عاجل

  • 5 شهداء وعدة مصابين جراء غارة إسرائيلية على نقطة شرطة في محيط موقع الـ 17 غرب مدينة غزة

شادي غلمة... أسيرٌ مخضرم عاصر قرنين في سجون الاحتلال الإسرائيلي ينتظر فرجاً قريبا

شادي غلمة... أسيرٌ مخضرم عاصر قرنين في سجون الاحتلال الإسرائيلي ينتظر فرجاً قريبا
رام الله - دنيا الوطن
أحرار للأسرى وحقوق الإنسان - حياة أنور دوابشة - أن تقيّد بين أربعة جدرانٍ وتُعزل عن حياة اعتدتها سنيناً، أن تجد نفسك يوماً على وشك أن تنسى ملامح عزيزٍ أو قريبٍ لك، أو تجد نفسك وقد نسيت نبرة صوته، إنها ملامح أيامٍ تمر صعبة على قطبين، قطب مقيد في غياهب السجن، وآخر مقيدٌ خارج القضبان وعتمة الجدران الباردة ينتظر حرية قريب، إنهما قطبان تنافرا بفعل أحكامٍ طويلة جائرة يمارسها الاحتلال الإسرائيلي بحق كثير من الأسرى الفلسطينيين وبحق عائلاتهم المكلومة.

القصة تأتي من مدينة خليل الرحمن حيث تقبع أكثر من 20 مستوطنة إسرائيلية أكبرها مستوطنة كريات أربع البالغة مساحتها 4940ونماً، مدينةٌ صودر فيها ما يزيد عن 12500 دونماً حسب إحصائيات مركز المعلومات الوطني الفلسطيني.

هذه الأرقام لابد وأن تؤرق بال الكثيرين ومنهم الأسير شادي فايز غلمة، ابن مدينة الخليل الغيورة، شاب غضٌ تربى على شهد عنبها، وعايش استفزازات المستوطنين هناك، وأبى إلا وأن يسطر لبلدته بعضاً من البطولات، والفخر، بطولات أودعته السجن في ريعان شبابه وأمضى على إثرها 18 عاماً يحاكي قضبان قيده.

البداية

لم تعلم والدة الأسير شادي غلمة عندما رزقت به وسمعت بكائه وهو الابن العاشر لعائلته أنه وبعد 19 عاماً بالضبط سيقبع 18 عاماً عجاف داخل زنازين الاحتلال الإسرائيلي، في عائلة ملتزمة نشأ شادي ومن البلدة القديمة بجوار الحرم الإبراهيمي إلى رأس الجورة كانت محطة انتقال هذه العائلة، وبرفقة خمس إخوانٍ وخمس أخوات أمضى شادي طفولته، وعلى حب وطنه تربى، وعلى قدوة كبيرة تفتحت عيناه.

كانت قدوة شادي هي من جعلته ينخرط بالعمل العسكري، إنه اسمٌ لابد وان يدغدغ الذاكرة قليلاً، إنه جهاد فايز غلمة "أبو قتيبة" ، الشهيد جهاد غلمة، كان المهندس الثاني لكتائب عز الدين القسام وقائد خلاياها في جبل الخليل.

في السادس عشر من شهر نيسان لعام 1995 كان جهاد على موعدٍ مع الشهادة بعد أن قام هو واثنين من رفاقه بتنفيذ عملية أودت بتسعة من المستوطنين والجنود وأصابت آخرين.

ربما كان لهذه القدوة الأثر البالغ في حياة شادي، فمنذ أن كان شادي صغير السن ويبلغ 15 عاماً استطاع صنع قنابل ناسفة، فبعد أن أنهى مرحلته الابتدائية في مدرسة الصديق والثانوية في مدرسة الراشدية، التحق بالثانوية العامة ومن ثم بالجامعة، وهناك تفتحت أعماله الجهادية بانضمامه إلى نشاطات الكتل الطلابية،
سرعان ما تطور المفهوم الجهادي لشادي بأن شكل ورفاقه مجموعة عسكرية سلحت نفسها لتبدأ مناوشاتٍ مع دوريات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه.

مرحلة التجنيد

استطاع شادي فما بعد هو ورفاقه الطلب من الشهيد عبد الله قواسمة تجنيدهم وتزكيتهم في كتائب عز الدين القسام، ورغم الرفض السابق لتجنيد شادي لما قدمت عائلته من شهيد وأسير، إلا أن إصراره أوصله للعمل الجهادي فقد أسند القواسمة به إلى الشهيد محمود أبو الهنود، ومن هناك عمل شادي في مجموعته الجنوبية وتم تجنيده ليصبح أحد منفذي العمليات ضد دوريات الاحتلال وقطعان مستوطنيه، وكان التدريب الذي أوزع لشادي حثيثاً للغاية، فقد أوكلت لهم مرةً مهمة خطف ضابط سلاح طيران تحت قيادة الشهيد محمود أبو الهنود غير أنهم تراجعوا عن العملية في آخر لحظة بسبب خلل في الجدول الزمني، وفي نية منهم لتأجيلها لليوم التالي.

كان على هذه العملية أن تنتظر كثيراً، فقد عاد شادي ورفاقه لمدينة القدس عندما شككت بهم دورية إسرائيلية ولحقتهم باتجاه رام الله، كان التعب من المطاردة قد أنهكهم ، فسرعان ما قبض الاحتلال عليهم بتاريخ 4/8/1997 وتحديداً الساعة الحادية عشر والنصف ليتم نقلهم لتحقيق المسكوبية، وبعد أن نالت أجسادهم
المتعبة ما نالت من التعذيب الميداني بدأ مشوار التحقيق الذي استمر 90 يوماً، وكان تحقيقاً تضمن تعذيباً جسدياً ونفسياً.

تقرر لاحقاً نقل شادي لسجن عسقلان وبدأ مرحلة جديدة في المحاكم العسكرية المؤجلة، حتى جاء اليوم الذي تقرر فيه أن يتم سجنه مدى الحياة لكن النيابة تراجعت عن قرارها في اللحظة الأخيرة بسبب عدم وجود أدلة واضحة، لتنهي النيابة قرارها بالحكم على شادي بالسجن لمدة 18 عاماً.

ولعل أكثر ما ألم الأسير شادي غلمة في ذلك الوقت هو أن قاضيهوسجانه كانوا من مستوطني كريات أربع المقامة على أراضي مدينة الخليل ليكون الظلم الذي لحق به مضاعفاً.

كثيراً ما يبدو أن حياة الاسير تستقر نوعاً ما بعد أن يتم إصدار حكم بحقه، فهي أوقات سيعدها ويعلم أنها يوماً ما لابد وان تنتهي لكن حياة الأسر بالنسبة لشادي كانت مختلفة تماماً.

فلم تكن حياة الأسير شادي سهلة داخل السجون فقد تنقل بين كثيرٍ منها، فإن ذكرنا السجون التي شهدت جدرانها على أنفاسه لوجدناها كثيرة فهناك، سجن نفحة وبئر السبع وعسقلان والدامون والنقب وشطة، لتكون مجالات استقراره في سجن واحد بعيدة.

ورغم ذلك إلا أن إصراره جعله يلتحق بدورات الحركة التعليمية داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، ما صقل شخصيته الثقافية بعد التحاقه بدورات قرآن وعلوم دينية، وكذلك تطورت مهاراته الرياضية.

وتذكر عائلة الأسير شادي في رسالة وجهتها لمركز أحرار لدراسات الأسرى أن شاديغلمة يشبه أسره بخروج روحه من جسده وقد كان ذلك سهلاً برأيه إذا ما قورن برجوعها مرة أخرى وذلك أشد صعوبة، ويأتي هذا التشبيه في الوقت الذي يستعد فيه
غلمة للحظات التحرير بعد مضي 18 عاماً، وفي الوقت الذي نسي فيه طعمها وظن أنه لن يدركها.

شادي وأمثاله من الأسرى ذوي الأحكام العالية تعرضوا لتقصير إعلامي مجحف بحقهم في نقل صوتهم ومعاناتهم وسنين طويلة أغلقت عليهم بإجحاف، بالإضافة إلى تقصير من الجهات المخولة بالدفاع عن حقوق الأسرى.

ستبقى الأحكام العالية تؤرق كاهل الأسرى وعائلاتهم فهم وحدهم من يعدون الأيام والدقائق بانتظار الفرج، وستبقى ذاكرتهم تقاوم معالم النسيان، نسيانٌ قد يطال وجوههم وأصواتهم وعاداتهم البسيطة.

التعليقات