلبة" بالقوة وفرض الأمر الواقع .. 

هذا القرار الغريب العجيب ، هو إستمرار لنهج ، و سياسات ، عارضها الكثير ، و ملأوا الدنيا نحيباً و شرحاً و كتابةً ، تارة بالهجوم ، و تارة بمحاولة النقاش ،بدءاً من التفرد في السلطة و الإنفصال عن المركزية و الشرعية ، مروراً بالضرائب التي أرهقت الناس ، و بسوء الخدمات  ، كل الخدمات ، وتفشي الرعب و المخدرات و البطالة و تشوه صورة أهل غزة  ، و تحول قضيتهم من صراع سياسي لتحرير القدس و الأرض و إقامة الدولة ، إلى صراع على التحكم في معبر رفح ، و الحصمة و الإعمار ، و فيها لأخفيها ، و شرعنة التهريب و الأنفاق ، و في غياب المنقذ ، في غياب البديل المقنع ، و أعني هنا ، في غياب حركة فتح ، و إستمرار عنادها في ممارسة و إرتكاب الأخطاء و الخطايا ذاتها التي أوقعت غزة فيما هي فيه و "يا شماتة ابله ظاظا فيا" ..

 لم يجد أهل غزة بداً ، و لا مفراً من الإستسلام للأمر الواقع ، و تفشت فيهم حالة من الركون ، و اللامبالاه ، وظهرت بين ظهرانيهم ، طائفة من الناس ، وجدوا في الوضع الجديد مرتعاً لهم ، و مناخا و أرضية خصبة فهم أساسا أذلة خاضعون  يرهبهم الظلام ويرعبهم مجرد الكلام فهم آثروا بساطير الجلاد دائماً ، و في كل حقبة ، وهم ذاتهم من كانوا يمارسون ذات السلوك قبل حماس ، مع فتح ، وقبل فتح مع العدو ، بحجج و عناوين من قبيل " الذكاء الإجتماعي و السياسة و البراغماتية و حسن التصرف " فذلك أضمن لشهواتهم التي لن تدوم, الموضوع يا ساده لا علاقة له الا بقيم النخوة و الرجولة في المجتمع. هؤلاء توصلوا إلى مفتاح الحل لأي مشكلة ، يؤمنون بأن اي معضلة يمكن حلها ببساطة فقط قل " ظاظا " !! و ستفتح لك كل الأبواب ، و تلوى كل الحقائق و بالقانون ... مفهوم "ظاظا " في الحكم و الإدارة بالغلبة و فرض الأمر الواقع ، ساعده على النشوء و الإرتقاء وجود مثل هذه الطائفة بين الناس ، هي المجاميع من الناس التي تمتاز بإنعدام النخوه نتيجة اعوام من استمرائهم  لمتعة الذل و العبودية مادام الطعام و الامن والدفء و التجارة بأي شكل و كل شئ متوفرة. سنوات عجاف انتجت  الكبت و شكلت نفسيات تستمتع بطعم احذية الحاكم.

ولا شك عندي ، و الحال كذلك ، أن مبررات و حجج ، ستساق  ، و مصوغات قانونية ستفبرك ، بل ، ربما يصل الأمر ، و بما أن كل العملية جاءت  ملتحفة عباءة الدين ، بأن فتاوى ستطلق ، و آيات ستأول ، و أحاديث تستدعى ، و روايات تسخر ، لتنفيذ ما يريدون ، و الناس سامدون ، مغيبون ، بين خائف و طامع ، و يائس ..