ما هو الحيوان ذو الفرو الأكثر كثافة في العالم؟

ما هو الحيوان ذو الفرو الأكثر كثافة في العالم؟
رام الله - دنيا الوطن
ربما تكون الحيوانات التي يكسوها الفراء على درجة فائقة من الوداعة واللطف، ولكن اتخاذها لهذا الوبر رداءً لأجسادها لا يستهدف بطبيعة الحال حملنا على معانقتها.

بالنسبة لحيوان يعيش في أكثر بقاع العالم برودة، يبدو تمتع جسده بالعزل الحراري أمرا أساسيا وحيويا لضمان بقائه على قيد الحياة.

من بين السبل المُحقِقَة لهذا الهدف، أن يكون لمثل هذا الحيوان طبقة سميكة من الدهن تحت جلده. لكن بوسع كل من سبق له رؤية أحد حيوانات الفظ - وهو يتخبط في مناطق مختلفة من الشاطئ من فرط سمنته - يدرك أنه يمكن أن تكون للسمنة مضارها كذلك؛ إذ أنه لا يجتمع للحيوان البدين القدرة على الحفاظ على جسده دافئا والإبقاء على حركته رشيقة.

وبوسع حيوان مثل الثعلب القطبي تحمل البرودة القارسة التي تسود المناطق القطبية في الشتاء، إذ ينجح في البقاء على قيد الحياة خلال فترات طويلة تصل فيها درجات الحرارة إلى ما هو أدنى من 20 درجة مئوية تحت الصفر، وذلك بفضل تمتعه ببعض الآليات المدهشة التي تُعينه على التكيف مع الأجواء المحيطة.

ومن بين أكثر هذه الآليات تميزا؛ ذاك الرداء من الفراء الذي يكسو جسد الثعلب القطبي، والذي يبدل لونه من البني إلى الأبيض، ويزيد طوله للتكيف مع انخفاض درجات الحرارة خلال فصل الشتاء الكئيب شديد البرودة.

وفي بقاعٍ بعينها، يمكن أن تنمو هذه الطبقة إلى ضعف طولها الأصلي. ويساعد الجزء السفلي منها – عندما يزيد طولها - على عزل جسد الثعلب حراريا عن الأرضية شديدة البرودة، سواء عندما يجلس أو يستلقي. ويمتد ذلك إلى باطن أقدامه الذي يكون مكسوا بدوره بالفراء.

وعندما يلتف الحيوان حول نفسه على شكل كرة، يطوي أنفه تحت ذيله، تاركا فرءاه شديد السمك فحسب مُعرضا لعوامل الجو الخارجي.

ويقول ستِفن ميدجلي، الباحث في مركز الثعلب القطبي بمدينة سوذافيك الأيسلندية: " يتراوح الفراء الشتوي ما بين 45 - 60 ميليمترا (طولا)، ولكنه يوفر قدرا كبيرا للغاية من العزل الحراري مُقارنةً بطوله".

ويضيف ميدجلي: " في المجمل؛ يمكن للثعلب القطبي تحمل درجات حرارة منخفضة للغاية تصل إلى 70 درجة مئوية تحت الصفر. ومن المفاجئ دائما أن تعلم مدى خفة وزن الفراء (الذي يكسو أجساد هذه الحيوانات) عندما تحملها وكل هذا الفرو ملتف حول أجسادها الصغيرة".

ويمكن القول إن هيكل هذه الطبقة من الفراء وبنيتها هو ما يجعل بوسعها حماية الثعلب من مثل هذه الأجواء قارسة البرودة، رغم أن سمكها لا يتجاوز بضع بوصات.

فهناك تحت الطبقة الخارجية التي توجد فيها شعيرات الفراء الأكثر طولا، تقبع طبقة أخرى أكثر نعومة وكثافة تمثل نحو 70 في المئة من الفراء ككل. ويؤدي ذلك إلى حجز طبقة من الهواء تحت الجلد مباشرة. ويشكل الهواء عنصرا جيدا للعزل الحراري، نظرا لأنه لا يتسم بالكثافة الشديدة، ولذا تتحرك الحرارة عبره بوتيرة بطيئة.

ويعمد العديد من الخبراء في شؤون المناطق القطبية إلى اللجوء إلى هذه الحيلة لتدفئة أنفسهم. فمستكشفو هذه المنطقة يرتدون سترات محشوة إما بريش أوز عازل للحرارة، أو بألياف صناعية تُحاكي هذا الريش.

وبعيدا عن بني البشر، ينمو لثيران المسك، وهي حيوانات متوطنة في غرينلاند ومنطقة القطب الشمالي الكندي، ستراتها الخاصة من الفراء. ويُعرف الفراء اللصيق بجلد هذه الحيوانات باسم "كى فييت"، وهو عبارة عن طبقة من الصوف الناعم.

وكما هو الحال مع الثعلب القطبي، تنمو هذه الطبقة لتمنح الحيوان الدفء خلال فصل الشتاء، بينما تتساقط من على جسده عندما ترتفع درجة الحرارة في الربيع.

ويمكن لثور المسك الواحد أن يطرح عن جسده، وهو في طور البلوغ، ما يصل إلى 3.5 كجم (8 أرطال) من هذا الفراء الداخلي، الذي يمكن غزله ونسجه ليشكل صوفا؛ يرى الكثيرون أنه الأفضل في العالم من حيث القدرة على منح الدفء لمن يرتديه.

وبالنسبة لثيران المسك الكبيرة في السن، يمكن أن تصل ما تُعرف بـ"الشعيرات الحارسة" - التي تتسم بالطول أساسا - الأرض من فرط طولها، وهو ما يعني أن طول رداء الفراء الأشعث الذي يكسو تلك الحيوانات، يمكن أن يفوق المتر (ثلاثة أقدام) في بعض المناطق.

لكن لا تزال الفكرة القائلة إن ثيران المسك هي الحيوانات صاحبة الفراء الأغزر والأكثر كثافة في العالم غير مرضية لغالبية الناس. وهنا يتعين علينا أن نبدأ بالتوافق على تعريفٍ للفراء من الأصل.

فعلى سبيل المثال، من غير المرجح أن يعتبر المرء نفسه مُشعِراً أو مكسوا بالزغب حتى إذا ما كان من بين من سايروا صرعة إطالة اللحية. وبالمثل، لن يُطلق مثل هذا الشخص الوصف نفسه على نعجة ما.

رغم ذلك، فإن الفراء والشعر والصوف كلها في واقع الأمر شيء واحد من حيث التركيب الكيمياوي؛ فهي ليست سوى بروتين ليفي يُعرف باسم "كيراتين"، يتكون منه كذلك الريش والأظافر والحوافر والقرون لدى الحيوانات والطيور.

ولذا يمكن القول إن هذه التكوينات الثلاثة؛ الفراء والشعر والصوف، لا تختلف سوى من حيث المسميات التي يطلقها البشر عليها.

وبحسب المفاهيم الشائعة؛ يتسم الفراء بالنعومة والسُمك والِقصر النسبي. أما الصوف فهو كثيف بدوره مثل الفراء، ولكنه يتألف من شعيرات وضفائر ناعمة وأكثر دقة ونحافة، يمكن أن تنمو لتصبح أكثر طولا من نظيراتها المكونة للفراء.

في الوقت نفسه، من المرجح أن يكون الشعر متناثرا ومتفرقا بشكل أكبر وكذلك أكثر خشونة، ويمكن أن ينمو ليبلغ طوله مستويات مذهلة.

وفي الوقت الحالي، تحمل سيدة صينية تُدعى سيه كيابينغ لقب صاحبة أطول شعر في العالم، إذ يماثل طول شعرها الذي يبلغ 5.62 مترا (18.43 قدما) طول إحدى الزرافات تقريبا.

بغض النظر عن المسمى الذي يعطيه المرء لهذه التكوينات – سواء فراء أو شعر أو صوف، فإنها كلها تنبت من تجاويف وثغرات خاصة في الجلد يُطلق عليها اسم المسام. وتنعم الحيوانات ذات الفراء الأكثر كثافة إما بالكثير من هذه المسام¬، أو تنبت لديها شعيرات متعددة من كل واحدة من تلك المسام.

وهنا نأتي للحديث عن حيوانات الشنشيلة، وهي حيوانات قارضة تعيش على ارتفاعات تتراوح ما بين 3000 – 5000 متر (9800 – 16400 قدم) فوق سطح البحر، وذلك في سلسلة جبال الإنديز بأمريكا الجنوبية.

وتكتسي هذه القوارض بفراء شديد الكثافة حتى يتسنى لها البقاء على قيد الحياة في ذلك البرد القارس الذي يسود المناطق التي تعيش فيها. وتنجم كثافة هذا الفراء من حقيقة أنه ينبت لهذا الحيوان أكثر من 50 شعرة رفيعة ودقيقة من كل واحدة من المسام المتناثرة في جلده. ويعد فراء حيوانات الشنشيلة الأكثر نعومة على الإطلاق في العالم.

وبطبيعة الحال لم يصرف ذلك انتباه الصيادين عن تلك الحيوانات. فقد أدرج الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة كلاً من الشنشيلة طويلة الذيل، والشنشيلة قصيرة الذيل على قائمة الحيوانات المهددة بالانقراض بشدة، نظرا لتعرضها لعمليات صيد مكثفة للغاية منذ القرن التاسع عشر.

وبدورها باتت ثعالب الماء على شفا الانقراض على نحو خطير وذلك بسبب فرائها السميك، الذي يتكيف بشكل خاص مع طبيعة حياتها شبه المائية.

وينقسم فراء هذه الحيوانات بدوره إلى طبقتين: إحداها طبقة عزل حراري داخلية تحميها طبقة من الشعيرات الحارسة المضادة للماء. ويحول ذلك دون أن تمس المياه جلود تلك الحيوانات، وكذلك يؤدي إلى إبعاد البرودة عنها.

ولعل هذا المزيج الذي يوفره فراء ثعالب الماء، ما بين تدفئة الحيوان وحمايته في الوقت نفسه من وصول الماء إليه، هو بالتحديد ما جعله مطلوبا بشدة.

أما ثعالب البحر، التي تعيش في منطقة المحيط الهادي الشمالي، فقد كادت أن تنقرض بفعل عمليات الصيد، التي جعلت عددها في البرية لا يتجاوز نحو ألفين حينما حُظر الإتجار في فرائها عام 1911.

وفي ورقة بحثية جرى نشرها عام 2010؛ قارن باحثون بين كثافة الشعر الموجودة في فراء ثعالب الماء الأوراسية ونظيرتها في ثعالب البحر.

ووجد الباحثون أن لدى ثعالب الماء الأوراسية ما يربو على 80 ألف شعرة في كل سنتيمتر مربع من جلد كل منها، بينما يصل هذا العدد إلى مستوى مذهل في ثعالب البحر إذ يبلغ نحو 140 ألف شعرة لكل سنتيمتر مربع.

التعليقات