الدولة الإسلامية تدق إسفين فرقة 'أبدية' بين عشائر تكريت

الدولة الإسلامية تدق إسفين فرقة 'أبدية' بين عشائر تكريت
رام الله - دنيا الوطن - وكالات 
يبدو أن الظروف بعد طرد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية عن أجزاء واسعة من محافظة صلاح الدين ومركزها تكريت أفرزت واقعا اجتماعيا وسياسيا جديدا تميّز بالانشقاق والصراع العشائري والقبلي.

ويمتلك العراق طبيعة ثقافية تتسم بالقبلية بشكل أساسي. فهناك عدة عشائر تتحكم بصورة رئيسية في الثقافة الاجتماعية وترسم ملامح السياسة الاجتماعية في العراق نتيجة الدعم المستمر لزعماء القبائل على حساب زعماء التيارات المدنية، سواء كان ذلك من خلال السياسات العامة للدول الكبرى في تعاملاتها مع العراقيين او من خلال الدول الإقليمية.

وبعد خروج الدولة الإسلامية من مدينة تكريت وبعض أطرافها ظهرت بعض العشائر بمظهر البطل متصدرة للمشهد العام وأخرى بصفة الخائن المتعاون مع المتشددين بغض النظر عن خيارات الأفراد داخل القبيلة الواحدة.

وتسكن عماد العجيلي (45 سنة) المهجر حاليا في المناطق الكردية شمال العراق، وهو في الاصل من منطقة البوعجيل شرق تكريت (5 كيلومترات) المتهمة باشتراك الكثير من أبنائها في مجزرة سبايكر صيف 2014، دوافع الخوف والقلق. ويبرر عماد خوفه وقلقه بان عشيرته اصبحت موضع اتهام ومطالبة بدماء الكثير ممن قتلتهم الدولة الإسلامية من ابناء العشائر المحيطة بمدينة تكريت وخاصة الجبور والعبيد والدليم.

ويقول عماد " يكفي كونك عجيلي لتتلقى في أي نقطة تفتيش للشرطة او حشد للعشائر القريبة كيلا من الشتائم والإهانات والتدقيق والتحقيق الامني والضرب المبرح والاعتقال لأيام عدة".

ويتابع "هناك اكثر من 23 شابا من البوعجيل لا نعرف مصيرهم واختفوا في ظروف غامضة حتى اليوم، ولا أحد يجيب ذويهم عند الاستفسار عنهم بل يوبخون ويستمعون لكلام ناب فيما تحولت المنطقة الى ركام بفعل تفجيرات الحشد الشعبي الانتقامية ومن ثم قوات العشائر التي استكملت نهب وتفجير المنطقة".

وفي الجانب الآخر، يقول إبراهيم درويش الجبوري مسؤول محلي في حشد العشائر ان "عشيرة البوعجيل والبوناصر من أكثر العشائر التي بايعت الدولة الإسلامية منذ دخولها الى تكريت وقام (عناصر التنظيم) بقتل ابنائنا بكل وحشية ورموهم في نهر دجلة كما سرقوا المحال التجارية والعقارات والسيارات العائدة لعشيرتي الجبور والعبيد وغيرهما وكأنهم ينتظرون الفوضى للانتقام".

ويضيف "المشتركون بالجرائم معروفون بالأسماء والصور وكانوا يتباهون بأفعالهم وعشائرهم لم تتبرأ منهم ولم تعترض أو تشجب ما كانوا يفعلون حتى جاء التحرير وأصبح الامر واقع حال، فبدأت ضدهم تحركات الانتقام على ما فعلوه".

وقال بشيء من الحزم "لن نقبل الدية أو التوسط من أجل الفصل العشائري".

وباتت منطقة العوجة جنوب تكريت (10 كيلومترات) المقر الرئيس لعشيرة البوناصر مهجورة بالكامل، وجميع منازلها دمرت او أحرقت فيما لجأ غالبية سكانها الى مناطق كردستان.

ويقول معتز الناصري (31 سنة) من سكنة العوجة ان "قرابة 38 من أبناء العشيرة انضموا للدولة الإسلامية في بداية الأحداث وارتكبوا جرائم، الأمر الذي جعل المنطقة هدفا لهجمات الميليشيات والعشائر المحيطة بها واليوم اصبحت عودة السكان لمنطقتي البوعجيل والعوجة شبه مستحيلة، كون الاستهداف قائما والتهديد مستمرا، فضلا عن ان التدمير الذي لحق بالبنى التحتية ومنازل المواطنين جعل المنطقتين غير صالحتين للسكن".

مقدمات لصراع مفتوح

ويبدو الموقف في شمال محافظة صلاح الدين مفهوما كون الصراع بين العشائر وهم جميعا من نسيج مذهبي واحد، بينما في جنوبها تتداخل الصراعات العشائرية والقبلية بالمذهبية الطائفية لتعقد المواقف ولتخلق أزمات اجتماعية عميقة قد تكون سببا لصراعات طويلة الأمد.

ويتكون مركز قضاء بلد (100 كيلومتر) جنوبي صلاح الدين من غالبية شيعية بينما نواحيه الثلاث الاسحاقي ويثرب والضلوعية مناطق سنية. وبعد اجتياح الدولة الإسلامية سقطت ناحيتا الاسحاقي ويثرب، وقتل عشرات من اهالي بلد من القوات الامنية والمدنيين قبل أن تستعيد القوات الامنية والحشد الشعبي الناحيتين نهاية 2014 وليهجر معظم سكانها والمقدر بأكثر من 110 آلاف نسمة.

وتتكون ناحية يثرب شرق بلد 7 كيلومترات من اربع عشائر كبيرة هي البوحشمة والبوجيلي والمزاريع والأحباب ومن عشائر أخرى أصغر. وترفض حاليا عشائر بلد وبني سعد المحيطة بيثرب عودة السكان الى مناطقها بعدما صار بينهم دم".

ويقول الشيخ محمود السعدي احد وجهاء المنطقة مبررا الأمر "عندما يطلق احدهم النار من منزلك على عائلتي ويقتل ابني أو شقيقي إما أن تكون راضيا عن الأمر او مشاركا فيه، إن دماء اكثر من 80 شابا من بني سعد في رقاب عشائر يثرب فهم من آوى ورحب ودعم الدولة الإسلامية ولو وقفوا ورفضوا وقاتلوا الدولة الإسلامية مثل أهالي الضلوعية المجاورة لما حدث بيننا اي شي".

ويتابع "شقيقتي متزوجة في يثرب من أحد رجال عشيرة المزاريع وإني قد تبرأت منهم وقطعت علاقتي بهم وطالبت أن يتم تطليق أختي".

وفي سجلات الشرطة المحلية في قضاء بلد، تم تسجيل أكثر من 30 حالة اعتداء خلال ستة أشهر على مواطنين من أهالي يثرب من قبل العشائر المحيطة بها تراوحت بين الضرب المبرح والاختطاف لفترة محدودة والإهانة وعدم السماح لهم بدخول مركز القضاء.

ومن أشهر القصص المتداولة توثيق وضرب الشرطي عدنان خيرالله على أحد أبراج الكهرباء لعدة ساعات في الصيف الحار وضرب ابو إخلاص 55 سنة وهو مقعد على كرسي متحرك بالهراوات من قبل العشائر المحيطة بيثرب.

ويقول ابوصفوان العزاوي من سكان يثرب إن "الدوافع الطائفية وسياسة فرض الامر القائم والسيطرة على الاراضي الخصبة على ضفاف نهر دجلة هي الدوافع الحقيقية وراء تعنت بعض العشائر واستقوائها بالحشد الشعبي لمنع عودة السكان الى مناطقهم في نواحي قضاء بلد".

ويضيف العزاوي "وفق المعلومات التي تردنا هناك سياسة تقوم على الاستيلاء على أملاكنا من بساتين وبيوت وقنوات الري وكل شيء يمكن بيعه منذ عشرة اشهر من تحرير المدينة والتي لم يدخلها أحد سوى الحشد، وبعض العشائر تحالفت مع الحشد من أجل تغيير الواقع السكاني للمنطقة مذهبيا وعشائريا".

تعثّر الحلّ الوسط

وسعت الحكومة المحلية في صلاح الدين إلى إيجاد حلّ لمشكلة قضاء بلد، لنزع الفتيل وتهدئة النفوس. وأخذت على عاتقها إيجاد حلّ وسط يكون بتعويض ضحايا إرهاب الدولة الإسلامية.

وتم رصد مبلغ اربعة مليارات دينار عراقي أي ما يعادل (ثلاثة ملايين ونصف مليون دولار) من جهة، وعدم السماح بعودة عائلات من انتمى للدولة الإسلامية من جهة أخرى على أمل إرضاء العشائر والسماح بعودة أكثر من سبعة آلاف عائلة مهجرة الى مناطق يثرب والاسحاقي وعزيز بلد والمحطة التابعة لقضاء بلد. وهذا الحلّ لم ير النور منذ أكثر من عشرة أشهر بسبب ضعف الإمكانات المادية حاليا والإجراءات الروتينية الإدارية في صرف وتحويل الأموال.

ويرى الشيخ مروان ناجي الجبارة الناطق باسم مجلس شيوخ صلاح الدين ان العشيرة في المجتمع تعمل كضمان لسلامته والحفاظ عليه.

ويقول "لاشك ان ما حصل بعد مرحلة الدولة الإسلامية ولد مشاكل لا حصر لها ولكن العشيرة كمنظومة قادرة على تحمل مسؤولياتها إذا ما أتيحت لها الفرصة، لأن المنظومة العشائرية مترابطة فيما بينها، فالعشيرة تمتد فوق المسميات الطائفية والعرقية وقادرة على جمع الشتات والاختلاف بوحدة النسب والقيم العربية المعروفة كعشيرة الجبور مثلا فيها من السنة والشيعة وهناك أفخاذ منها حتى مع الاكراد في شمال العراق".

ويضيف "الدولة الإسلامية لاينتمي لعشيرة معينة ولكن ربما عشائر، مثلا البوعجيل والبوناصر كانتا من أكثر العشائر تمثيلا في الدولة الإسلامية لذلك كانت الصبغة العامة للدولة الإسلامية عشائرية".

ويؤكد الشيخ مروان ناجي أن "الحلّ لصلاح المجتمع والناس بتطبيق القانون، فبعد ان يأخذ القانون مجراه مع المجرمين المنضوين تحت راية الدولة الإسلامية والموثق ضدهم فإن المشكلات الأخرى التي أفرزتها الدولة الإسلامية في هذه المناطق يمكن حلّها مع الأشخاص الأصحاء، والأصحاء هم الذين لم يلوثوا أنفسهم بإفرازات الدولة الإسلامية وتبعاتها".

ويرى الناشط المدني مصطفى الصوفي أن "المشهد السياسي العام في العراق مضحك جدا، فهو جعل من أبناء قبيلة البوعجيل والبوناصر والعشائر في المناطق الساخنة عموما مصنفين كإرهابيين بغض النظر عن أعمالهم وليهجّروا من مناطق سكناهم ولتسلب بقية العشائر ممتلكاتهم وتم وصمهم بالخونة وبانعدام الوطنية بغض النظر عن كونهم غير مسؤولين عن ضبط الأمن أو تثبيت القانون".

ويضيف "عشائر مثل الجبور والقيسيين وعشائر الجنوب العراقي كعشائر تصنف كعشائر وطنية لأن لها نفوذ وسطوة داخل الميليشيات وداخل الأجهزة الحكومية الإدارية سواء كانت حكومة محلية ام حكومة مركزية".

ويضيف "اليوم يحدد زعماء القبائل وأصحاب النفوذ القبلي من سيجلس في الكرسي في في هذا المنصب أو ذاك، وهذا يشمل حتى المناصب الإدارية البسيطة والصغيرة، يخرج ابناء العشيرة صاحبة النفوذ عن القانون ولا تشملهم أي عقوبة إن خالفوه ويتعطل أمامهم الجهاز الأمني والقضائي وحتى السياسي".

وهكذا، فإن تنظيم الدولة الإسلامية ترك إرثا من الانقسام والصراع القبلي والعشائري في عموم العراق لا يبدو أنه سينتهى قريبا. فكم من عشيرة قاتلت أخرى لعشرات السنين على عدد من الأمتار من الأرض أو مراعي الأغنام فما بالك وقد أريقت دماء المئات.

ويمكن تلمس رغبات الثأر والانتقام والضغائن والأحقاد جلية في كلام الناس البسطاء لتجعلك تستنتج أن مراحل أخرى قادمة من الصراع والاقتتال مستمرة بأوجه ومسميات أخرى.

التعليقات