خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

رام الله - دنيا الوطن

ألقى سماحة  العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله في كلّ الظروف، فالتقوى هي الَّتي تجعلنا أكثر انشداداً إلى الله وتمسّكاً به، وتشعرنا بالأمان والاطمئنان ما دام الله معنا، وكما وعدنا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، ومن يشعر بأنَّ الله معه، فلن يضعف ولن ينهزم، مهما اشتدَّت الصّعوبات وكبرت الآلام. إننا نتطلّع إلى هذه المرحلة بهذه الروحيّة، وبها نواجه التّحديات.

والبداية من الجريمة المروّعة الّتي حصلت في برج البراجنة يوم أمس، وأدَّت إلى استشهاد عدد كبير من الناس، وجرح العشرات من الأطفال والنّساء والشّيوخ والشّباب، ممن كانوا في مساجدهم وبيوتهم ومحلاتهم، ومن العائدين من مدارسهم وجامعاتهم وأعمالهم.

لقد جاءت هذه الجريمة لتشكّل شاهداً إضافياً على الطَّبيعة الإجراميَّة للَّذين خطَّطوا لهذا العمل وقاموا به، ومدى الخطر الَّذي لم يعهِ البعض؛ خطر من يقتل بدون حساب، ولا يراعي في ذلك ديناً أو إنسانيّة، فأيّ ذنب ارتكبه كلّ هؤلاء الناس حتى يُقتلوا ويُجرحوا وتدمّر محلاتهم ويروّع الآمنون في بيوتهم!؟

إنَّنا لا نرى هدفاً لمرتكبي هذه الجريمة سوى القتل للقتل، وتنفيس الحقد تجاه هؤلاء الناس الطيبين والعزّل والآمنين، فالهدف إن كان مذهبياً، فالذين قتلوا وأصيبوا هم من مذاهب مختلفة، وإن كان سياسياً، فما يعرفه هؤلاء أنه ليس في موقعه، وهو لا يُصرف في السّياسة. وإن كان الهدف هو تغيير قناعات، فهذا العمل الوحشيّ لا يغيّر القناعات بل يعمّقها، وإن كان الهدف من ذلك هو الترهيب، فالكلّ يعرف طبيعة هذا المجتمع الذي لا يستكين للترهيب، وهو الذي تربّى على قول: "لا أعطيكم بيدي إعطاء الذَّليل، ولا أقرّ إقرار العبيد"، وحمل عبء القضايا الكبيرة، وتحمّل ما تحمّل من أجلها، وهو دائماً على استعداد ليتحمّلها، انطلاقاً من دينه وإيمانه ورسالته.

لقد باتت الحاجة كبيرة في هذا الوقت، وأكثر من أي وقت مضى، إلى تضافر الجهود لمواجهة جادّة وواعية وحكيمة لهذا المنطق التدميريّ الإلغائيّ والإقصائيّ، الَّذي يرفض أصحابه كلّ الذين يختلف معهم، والَّذي يصيب القيم والدين، كما يصيب الإنسان والمجتمعات والأوطان.

إنَّ الحاجة ماسّة لمواجهته فكرياً وثقافياً وسياسياً وأمنياً، وتجفيف منابعه، لا المالية فحسب، بل الفكرية والدينية والسياسية أيضاً، وإنهاء التغطية التي يحظى بها على كلّ المستويات، ومعالجة الأسباب التي ساهمت في تنامي هذا المنطق، الذي بات التيار الغالب في هذه المرحلة، بعد أن كان لا قرار له ولا استقرار ولا موطن، لا في العقول ولا في القلوب...

وهنا، ندعو إلى تكاتف جهود الجميع من كل الأديان والمذاهب والمواقع السياسية والدول للتصدي لهذا الخطر، فهذا المنطق لا يمكن أن يكون قوةً لأحد، ولا يمكن أن يستند عليه أحد، فهو مشكلة للجميع إن استشرى، ولذا على الجميع أن يتحمّل عبء مواجهته.

إن هذه الفاجعة أدمت القلوب، لكنها ممزوجة، كما عوّدتنا هذه المنطقة، بالعنفوان والصبر والثبات والعزيمة والإرادة، وقد أجّجت في الوقت نفسه، مشاعر الغضب لدى الجميع، بصرف النظر عن انتماءاتهم.

إننا نتقدَّم من عوائل الشّهداء بأحرّ تعازينا القلبية، ونسأل الله تعالى الرحمة وعلوّ الدرجات للشهداء، وندعو للجرحى بالشفاء العاجل. وفي الوقت نفسه، نثمّن هذا الجوّ التضامنيّ العالي الذي لمسناه من كلّ القوى السياسية والدول والمرجعيات الدينيَّة، والذي نريده أن يتحول إلى مشروع عمل، بحيث لا يبقى في إطار المجاملات أو المشاعر التي تنتهي بانتهاء أمدها، وبذلك، نفوِّت الفرصة على مرتكبي هذه الجريمة، والنافخين في نار الفتنة المذهبية بين اللبنانيين أنفسهم، أو بين اللبنانيين والسوريين، أو بين اللبنانيين والفلسطينيين.

لقد باتت الحاجة أكبر إلى تعزيز مناخات الحوار والتلاقي، ومعالجة الأزمات المستعصية التي يعانيها هذا البلد، وتشكيل أرضية أمان، بعدما بات واضحاً أنَّ الغطاء الأمني الذي كان يظلّل لبنان، قد فتق، ولا نقول إنه انتهى.

إنَّ علينا أن نعي مدى صعوبة المرحلة وتداعياتها، في ظلّ استعار النيران على أكثر الجبهات في المنطقة، وسعي كلّ الأفرقاء لتحقيق مكاسب إضافية انتظاراً للاستحقاقات القادمة، والَّتي على اللبنانيين أن يقوا أنفسهم منها بمزيد من الوحدة والتضامن الفعّال والتعاون مع الجهات الأمنيّة، بحيث يكون كلّ مواطن خفيراً في منطقته لمنع تسلّل من يريدون إشعال الفتنة والعبث بأمن هذا الوطن وتنفيس أحقادهم.

إنَّ كلّ هذه الدّماء والدّموع تستصرخ المسؤولين حتى يجمّدوا خلافاتهم وصراعاتهم، ويسارعوا في إيجاد الحلول للمشاكل المستعصية الّتي تربك البلد، وتجعله في مهبّ الرياح العاتية والعواصف الهوجاء، ولا سيّما مشكلاته الحياتيّة، وعلى رأسها النفايات.

إننا نأمل أن يكون التوافق على الجلسة التشريعية مقدّمة لجلسات تشريعية متتالية، فإذا كانت الضرورة قد حكمت انعقاد هذه الجلسة، فالضرورة تقتضي أن تتابع جلسات المجلس النيابي والحكومة، وتقتضي أيضاً الإسراع في إيجاد توافق داخلي يسمح بانتخاب رئيس جمهورية يمتلك أهلية لإدارة شؤون البلد، وقدرة على مواجهة التحديات الكبيرة التي تنتظر لبنان، والتي قد تمسّ وحدته وحتى كيانه.

وفي الاتجاه نفسه، يبقى أن نشير إلى الاستهداف الَّذي لا يزال لبنان يتعرّض له من الكيان الصّهيونيّ، من خلال الكشف الأخير عن شبكة عمالة جديدة تهدف إلى جمع معلومات عن شخصيّات وجهات لحساب هذا العدوّ...

إنَّنا في الوقت الَّذي نقدّر للجهات الأمنيّة دورها الفاعل في الداخل اللبنانيّ في المتابعة المستمرّة لعملاء العدوّ.. والملاحقة لكلّ المتربصين بأمن هذا البلد وقوته، ننبّه كلّ الذين انشغلوا عن هذا الكيان، إلى أنّهم إن نسوا هذا العدو فهو لن ينساهم..

وأخيراً، مرَّت علينا قبل أيام ذكرى يوم الشَّهيد ـ وكلّ الأيام للشهداء ـ الّتي هي مناسبة تعيدنا بالذاكرة إلى أولئك الّذين قدَّموا أغلى التَّضحيات، ولم يبخلوا على وطنهم وأمتهم بأغلى ما عندهم، عندما دعاهم الواجب إلى أن يقفوا في وجه المحتلّ والغازي والعابث بكرامات الناس ومقدّراتهم والمستهين بالحرمات.

ونحن عندما نتنفّس العزّة، ونشمّ نسائم الحرية، ونشعر بالفرح والعنفوان والقوّة، نرى جهود هؤلاء حاضرة وراء كلّ ذلك، ومن حقّهم علينا أن نتابع ما بدأوه، وأن نبقيهم في الوجدان.. فالأمة الواعية هي الّتي ترفع شهداءها على الأكفّ.. وتجعلهم قادة مسيرتها...

التعليقات