لا يقوم العدل إلا بكفاءة القائمين على أدائه / "أزمة العدالة وأزمة المحاماة"
المحامي علي شقيرات
العدل هو القضاء بالحق، والحكم بالقسط، إذ أنه أساس الوجود وأهم ركيزة من ركائزه.
وكيف لا يكون كذلك وهو القيمة السامية التي ينشدها الإنسان على مر العصور ويجود بالروح من أجلها وهذا بحد ذاته أقصى غاية وأعلى درجة من درجات الجود. "إذ لا حياة بدون عدل"، وكما أن العدل يكون في الحكم، "وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل" وكذلك يكون العدل في القول :"وإذا قلتم فاعدلوا". وهذا الأمر يجعلنا ندقق ونمحص في مجلة الأحكام العدلية السارية المفعول في فلسطين لنقف على مجموعة المواد التي تبين صفات الحاكم وتحدد مجموعة من الضوابط التي ينبغي أن تتوافر فيه حيث نصت المادة (1792) من المجلة على: "ينبغي أن يكون الحاكم حكيماً فهيماً مستقيماً وأميناً مكيناً متيناً".
والحاكم والقاضي حسبما ورد في مواد المجلة (1784 ، 1785) بمعنى واحد.
حيث أوردت المادة (1784) أن القضاء يأتي بمعنى الحكم والحاكمية.
ونصت المادة (1785) على أن " القاضي هو الذات الذي عين ونصب من قبل السلطان لأجل فصل وحسم الدعوى والمخاصمة الواقعة بين الناس توفيقاً لأحكامها المشروعة. وأما إذا حكم القاضي بالجور أي بخلاف الحق ففي حكمه هذا أربع صور:
الصورة الأولى: أن يحكم خطأ في حق العبد فإذا حكم القاضي خطأ في حق العبد، فإذا تدارك ورد الخطأ وكان ذلك ممكناً فيبطل حكمه ويرد الحق إلى صاحبه.
الصورة الثانية: أن يحكم في حق العبد جوراً عن عمد، وأقر بذلك وجرى الحكم فيلزم القاضي الضمان من مال نفسه ويعزل ويعزر لأن القاضي يكون قد جنى وأتلف حق الغير.
الصورة الثالثة: أن يحكم القاضي خطأ في حقوق الله ويجري الحكم ثم يثبت بطلان القضاء قالضمان هنا يجب على بيت المال و/أو خزينة الدولة.
الصورة الرابعة: أن يحكم القاضي جوراً عن عمد في حقوق الله فإذا حكم القاضي جوراً عن عمد في حقوق الله وجرى الحكم ثم أقر بذلك، فيلزم ضمان الحق من ماله ويعزل ويعزر لأنه قد جنى وأتلف الحق.
كما وأن المادة (1769) من المجلة تؤكد على أن القاضي لا يقبل هدية أحد من الخصمين سواء كانت الهدية مادية أوعينية أو معنوية أو تحقيق منفعة لشخص أو لأحد من أهله في أي صورة من صور المنافع الشخصية وهذه كثر وحدث ولا حرج بينما تقرر المادة (1797) لا يذهب القاضي لضيافة أحد الخصمين، وقالت المادة (1789) لا يجوز للحاكم/ القاضي ما دامت الدعوى عنده ومنظورة أمامه أن يبدو منه وضع/ أو حال وحركة توجب التهمة وسوء الظن كقبول أحد الخصمين في داره والخلوة به في مجلس الحكم او الإشارة إليه بالعين أو اليد أو الرأس أو قوله كلاماً خفياً أو مخاطبته بلسان لا يفهمه الآخر".
وأما المادة (1799) فبينت أن الحاكم/ القاضي مأمور بالعدل بين الخصمين مما يلزمه أن يراعي العدل والمساواة في المعاملات المتعلقة بالمحاكمة .... الخ".
وخاتمة أداب القاضي ما نصت عليه المادة (1812) من المجلة :"ينبغي للحاكم أن لا يتصدى للحكم إذا تشوش ذهنه بعارضة مانعة لصحة التفكير كالغم والغصة والجوع وغلبة النوم"
ومن أهم الضوابط والقيود الواجب على القاضي التقيد والالتزام بها "أن لا يفشي رأيه أو يبين كيف سيحكم قبل النطق بالحكم". لذا فإن التذكير بأن القضاة ثلاثة مهم جداً ويجب أن يكون ذلك هو الفيصل بالنسبة للقضاة عند إصدار أحكامهم " .
حيث ان تفصيل ثلاثية القضاة على النحو التالي: "قاضي في الجنة وقاضيان في النار" وهذا حديث شريف فصّل وبيّن أنواع القضاة وما يترتب على أحكامهم من عقوبات إلهية. وبيّن مآل كل واحد منهم حسب أحكامه التي يصدرها.
ما تقدم متعلق بالطرف الجالس من القضاء كركن أساسي ومهم من أركان العدالة واما بالنسبة للطرف الثاني من أطراف العدالة وهو القضاء الواقف "المحامون".
فالمحاماة من الحماية وهي تشكل الدعامة الأساسية لتحقيق العدل فهي مهنة مستقلة تشكل مع القضاء سلطة العدل فلا تنعقد المحكمة تحت طائلة البطلان إلا بوجود محامٍ (في القضاء النظامي) وهي تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدل وسيادة القانون. فالمحامي مؤتمن على شرف الناس وأعراضهم واعتبرت بعض التشريعات أن حسن السمعة يجب ان تلازم طالب الانتساب إلى المحاماة وقد أخذ بذلك قانون نقابة المحامين الفلسطينيين رقم 3/1999 في المادة الثالثة فقرة (4) التي جاء نصها:
"يشترط فيمن يطلب تسجيله في سجل المحامين أن يكون: محمود السيرة والسمعة وغير محكوم عليه من محكمة فلسطينية مختصة في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة وقد نصت المادة (22) من تعليمات المحامين الشرعيين الصادرة بمقتضى المادة (21) من قانون المحامين الشرعيين رقم 12 لسنة 1952 والتي وضعت موضع التنفيذ للعمل بها والالتزام والتقيد بنصوصها من قبل قضاة المحاكم الشرعية والمحامين الشرعيين اعتباراً من 1/6/1987 وقد طبقت ونفذت لدى المحاكم الشرعية في الضفة الغربية اعتباراً من ذلك التاريخ وحتى الآن وهي سارية المفعول وقد ورد في صدر هذه المادة:
يجب أن يتميز سلوك المحامي تجاه المحكمة والمحامين الآخرين بالصراحة والإنصاف وبالاستقامة والنزاهة. ونصت المادة (26) من نفس التعليمات على ما يلي: على المحامي أن يسعى بدأب وفي كل الأوقات للمحافظة على شرف المهنة وكرامتها وأن يسعى لتحسين وتطوير القوانين المعمول بها وترسيخ مبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء.
والمحامي في كلا الجانبين لا يمارس عمله مستقلاً قبل الحصول على لقب أستاذ بحكم القانون/ الشرعي والنظامي ولأن المحامي مؤتمن على أغلى ما لدى الإنسان ولأنه لا يمارس عمله مستقلاً قبل الحصول على لقب محامي أستاذ فيجب أن يتمتع المحامي بأعلى درجات الكفاءة الأخلاقية والمهنية فالمحاماة رسالة وليست تجارة.
والإنسان في صراعه من أجل الحياة بنضاله المستمر في درء الأخطار عن حياته وماله وحريته وكرامته وعرضه بحاجة إلى حماية والمحاماة وجدت لحماية أغلى ما لدى الإنسان حياته وكرامته وعرضه. والحياة لا تستقيم بدون حماية ولذلك فإن النهوض برسالة المحاماة والخروج بها من أزمتها يشكل رسالة هامة وعظيمة خاصة وأن الجانب التكويني عرف في الآونة الأخيرة تراجعاً كبيراً سواء قبل دخول المحاماة لضعف التكوين الجامعي أو بعد دخول المحاماة بسبب التهميش وعدم إيلاء التدريب العناية الكافية وقد ارتبطت المحاماة في تاريخها وفي حاضرها بالكلمة فسلاحها الكلمة وقوة الفكرة قبل قوة السلطة ولقد اخذ البعض في الآونة الأخيرة يقلل من دور الكلمة في المحاماة وفي حياة البشرية ناسين قول الله تعالى وهو أصدق الصادقين: "ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار" صدق الله العظيم.
متناسين أيضاً أن رسالة الله إلى عباده جاءت على ألسنة الأنبياء والمرسلين كلاماً وأن آخر المعجزات الإلهية الخالدة إنما هي معجزة لغوية بيانية.
وهذا القول موجه للذين يقللون من دور وقدر الكلمة في المحاماة وفي الحياة الإنسانية، فإذا كانت العدالة مطلباً عظيماً في الحياة وإذا كان الأمر الرباني يقرر "أن الله يأمر بالعدل" وأن لا حياة بدون عدل وأن العدل في المجتمع لا يتوفر بدون قضاء ومحاماة يحميان للناس حياتهم وأموالهم وأعراضهم بحيث تتحقق مقولة "العدل أساس الملك" في العمل والتطبيق التي تقابل مقولة "الظلم أساس الخراب"، لندرك وبشكل واضح وجلي أهمية القضاء والمحاماة وأهمية الكفاءة المهنية والأخلاقية للقائمين على أداء العدل. ولا يمكننا أن نغفل أن الواقع البشري يشير ويفصح على أنه قد ساءت حال المحاماة حتى بلغت حد الأزمة والأمم الحية هي التي تظهر العيوب ولا تخفيها. كثيرون هم الذين يهمسون بالشكوى من القضاء بشقيه والمحاماة بمفصليها وفرعيها ولكن إذا طرح موضوع الهمس والشكوى للكتابة العلنية أطال الكاتب بالإشادة بالكفاءة المهنية والأخلاقية المتوفرة لدى القضاء والمحاماة وبهذه الطريقة لا يمكن أن يقوم إصلاح للقضاء والمحاماة لأن الإصلاح لا يمكن أن يقوم دون استقصاء أو تحديد العيوب والأمم الحية عندما تستقصي العيوب وتحددها تسارع للبحث عن العلاج وتضع لها العلاج.
أما والحال هذه فإني أرى أنه يجب أن لا يكون دخول المحاكم بنوعيها مصيبة وان لا يكون دخول أقسام الشرطة كارثة وأن لا يكون دخول مكاتب المحامين نكبة لأنها جميعها أدوات لتنفيذ القانون وسيادة القانون وإقامة العدل وإذا فقدت الثقة بالقضاء والمحاماة فإنه لا يمكن أن تقوم سيادة القانون وهنا أقول وبكل ثقة لقد أصبحت المحاماة تستقبل سنوياً جيشاً من المحامين في أغلبه غير راغب في المحاماة وإنما يدخل المحاماة ليس لأنه يختارها خط حياة وإنما لمجرد تفريغ البطالة التي يعاني منها المجتمع في المحاماة فإنه من البديهي ان من يزاول عملاً وهو غير راغب فيه يكون كمن يدخل بيتاً وهو مرغم على دخوله حيث ينتهي به الأمر أن يخرب هذا البيت. إن المحامي غير الكفء كالقاضي غير الكفء يعقد أمور الناس ولا يحلها وإن حلها فيكون الحل في غير محله. لقد كتب أحد ولاة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز يطلب منه مخصصات لتحصين مدينته من الروم فأجابه الخليفة بإيجاز شديد :"حصنها بالعدل وقوها بالحق". فكيف نصلح القضاء والمحاماة، وكيف نحصن وطننا بالحق والعدل، سؤال مطروح وبحاجة إلى إجابة واضحة وصريحة وبجرأة.
وأقولها كلمة أخيرة، هذا كلام نخرج فيه عن الصمت بدأناه تلميحاً وفي القادم تصريحاً وبوضوح بإذن الله.
العدل هو القضاء بالحق، والحكم بالقسط، إذ أنه أساس الوجود وأهم ركيزة من ركائزه.
وكيف لا يكون كذلك وهو القيمة السامية التي ينشدها الإنسان على مر العصور ويجود بالروح من أجلها وهذا بحد ذاته أقصى غاية وأعلى درجة من درجات الجود. "إذ لا حياة بدون عدل"، وكما أن العدل يكون في الحكم، "وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل" وكذلك يكون العدل في القول :"وإذا قلتم فاعدلوا". وهذا الأمر يجعلنا ندقق ونمحص في مجلة الأحكام العدلية السارية المفعول في فلسطين لنقف على مجموعة المواد التي تبين صفات الحاكم وتحدد مجموعة من الضوابط التي ينبغي أن تتوافر فيه حيث نصت المادة (1792) من المجلة على: "ينبغي أن يكون الحاكم حكيماً فهيماً مستقيماً وأميناً مكيناً متيناً".
والحاكم والقاضي حسبما ورد في مواد المجلة (1784 ، 1785) بمعنى واحد.
حيث أوردت المادة (1784) أن القضاء يأتي بمعنى الحكم والحاكمية.
ونصت المادة (1785) على أن " القاضي هو الذات الذي عين ونصب من قبل السلطان لأجل فصل وحسم الدعوى والمخاصمة الواقعة بين الناس توفيقاً لأحكامها المشروعة. وأما إذا حكم القاضي بالجور أي بخلاف الحق ففي حكمه هذا أربع صور:
الصورة الأولى: أن يحكم خطأ في حق العبد فإذا حكم القاضي خطأ في حق العبد، فإذا تدارك ورد الخطأ وكان ذلك ممكناً فيبطل حكمه ويرد الحق إلى صاحبه.
الصورة الثانية: أن يحكم في حق العبد جوراً عن عمد، وأقر بذلك وجرى الحكم فيلزم القاضي الضمان من مال نفسه ويعزل ويعزر لأن القاضي يكون قد جنى وأتلف حق الغير.
الصورة الثالثة: أن يحكم القاضي خطأ في حقوق الله ويجري الحكم ثم يثبت بطلان القضاء قالضمان هنا يجب على بيت المال و/أو خزينة الدولة.
الصورة الرابعة: أن يحكم القاضي جوراً عن عمد في حقوق الله فإذا حكم القاضي جوراً عن عمد في حقوق الله وجرى الحكم ثم أقر بذلك، فيلزم ضمان الحق من ماله ويعزل ويعزر لأنه قد جنى وأتلف الحق.
كما وأن المادة (1769) من المجلة تؤكد على أن القاضي لا يقبل هدية أحد من الخصمين سواء كانت الهدية مادية أوعينية أو معنوية أو تحقيق منفعة لشخص أو لأحد من أهله في أي صورة من صور المنافع الشخصية وهذه كثر وحدث ولا حرج بينما تقرر المادة (1797) لا يذهب القاضي لضيافة أحد الخصمين، وقالت المادة (1789) لا يجوز للحاكم/ القاضي ما دامت الدعوى عنده ومنظورة أمامه أن يبدو منه وضع/ أو حال وحركة توجب التهمة وسوء الظن كقبول أحد الخصمين في داره والخلوة به في مجلس الحكم او الإشارة إليه بالعين أو اليد أو الرأس أو قوله كلاماً خفياً أو مخاطبته بلسان لا يفهمه الآخر".
وأما المادة (1799) فبينت أن الحاكم/ القاضي مأمور بالعدل بين الخصمين مما يلزمه أن يراعي العدل والمساواة في المعاملات المتعلقة بالمحاكمة .... الخ".
وخاتمة أداب القاضي ما نصت عليه المادة (1812) من المجلة :"ينبغي للحاكم أن لا يتصدى للحكم إذا تشوش ذهنه بعارضة مانعة لصحة التفكير كالغم والغصة والجوع وغلبة النوم"
ومن أهم الضوابط والقيود الواجب على القاضي التقيد والالتزام بها "أن لا يفشي رأيه أو يبين كيف سيحكم قبل النطق بالحكم". لذا فإن التذكير بأن القضاة ثلاثة مهم جداً ويجب أن يكون ذلك هو الفيصل بالنسبة للقضاة عند إصدار أحكامهم " .
حيث ان تفصيل ثلاثية القضاة على النحو التالي: "قاضي في الجنة وقاضيان في النار" وهذا حديث شريف فصّل وبيّن أنواع القضاة وما يترتب على أحكامهم من عقوبات إلهية. وبيّن مآل كل واحد منهم حسب أحكامه التي يصدرها.
ما تقدم متعلق بالطرف الجالس من القضاء كركن أساسي ومهم من أركان العدالة واما بالنسبة للطرف الثاني من أطراف العدالة وهو القضاء الواقف "المحامون".
فالمحاماة من الحماية وهي تشكل الدعامة الأساسية لتحقيق العدل فهي مهنة مستقلة تشكل مع القضاء سلطة العدل فلا تنعقد المحكمة تحت طائلة البطلان إلا بوجود محامٍ (في القضاء النظامي) وهي تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدل وسيادة القانون. فالمحامي مؤتمن على شرف الناس وأعراضهم واعتبرت بعض التشريعات أن حسن السمعة يجب ان تلازم طالب الانتساب إلى المحاماة وقد أخذ بذلك قانون نقابة المحامين الفلسطينيين رقم 3/1999 في المادة الثالثة فقرة (4) التي جاء نصها:
"يشترط فيمن يطلب تسجيله في سجل المحامين أن يكون: محمود السيرة والسمعة وغير محكوم عليه من محكمة فلسطينية مختصة في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة وقد نصت المادة (22) من تعليمات المحامين الشرعيين الصادرة بمقتضى المادة (21) من قانون المحامين الشرعيين رقم 12 لسنة 1952 والتي وضعت موضع التنفيذ للعمل بها والالتزام والتقيد بنصوصها من قبل قضاة المحاكم الشرعية والمحامين الشرعيين اعتباراً من 1/6/1987 وقد طبقت ونفذت لدى المحاكم الشرعية في الضفة الغربية اعتباراً من ذلك التاريخ وحتى الآن وهي سارية المفعول وقد ورد في صدر هذه المادة:
يجب أن يتميز سلوك المحامي تجاه المحكمة والمحامين الآخرين بالصراحة والإنصاف وبالاستقامة والنزاهة. ونصت المادة (26) من نفس التعليمات على ما يلي: على المحامي أن يسعى بدأب وفي كل الأوقات للمحافظة على شرف المهنة وكرامتها وأن يسعى لتحسين وتطوير القوانين المعمول بها وترسيخ مبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء.
والمحامي في كلا الجانبين لا يمارس عمله مستقلاً قبل الحصول على لقب أستاذ بحكم القانون/ الشرعي والنظامي ولأن المحامي مؤتمن على أغلى ما لدى الإنسان ولأنه لا يمارس عمله مستقلاً قبل الحصول على لقب محامي أستاذ فيجب أن يتمتع المحامي بأعلى درجات الكفاءة الأخلاقية والمهنية فالمحاماة رسالة وليست تجارة.
والإنسان في صراعه من أجل الحياة بنضاله المستمر في درء الأخطار عن حياته وماله وحريته وكرامته وعرضه بحاجة إلى حماية والمحاماة وجدت لحماية أغلى ما لدى الإنسان حياته وكرامته وعرضه. والحياة لا تستقيم بدون حماية ولذلك فإن النهوض برسالة المحاماة والخروج بها من أزمتها يشكل رسالة هامة وعظيمة خاصة وأن الجانب التكويني عرف في الآونة الأخيرة تراجعاً كبيراً سواء قبل دخول المحاماة لضعف التكوين الجامعي أو بعد دخول المحاماة بسبب التهميش وعدم إيلاء التدريب العناية الكافية وقد ارتبطت المحاماة في تاريخها وفي حاضرها بالكلمة فسلاحها الكلمة وقوة الفكرة قبل قوة السلطة ولقد اخذ البعض في الآونة الأخيرة يقلل من دور الكلمة في المحاماة وفي حياة البشرية ناسين قول الله تعالى وهو أصدق الصادقين: "ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار" صدق الله العظيم.
متناسين أيضاً أن رسالة الله إلى عباده جاءت على ألسنة الأنبياء والمرسلين كلاماً وأن آخر المعجزات الإلهية الخالدة إنما هي معجزة لغوية بيانية.
وهذا القول موجه للذين يقللون من دور وقدر الكلمة في المحاماة وفي الحياة الإنسانية، فإذا كانت العدالة مطلباً عظيماً في الحياة وإذا كان الأمر الرباني يقرر "أن الله يأمر بالعدل" وأن لا حياة بدون عدل وأن العدل في المجتمع لا يتوفر بدون قضاء ومحاماة يحميان للناس حياتهم وأموالهم وأعراضهم بحيث تتحقق مقولة "العدل أساس الملك" في العمل والتطبيق التي تقابل مقولة "الظلم أساس الخراب"، لندرك وبشكل واضح وجلي أهمية القضاء والمحاماة وأهمية الكفاءة المهنية والأخلاقية للقائمين على أداء العدل. ولا يمكننا أن نغفل أن الواقع البشري يشير ويفصح على أنه قد ساءت حال المحاماة حتى بلغت حد الأزمة والأمم الحية هي التي تظهر العيوب ولا تخفيها. كثيرون هم الذين يهمسون بالشكوى من القضاء بشقيه والمحاماة بمفصليها وفرعيها ولكن إذا طرح موضوع الهمس والشكوى للكتابة العلنية أطال الكاتب بالإشادة بالكفاءة المهنية والأخلاقية المتوفرة لدى القضاء والمحاماة وبهذه الطريقة لا يمكن أن يقوم إصلاح للقضاء والمحاماة لأن الإصلاح لا يمكن أن يقوم دون استقصاء أو تحديد العيوب والأمم الحية عندما تستقصي العيوب وتحددها تسارع للبحث عن العلاج وتضع لها العلاج.
أما والحال هذه فإني أرى أنه يجب أن لا يكون دخول المحاكم بنوعيها مصيبة وان لا يكون دخول أقسام الشرطة كارثة وأن لا يكون دخول مكاتب المحامين نكبة لأنها جميعها أدوات لتنفيذ القانون وسيادة القانون وإقامة العدل وإذا فقدت الثقة بالقضاء والمحاماة فإنه لا يمكن أن تقوم سيادة القانون وهنا أقول وبكل ثقة لقد أصبحت المحاماة تستقبل سنوياً جيشاً من المحامين في أغلبه غير راغب في المحاماة وإنما يدخل المحاماة ليس لأنه يختارها خط حياة وإنما لمجرد تفريغ البطالة التي يعاني منها المجتمع في المحاماة فإنه من البديهي ان من يزاول عملاً وهو غير راغب فيه يكون كمن يدخل بيتاً وهو مرغم على دخوله حيث ينتهي به الأمر أن يخرب هذا البيت. إن المحامي غير الكفء كالقاضي غير الكفء يعقد أمور الناس ولا يحلها وإن حلها فيكون الحل في غير محله. لقد كتب أحد ولاة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز يطلب منه مخصصات لتحصين مدينته من الروم فأجابه الخليفة بإيجاز شديد :"حصنها بالعدل وقوها بالحق". فكيف نصلح القضاء والمحاماة، وكيف نحصن وطننا بالحق والعدل، سؤال مطروح وبحاجة إلى إجابة واضحة وصريحة وبجرأة.
وأقولها كلمة أخيرة، هذا كلام نخرج فيه عن الصمت بدأناه تلميحاً وفي القادم تصريحاً وبوضوح بإذن الله.
