خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله
رام الله - دنيا الوطن
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله. وحتى نبلغ التَّقوى، لا بدَّ من أن نعرف أنفسنا جيداً، من نحن مِن الله؟ ومن نحن مع الله؟! ولعلَّ أفضل من أوضح لنا هذه الصورة هو الإمام زين العابدين(ع) في دعاء أبي حمزة الثمالي الذي كان يدعو به ربه.
ما أجرأ الإنسان على ربّه حين يتحبَّب إليه بالنّعم ويعارضه بالذّنوب! فخيره إليه نازل، وشرّه إليه صاعد، لم يزل ولا يزال ملكٌ كريم يأتيه عنه بعملٍ قبيح، فلا يمنعه ذلك من أن يحوطه بعطفه وحنانه ورحمته، ألا يستحي الإنسان من ربّه؟
أيها الأحبة، متى وعى الإنسان أهميَّة علاقته بالله وطاعته له والسير على هداه.. فسيرى الحياة مشرقة مضيئة دائماً بنور ربها.. وسيكون أكثر وعياً وقدرةً على مواجهة تحدياتها وصعوباتها.
والبداية من لبنان، الَّذي تستمرّ فيه حالة التردّي السياسيّ، والتي باتت تنعكس على واقعه الاقتصاديّ والاجتماعيّ والأمنيّ والبيئيّ والصحّيّ.. وتؤدي إلى تفاقم مشاعر الإحباط بين المواطنين، الذين راحوا يهيمون في بلاد الله الواسعة، ويبحثون عن أرضٍ يشعرون فيها بدفء الدولة وأمانها ورعايتها، حتى لو كان ثمن ذلك أحياناً الغرق في البحار أو التيه في بلاد الله الواسعة.
لم تكن مشكلة النفايات إلا القشّة الّتي قصمت ظهر البعير، وأظهرت مدى عجز هذه الطبقة السياسية وترهّلها وعدم قدرتها على إدارة شؤون البلد ومعالجة مشاكل إنسانه. وحتى لو حُلّت هذه المشكلة، فسرعان ما سوف نصطدم بمشكلة أخرى، لأنَّ هذا النظام القائم، مع الأسف، لا ينتج إلا أزمات جديدة.
لقد كانوا في السابق يتحدثون عن الخارج بأنه السّبب في كل ما يجري وما وصلنا إليه، أما اليوم فلا عذر لهم.. فالخارج هو من يريد للبنان، ورغم كل ما يجري من حوله، الاستقرار والأمان..
ولو سلّمنا أنّ للخارج تأثيراً في المفاصل الأساسيّة للبلد، فهل للخارج تأثير في مسألة النفايات والكهرباء والماء وسلسلة الرتب والرواتب وحل مشكلة الفساد؟ وهل يريد الخارج لمجلس الوزراء أن لا يجتمع إلا للضرورة؟ هل يريد لمجلس النواب أن يبقى مغلقاً إلا للتَّشريعات الضّروريّة للمواطن.
لقد بات الحديث عن الخارج هو الشمّاعة الّتي يعلِّق عليها الكثيرون من هذا النّادي السّياسيّ فشلهم وعدم قيامهم بمسؤوليّاتهم أو عدم رغبتهم بالقيام بها.
إنَّ الحلول لن تأتي من الخارج، فهي في أيدي السّياسيّين الَّذين يديرون شؤون البلد، لكن شرط أن ينزعوا عنهم لباس طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم ومصالحهم وحساسياتهم، ويلبسوا لباس إنسان هذا الوطن، ويفكروا لحسابه، أن يربحوا إن ربح، وأن يسلموا إن سلم، وأن يرتاحوا إن ارتاح، أن يعودوا إلى إنسانيتهم ليعيشوا مع الناس معاناتهم في آلامهم وظروف حياتهم الصعبة التي يواجهونها كل يوم، وعندها ستحلّ مشكلة النفايات، وسيجتمع مجلس الوزراء والمجلس النيابي.. وسيتم انتخاب رئيس الجمهورية، وسيكون الحوار الجاري والذي سيجري فيما بعد منتجاً، وستعالج الكثير من المشكلات.. وعلى الأقل ستوضع على سكَّة العلاج.
ولكن هذا لن يحصل إن لم تجد هذه الطبقة السياسية أمامها شعباً يُراقب ويحاسب وينتقد؛ شعباً يفكّر بمسؤولية تجاه وطنه أكثر مما يفكّر بطائفته وموقعه السّياسيّ؛ شعباً يرفع على الأكتاف أولئك الذين يفكّرون بحجم أوطانهم، شعباً لا يبالي بالَّذين يدغدغون مشاعره الطائفيَّة، بل الَّذين يحركون طاقاتهم وجهودهم من أجل التخفيف من آلامه ومعاناته، والَّذين يريدون للوطن أن يكون قوياً عزيزاً، لا الذين يفكّرون في حجم اللحظة.
إنّنا نريد لكلّ هذا الواقع السياسي أن يكون بمستوى خطورة ما يجري من حوله وفي داخل بلده، ولا سيما في ظلّ ما جرى بالأمس، والتوقيفات اليومية للعناصر الإرهابية، والتي تشير إلى إمكانية أن يكون لبنان ساحة من ساحات التفجير في المنطقة، وإن كان بشكل محدود.
وإلى فلسطين التي استعادت الذكرى الثامنة والتسعين لوعد بلفور المشؤوم. وللذاكرة، فإن هذا الوعد حصل في 2 تشرين الثاني من العام 1917، عندما منحت بريطانيا التي كانت تنتدب فلسطين، الحق لليهود بإقامة وطن قومي لهم على حساب الشعب الفلسطيني، والذي كان فاتحةً لمعاناة هذا الشعب المستمرة. وفي الوقت نفسه، شكّل هذا الوعد انطلاقةً للشَّعب الفلسطينيّ في جهاده المستمرّ، والذي يتجلّى في هذه الأيام في الانتفاضة المباركة التي لا بد من أن تؤتي أكلها، مهما غلت التضحيات والأثمان.. ففجر فلسطين بدأ يصنعه شبابها، بكل طهارتهم وأصالتهم، وسيصل هؤلاء الشباب بإذن الله لتحقيق أمانيهم..
ونتوقّف أخيراً عند ظاهرةٍ باتت تحكم الكثير من واقعنا، وهي عدم تقبّل النّقد على مستوى الأفراد، وعلى الصّعيد الدينيّ أو السياسيّ، وعلى مستوى الدول، حيث تُغلق فضائيات ووسائل إعلام بحجّة أنها تمارس بعض أنواع النقد، ويسارع البعض إلى إدخال ذلك في إطار التجريح والعدوان، أو تمزيق الصّفّ، أو بثّ الفتن، وكأنّ بقاء الأوطان والحافظ على وحدتها وقوّتها، يقوم في ظلّ الأخطاء والعيوب ونقاط الضّعف! حيث لم يعد لدينا منطق "رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي"، أو منطق رسول الله(ص) عندما وقف أمام النّاس في آخر حياته طالباً منهم أن يأخذوا بحقّهم منه إذا كان لهم حقّ عنده، ليؤسّس لمنطق النّقد والمحاسبة حتى في علاقة الناس بالأنبياء، والأمر نفسه عند علي(ع) عندما قال: "فلاَ تُكَلِّمُونِي بَمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلاَ تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلاَ تُخَالِطُونِي بالْمُصَانَعَةِ، وَلاَ تَظُنّوا بِيَ اسْتِثْقَالاً فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَلاَ التمَاسَ إِعْظَام لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوْ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ".
أيها الأحبَّة، إنَّنا لا نستطيع أن نتجاوز أخطاء واقعنا أو نزيل ما يتهدّدنا من أزمات، إلا عندما نعيش، أفراداً وأمةً، ثقافة النقد البنّاء والواعي والهادئ، مع أيٍّ كان، ما دام بإمكاننا أن نخطئ أو أن يشتبه علينا الأمر.
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله. وحتى نبلغ التَّقوى، لا بدَّ من أن نعرف أنفسنا جيداً، من نحن مِن الله؟ ومن نحن مع الله؟! ولعلَّ أفضل من أوضح لنا هذه الصورة هو الإمام زين العابدين(ع) في دعاء أبي حمزة الثمالي الذي كان يدعو به ربه.
ما أجرأ الإنسان على ربّه حين يتحبَّب إليه بالنّعم ويعارضه بالذّنوب! فخيره إليه نازل، وشرّه إليه صاعد، لم يزل ولا يزال ملكٌ كريم يأتيه عنه بعملٍ قبيح، فلا يمنعه ذلك من أن يحوطه بعطفه وحنانه ورحمته، ألا يستحي الإنسان من ربّه؟
أيها الأحبة، متى وعى الإنسان أهميَّة علاقته بالله وطاعته له والسير على هداه.. فسيرى الحياة مشرقة مضيئة دائماً بنور ربها.. وسيكون أكثر وعياً وقدرةً على مواجهة تحدياتها وصعوباتها.
والبداية من لبنان، الَّذي تستمرّ فيه حالة التردّي السياسيّ، والتي باتت تنعكس على واقعه الاقتصاديّ والاجتماعيّ والأمنيّ والبيئيّ والصحّيّ.. وتؤدي إلى تفاقم مشاعر الإحباط بين المواطنين، الذين راحوا يهيمون في بلاد الله الواسعة، ويبحثون عن أرضٍ يشعرون فيها بدفء الدولة وأمانها ورعايتها، حتى لو كان ثمن ذلك أحياناً الغرق في البحار أو التيه في بلاد الله الواسعة.
لم تكن مشكلة النفايات إلا القشّة الّتي قصمت ظهر البعير، وأظهرت مدى عجز هذه الطبقة السياسية وترهّلها وعدم قدرتها على إدارة شؤون البلد ومعالجة مشاكل إنسانه. وحتى لو حُلّت هذه المشكلة، فسرعان ما سوف نصطدم بمشكلة أخرى، لأنَّ هذا النظام القائم، مع الأسف، لا ينتج إلا أزمات جديدة.
لقد كانوا في السابق يتحدثون عن الخارج بأنه السّبب في كل ما يجري وما وصلنا إليه، أما اليوم فلا عذر لهم.. فالخارج هو من يريد للبنان، ورغم كل ما يجري من حوله، الاستقرار والأمان..
ولو سلّمنا أنّ للخارج تأثيراً في المفاصل الأساسيّة للبلد، فهل للخارج تأثير في مسألة النفايات والكهرباء والماء وسلسلة الرتب والرواتب وحل مشكلة الفساد؟ وهل يريد الخارج لمجلس الوزراء أن لا يجتمع إلا للضرورة؟ هل يريد لمجلس النواب أن يبقى مغلقاً إلا للتَّشريعات الضّروريّة للمواطن.
لقد بات الحديث عن الخارج هو الشمّاعة الّتي يعلِّق عليها الكثيرون من هذا النّادي السّياسيّ فشلهم وعدم قيامهم بمسؤوليّاتهم أو عدم رغبتهم بالقيام بها.
إنَّ الحلول لن تأتي من الخارج، فهي في أيدي السّياسيّين الَّذين يديرون شؤون البلد، لكن شرط أن ينزعوا عنهم لباس طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم ومصالحهم وحساسياتهم، ويلبسوا لباس إنسان هذا الوطن، ويفكروا لحسابه، أن يربحوا إن ربح، وأن يسلموا إن سلم، وأن يرتاحوا إن ارتاح، أن يعودوا إلى إنسانيتهم ليعيشوا مع الناس معاناتهم في آلامهم وظروف حياتهم الصعبة التي يواجهونها كل يوم، وعندها ستحلّ مشكلة النفايات، وسيجتمع مجلس الوزراء والمجلس النيابي.. وسيتم انتخاب رئيس الجمهورية، وسيكون الحوار الجاري والذي سيجري فيما بعد منتجاً، وستعالج الكثير من المشكلات.. وعلى الأقل ستوضع على سكَّة العلاج.
ولكن هذا لن يحصل إن لم تجد هذه الطبقة السياسية أمامها شعباً يُراقب ويحاسب وينتقد؛ شعباً يفكّر بمسؤولية تجاه وطنه أكثر مما يفكّر بطائفته وموقعه السّياسيّ؛ شعباً يرفع على الأكتاف أولئك الذين يفكّرون بحجم أوطانهم، شعباً لا يبالي بالَّذين يدغدغون مشاعره الطائفيَّة، بل الَّذين يحركون طاقاتهم وجهودهم من أجل التخفيف من آلامه ومعاناته، والَّذين يريدون للوطن أن يكون قوياً عزيزاً، لا الذين يفكّرون في حجم اللحظة.
إنّنا نريد لكلّ هذا الواقع السياسي أن يكون بمستوى خطورة ما يجري من حوله وفي داخل بلده، ولا سيما في ظلّ ما جرى بالأمس، والتوقيفات اليومية للعناصر الإرهابية، والتي تشير إلى إمكانية أن يكون لبنان ساحة من ساحات التفجير في المنطقة، وإن كان بشكل محدود.
وإلى فلسطين التي استعادت الذكرى الثامنة والتسعين لوعد بلفور المشؤوم. وللذاكرة، فإن هذا الوعد حصل في 2 تشرين الثاني من العام 1917، عندما منحت بريطانيا التي كانت تنتدب فلسطين، الحق لليهود بإقامة وطن قومي لهم على حساب الشعب الفلسطيني، والذي كان فاتحةً لمعاناة هذا الشعب المستمرة. وفي الوقت نفسه، شكّل هذا الوعد انطلاقةً للشَّعب الفلسطينيّ في جهاده المستمرّ، والذي يتجلّى في هذه الأيام في الانتفاضة المباركة التي لا بد من أن تؤتي أكلها، مهما غلت التضحيات والأثمان.. ففجر فلسطين بدأ يصنعه شبابها، بكل طهارتهم وأصالتهم، وسيصل هؤلاء الشباب بإذن الله لتحقيق أمانيهم..
ونتوقّف أخيراً عند ظاهرةٍ باتت تحكم الكثير من واقعنا، وهي عدم تقبّل النّقد على مستوى الأفراد، وعلى الصّعيد الدينيّ أو السياسيّ، وعلى مستوى الدول، حيث تُغلق فضائيات ووسائل إعلام بحجّة أنها تمارس بعض أنواع النقد، ويسارع البعض إلى إدخال ذلك في إطار التجريح والعدوان، أو تمزيق الصّفّ، أو بثّ الفتن، وكأنّ بقاء الأوطان والحافظ على وحدتها وقوّتها، يقوم في ظلّ الأخطاء والعيوب ونقاط الضّعف! حيث لم يعد لدينا منطق "رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي"، أو منطق رسول الله(ص) عندما وقف أمام النّاس في آخر حياته طالباً منهم أن يأخذوا بحقّهم منه إذا كان لهم حقّ عنده، ليؤسّس لمنطق النّقد والمحاسبة حتى في علاقة الناس بالأنبياء، والأمر نفسه عند علي(ع) عندما قال: "فلاَ تُكَلِّمُونِي بَمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلاَ تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلاَ تُخَالِطُونِي بالْمُصَانَعَةِ، وَلاَ تَظُنّوا بِيَ اسْتِثْقَالاً فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَلاَ التمَاسَ إِعْظَام لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوْ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ".
أيها الأحبَّة، إنَّنا لا نستطيع أن نتجاوز أخطاء واقعنا أو نزيل ما يتهدّدنا من أزمات، إلا عندما نعيش، أفراداً وأمةً، ثقافة النقد البنّاء والواعي والهادئ، مع أيٍّ كان، ما دام بإمكاننا أن نخطئ أو أن يشتبه علينا الأمر.

التعليقات