الهمبكة

الهمبكة
الهمبكة !!

بقلم : محمد يوسف الوحيدي

 

وُلِدوا بعد أوسلو .. خَرجوا ، ليس لأنهم في شوقٍ لرؤية علم فلسطين يرفرف ، فقد اصبح معتاداً .. و يرونهُ كل صباح في المدارس ..

خرجوا من بيوتهم ،  خرجوا من حصارهم ، من سجنهم ، خرجوا من بين أضلُعنا و زنازين ثقافتنا المفروضة عليهم ..

خرجوا عن أطوارهم ، و مفاهيمَ عصرت أدمغتهم الصغيرة ، دينهم اصبح أديان ، و عروبتهم أصبحت سراباً كلما بلغوه تبخر في سماوات الإقليمية و الجِهوية و العُنجهية ..

كفروا بنفاقنا ، و آمنوا ببراءَتِهم  ، و طُهرهم ، فخرجوا يبحثون عنها بعيداً عنَا .. بعيداً عن كتاباتنا و شِعرنا الممجوج و المكرر ، و بعيداً عن فلسفات أدعياء الحكمة بيننا .. بعيداً و بعيداً جداً عن ساستنا و قادتنا ، خرجوا ، ليتوحدوا حول مبدأ واحد ، هدف واحد ، مفهوم واحد ، قدر واحد ، إسمه : الموتُ للحياة . هم خرجوا من مواتِنا ، لينضَموا إلى قافلة الأحياء ..

فتيان الهبة ، الإنتفاضة ، الغضبة ، التي إختلفنا  ، و ما زلنا نتقارع و نتجادل على تسميتها ، كرهوا " الهَمْبكَة " و اللعب بالثلاث ورقات ، و التذاكي و التحذلق ، و كرهوا الدجل ، كرهونا و كرهوا قنوات أخبارنا ، و شيوخ طرقنا من أتباع مسيلمة ، و خرجوا للرفض ، نعم ، رفض المحتل ، كل محتل .. فلا فرق بين من يحتل أرضاً و من يجتاح عقلاً بأعاصير الكذب و الدجل ، و يُصدِّر جنرلات الإعلام القابعين بين فكي القاعدتين هناك ، في تلك القناة " الشهيرة" ، لتحشوا عقول الشباب و الفتيان ، بِسُمٍ زُعَاف ، و عسل مطبوخ بِمُرِّ الحِقْد ، يمارسها عُتاة غسل الأدمغة ، سواء تلك بمكياجها و تبرجها الحلال بفتوى صاحب السماجة ، تحت الحجاب  ، أو تلكم التي من غير حجاب تتغندر كحبة المانجة المصرية " العويسي " ، فجميهم " القاسم " المشترك بينهم  أن يبقى الوطن ، كل الوطن - مكسور لا " منصور"  ..

فتياننا و فتياتنا، كرهوا كل هذا ، و كرهوا فينا الردة و الخنوع ، كرهوا عقلنا المسلوب،  و التعقل و المنطقية إلى حد الذل و العبودية، كرهوا رقصنا و حجلنا و سحجنا على إيقاع طبل و دف من يدفع أكثر ، كرهوا مؤسساتنا و مؤسسيها ، فخرجوا ضد المحتل ، كل محتل و محتال ..

ايها السيدات و السادة : الهمبكة ، كُشفت ، و لم تعد تُجدي نفعاً .. فتياننا و فتياتنا قالوا و فعلوا .. قالوا لنا جميعا ، مُحتلين صهاينة و مُحتالين عرب ، كفى ، و الروح دون ما تفعلون .. رفضونا ، كشفونا ، عرونا أمام أنفسنا ..

ألوان راياتنا لم تعجبهم ، ففضلوا عليها لون الكفن الأبيض ، ضاقت عليهم مساحات فنادقنا و قاعات إجتماعاتنا و مؤتمراتنا و مؤامراتنا ، ففضلوا عليها رحابة القبور و هدوئها ..

عرفوا أننا نحن التذبذب ، و نحن الباطنية ، و ذهبوا ليتركونا وراءهم  نحاول ستر عوراتنا ، و قبحنا ..

هل فهمنا رسالة الفتية و الفتيات ، أم ليس بعد ؟؟

هل سنستمر في سياسة الهمبكة و التدليس ، أم سنخرس مرة و للأبد و نلتزم بيوتنا ، و نعطيهم الحق في البوح ،الحق في الإنفجار ،و الحق في الحياة ؟ هل أترك الرمزية و أقول بكلام أكثر وضوحا ؟ ..

 حسنٌ : هل سنرى شبابنا في المجلس الوطني و التشريعي و الوزاري ، و الثوري و المركزي ، أم أننا سنظل نفضل أن نراهم غارقين في دمائهم على  الأرصفة ؟

هل سيفاوض شباب فلسطين من أجل مستقبلهم ؟ أم سنظل نفاوض من أجل ماضينا ؟

هل سيبني شباب فلسطين مستقبل علاقاتهم الدولية أم ستظل في يد الشياب ، أصحاب ذكريات و تجارب إيدن و كيسنجر ؟

هل  سنستشير الشباب في أمر مستقبلهم ، أم أننا  كالعادة ، سنكتفي بتشييع جنازاتهم و وضع الأكاليل على قبورهم ، و دفع مكافآت لأهلهم ، ثم نعود لمكاتبنا و موائدنا و مقالاتنا و شاشاتنا ، نكتب نيابة عنهم ، و نفكر نيابة عنهم .. ولكن أبداً  لا يمكن أن نموت نيابة عنهم ..