حمد عبيد المنصوري يلقي الكلمة الافتتاحية في منتدى المحتوى الرقمي العربي
رام الله - دنيا الوطن
ألقى حمد عبيد المنصوري الكلمة الافتتاحية في منتدى المحتوى الرقمي العربي
ألقى حمد عبيد المنصوري الكلمة الافتتاحية في منتدى المحتوى الرقمي العربي
نص الكلمة:
أصحاب المعالي والسعادة
السادة المسؤولون والخبراء وممثلو القطاعات الحكومية والأكاديمية والخاصة
الحضور الكريم
السلام عليكم ورحمته وبركاته
يسعدني ويشرفني أن أرحب بكم في بلدكم الثاني، دولة الإمارات العربية المتحدة، وأنقل لكم تحيات القيادة الرشيدة وتمنياتها لكم ولمؤتمركم هذا بالنجاح والتوفيق في تحقيق الأهداف المرجوة منه، والتي تكتسي أهميتها من أهمية الموضوع المطروح على جدول أعمالكم، وعلاقته بمستقبل أجيالنا ومجتمعاتنا، ناهيك عن ارتباطه الوثيق بمجتمع واقتصاد المعرفة الذي نتشارك جميعاً السعي نحو تجسيده على أرض الواقع بما يخدم أوطاننا وأمتنا العربية.
من دواعي الفخر أننا في دولة الإمارات، وبينما نسابق الزمن في سعينا نحو المستقبل، فإننا لا نساوم على هويتنا وجذورنا الحضارية والثقافية الضاربة في القدم.
وبقدر ما نسعى لاقتحام عصر الحكومة الذكية والمدن الذكية وإنترنت الأشياء فإن أعيننا تبقى مفتوحة على ماضينا العريق، ليس من باب الجمود، وإنما من باب استلهام التجارب المضيئة والعمل على استعادتها وبث الروح فيها مجدداً.
إن أول نهضة معرفية شهدها التاريخ العربي كانت نهضة مبنية على المحتوى... لقد حدث ذلك، كما تعرفون، في مطلع القرن الثالث للهجرة عندما أولى الخليفة المأمون جل اهتمامه بجامعة بيت الحكمة، وجعل المزيد من القوافل العربية تجوب الأرض بحثاً عن مصادر المعرفة والعلوم، وتعود محملة بأطنان الكتب والمخطوطات ليصار إلى ترجمتها في أروقة بيت الحكمة وإدخالها ضمن النسيج المعرفي العربي في سياق مشروع نهضوي نتوق إلى استعادته بهمة أمثالكم من الغيورين على المحتوى العربي ومستقبل اللغة العربية في العصر الرقمي.
السيدات والسادة الكرام،
إن الفرص الهائلة التي يوفرها عصر الإنترنت والتقنيات الرقمية يقابلها تحديات لا يستهان بها، ولعل مسألة الهوية الثقافية تقع في صلب تلك التحديات، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأجيالنا اليافعة التي تمثل مستقبل الأمة.
تفيد دراسة حديثة أجرتها منظمة Childwise المختصة بحماية الطفولة، بأن السنوات العشرين الماضية شهدت طفرة في كمية الوقت الذي يمضيه أطفال اليوم أمام الشاشات الرقمية بأنواعها؛ الكمبيوتر والتلفاز والهاتف النقال وغيرها.
وبحسب تلك الدراسة فإن متوسط الوقت الذي يمضيه الطفل اليوم من عمر 5 إلى 16 سنة على تلك الشاشات هو ست ساعات ونصف، علماً بأن دراسة مشابهة كانت أجريت في عام 1995 بينت أن أطفال ذلك الوقت كان يمضون ثلاث ساعات ونصف على الشاشات. وإذا كانت مدة البقاء أمام الشاشة قد تضاعفت خلال تلك الفترة، فلكم أن تتخيلوا المآل الذي تتجه نحوه الأمور بعد عشرين سنة أخرى من الآن.
إن قضاء ست أو سبع ساعات أمام الشاشة ليس بالأمر الذي يمكن تجاهله أيها السادة، ولعل السؤال الذي يتبادر في أذهاننا إزاء هذه الحقيقة يتعلق بطبيعة المحتوى الذي يتعرض له أطفالنا طوال تلك الساعات، وما هي اللغة والمضامين التي تلامس حواسهم وتداعب وجدانهم وتتغلغل في وعيهم خلال تلك الساعات الست كل يوم؟
سؤال كهذا لا بد أن يقودنا إلى استعراض حال لغة الضاد على شبكة الإنترنت.
فبحسب إحصائيات موقع (World Internet Stats) المتخصص في هذا الشأن، يمثل الناطقون باللغة العربية رابع أكبر مجموعة من مستخدمي الإنترنت في العالم. ويبلغ تعداد هؤلاء المستخدمين نحو 155 مليون شخص يعادلون ما يقرب من 5% من إجمالي مستخدمي الإنترنت في العالم. ويتزايد مستخدمو الإنترنت الناطقون بالعربية بمعدل 6% سنوياً مما يجعل العرب والناطقين بالعربية الفئة الأسرع نمواً على الإطلاق من بين كل فئات مستخدمي الشبكة.
فهل يلبي المحتوى الرقمي العربي حاجة هؤلاء الملايين من أبناء لغة الضاد؟ الإجابة الصادمة حول هذا السؤال تأتي من الموقع نفسه حيث يشير بأن نسبة المواقع الإلكترونية التي تعرض محتوياتها باللغة العربية أقل من 1% من إجمالي عدد المواقع.
ومما يثير في النفس تساؤلات ممزوجة بالمرارة أن أمماً لا يبلغ تعدادها نصف تعداد الأمة العربية لديها أضعاف ما لدى العرب من المحتوى على شبكة الإنترنت. فأين مكمن الخلل في هذا الوضع؟ وكيف يمكن معالجة ذلك الخلل؟ إن مؤتمركم الكريم هو المكان المناسب لطرح مثل هذه الأسئلة، والبحث عن إجابات شافية حولها.
إن أهمية هذا المنتدى أيها السادة تنبع من أهمية الجهات المشاركة في تنظيمه، والتي تمثل مؤسسات طليعية في مجال دعم مجتمع المعرفة، وهي جامعة الدول العربية والمكتب الإقليمي للاتحاد الدولي للاتصالات، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإيسكوا)، ووزارة الاتصالات في جمهورية مصر العربية التي كانت سبّاقة في احتضان النسختين الأولى والثانية من هذا المنتدى. ولا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى القائمين على هذه الجهات الرائدة لجهودهم المشهودة والمقدرة في هذا المجال.
إن استضافتنا للنسخة الثالثة من هذا المنتدى ينبع من حرص دولة الإمارات على تعزيز جهودها الحثيثة والمتواصلة في هذا المضمار الحيوي، وهو يعبّر عن دعمها اللامحدود لكل مسعى أو مشروع أو مبادرة تخدم المحتوى العربي، كما يأتي استكمالاً لجهود وطنية عديدة في هذا المجال.
ففي إبريل 2012، وبتوجيهات كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، تم تشكيل لجنة تحديث تعليم اللغة العربية، وذلك ضمن منظومة متكاملة من المبادرات الهادفة إلى تعزيز مكانة اللغة العربية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد هدفت تلك المنظومة إلى تكريس رؤية الإمارات 2021 التي تهدف إلى جعل دولة الإمارات مركزاً للامتياز في اللغة العربية باعتبارها أداة رئيسية لتعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال المقبلة.
ومن مهام لجنة تحديث تعليم اللغة العربية صياغة تصور حديث حول تعلم اللغة العربية وتعليمها، وتقديم تقرير شامل بشأن تحديث تعليم اللغة العربية، واقتراح أساليب تعليمية وآليات متطورة لتبني مناهج جديدة تسهم في تعزيز استخدام اللغة العربية وتعليمها لأبنائها والناطقين بغيرها.
ومن الجهود الوطنية في هذا السياق، ما قامت وتقوم به مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في دعم المعرفة في العالم العربي من خلال ترجمة مئات الكتب وطباعة الكثير من الإصدارات الجديدة باللغة العربية.
وبينما أطلقت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث مشروع "كلمة" لترجمة الكتب والمعارف من مختلف اللغات العالمية بتمويل كامل من حكومة أبوظبي، فقد أطلقت المؤسسة مشروع "عائلتي تقرأ" الذي تستفيد منه 50 الف عائلة إماراتية، ومبادرة مكتبة دبي الرقمية التي تهدف لتوفير منصة إلكترونية لمجموعة ضخمة من الكتب باللغة العربية سواء المؤلفة أو المترجمة في كافة مجالات الحياة.
كما أطلقت قيادتنا الرشيدة ميثاق اللغة العربية الذي يرسم الخطوط العريضة لتأكيد سيادة اللغة العربية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وشهد العام الماضي إطلاق جائزة محمد بن راشد للغة العربية التي تهدف للنهوض باللغة العربية ونشرها وتعزيز استخدامها في الحياة العامة وتشجيع التطبيقات الإلكترونية والرقمية التي تساعد على تحقيق هذا الهدف، علماً بأن الجائزة أطلقت دورتها الثانية هذا الأسبوع فاتحة المجال للمبدعين الراغبين في خدمة المحتوى الرقمي العربي في عدة مجالات من بينها الحلول التقنية لخدمة لغة الضاد.
وقبل أيام قليلة أيضاً أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، «تحدي القراءة العربي» وهو أكبر مشروع عربي لتشجيع القراءة لدى الطلاب في العالم العربي، عبر تشجيع أكثر من مليون طالب على قراءة 50 مليون كتاب خلال عامهم الدراسي. وخصص سموه مبلغ 11 مليون درهم لهذه المبادرة المعرفية.
أما نحن في الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات، ومن خلال دورنا في صياغة وتنفيذ استراتيجية حكومة الإمارات الذكية، فقد أطلقنا الدليل الإرشادي للمحتوى العربي للمواقع الإلكترونية الحكومية ليكون مرجعاً لمختلف الجهات التي تحرص على الحضور الإلكتروني، وبما يضمن أن تكون اللغة العربية المستخدمة في المواقع الحكومية لغة سهلة الاستخدام ورصينة في الوقت ذاته، وأن تكون صياغتها مبنية على حاجات مستخدمي الإنترنت وتوقعاتهم وأنماط سلوكهم، وأن تأخذ في الاعتبار الآليات المنطقية التي تعمل بها محركات البحث، فضلاً عن مبادئ الاستخدام وسهولة الوصول.
إن هذه الأمثلة ليست إلا بعضاً من الجهود التي تجري على قدم وساق هنا في دولة الإمارات. وإني لعلى ثقة بأن جهوداً كثيرة تجري في أماكن أخرى من الوطن العربي الكبير. ويقع على عاتق منتداكم الكريم مدى الجسور والقنوات بين تلك المشاريع والمبادرات من أجل توحيد الجهود وتركيزها لتحقيق الأهداف المشتركة.
إنني واثق بأن منتداكم هذا سيكون إضافة مهمة في مجال التصدي للمهمات الكبرى المطلوبة للارتقاء بالمحتوى العربي، ولا يخفى عليكم أن من أبرز تلك المهمات مواضيع مثل الترجمة الآلية، ومحركات البحث، والماسحات الضوئية للحروف العربية، وإنشاء مدونة عربية شاملة للغة الضاد منذ نشأتها وحتى اليوم.
إن مشاريع بهذا الحجم لا يمكن أن تكون حصيلة جهد دولة أو مؤسسة أو فرد. لذا، فمن الضروري أن تتكاتف جهود الدول بقطاعاتها الحكومية والأكاديمية والخاصة، فضلاً عن جهود الأفراد والخبراء من الغيورين على مستقبل اللغة العربية والمحتوى العربي.
لا بد أيها السادة من إيجاد آليات لدعم رواد الأعمال وتشجيع مشاريع إنتاج المحتوى الرقمي الجيد، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن المحتوى العربي الموجود حالياً، بالإضافة إلى ندرته، يعاني من شح في منسوب الجودة والأصالة، حيث تدعو الحاجة لضبط الجودة والدقة وإيجاد حلول للتعامل مع المفردات المشتقة من اللغات الأجنبية وتلك التي تطرحها أدوات العصر وتقنياته المتسارعة.
السادة المسؤولون والخبراء وممثلو القطاعات الحكومية والأكاديمية والخاصة
الحضور الكريم
السلام عليكم ورحمته وبركاته
يسعدني ويشرفني أن أرحب بكم في بلدكم الثاني، دولة الإمارات العربية المتحدة، وأنقل لكم تحيات القيادة الرشيدة وتمنياتها لكم ولمؤتمركم هذا بالنجاح والتوفيق في تحقيق الأهداف المرجوة منه، والتي تكتسي أهميتها من أهمية الموضوع المطروح على جدول أعمالكم، وعلاقته بمستقبل أجيالنا ومجتمعاتنا، ناهيك عن ارتباطه الوثيق بمجتمع واقتصاد المعرفة الذي نتشارك جميعاً السعي نحو تجسيده على أرض الواقع بما يخدم أوطاننا وأمتنا العربية.
من دواعي الفخر أننا في دولة الإمارات، وبينما نسابق الزمن في سعينا نحو المستقبل، فإننا لا نساوم على هويتنا وجذورنا الحضارية والثقافية الضاربة في القدم.
وبقدر ما نسعى لاقتحام عصر الحكومة الذكية والمدن الذكية وإنترنت الأشياء فإن أعيننا تبقى مفتوحة على ماضينا العريق، ليس من باب الجمود، وإنما من باب استلهام التجارب المضيئة والعمل على استعادتها وبث الروح فيها مجدداً.
إن أول نهضة معرفية شهدها التاريخ العربي كانت نهضة مبنية على المحتوى... لقد حدث ذلك، كما تعرفون، في مطلع القرن الثالث للهجرة عندما أولى الخليفة المأمون جل اهتمامه بجامعة بيت الحكمة، وجعل المزيد من القوافل العربية تجوب الأرض بحثاً عن مصادر المعرفة والعلوم، وتعود محملة بأطنان الكتب والمخطوطات ليصار إلى ترجمتها في أروقة بيت الحكمة وإدخالها ضمن النسيج المعرفي العربي في سياق مشروع نهضوي نتوق إلى استعادته بهمة أمثالكم من الغيورين على المحتوى العربي ومستقبل اللغة العربية في العصر الرقمي.
السيدات والسادة الكرام،
إن الفرص الهائلة التي يوفرها عصر الإنترنت والتقنيات الرقمية يقابلها تحديات لا يستهان بها، ولعل مسألة الهوية الثقافية تقع في صلب تلك التحديات، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأجيالنا اليافعة التي تمثل مستقبل الأمة.
تفيد دراسة حديثة أجرتها منظمة Childwise المختصة بحماية الطفولة، بأن السنوات العشرين الماضية شهدت طفرة في كمية الوقت الذي يمضيه أطفال اليوم أمام الشاشات الرقمية بأنواعها؛ الكمبيوتر والتلفاز والهاتف النقال وغيرها.
وبحسب تلك الدراسة فإن متوسط الوقت الذي يمضيه الطفل اليوم من عمر 5 إلى 16 سنة على تلك الشاشات هو ست ساعات ونصف، علماً بأن دراسة مشابهة كانت أجريت في عام 1995 بينت أن أطفال ذلك الوقت كان يمضون ثلاث ساعات ونصف على الشاشات. وإذا كانت مدة البقاء أمام الشاشة قد تضاعفت خلال تلك الفترة، فلكم أن تتخيلوا المآل الذي تتجه نحوه الأمور بعد عشرين سنة أخرى من الآن.
إن قضاء ست أو سبع ساعات أمام الشاشة ليس بالأمر الذي يمكن تجاهله أيها السادة، ولعل السؤال الذي يتبادر في أذهاننا إزاء هذه الحقيقة يتعلق بطبيعة المحتوى الذي يتعرض له أطفالنا طوال تلك الساعات، وما هي اللغة والمضامين التي تلامس حواسهم وتداعب وجدانهم وتتغلغل في وعيهم خلال تلك الساعات الست كل يوم؟
سؤال كهذا لا بد أن يقودنا إلى استعراض حال لغة الضاد على شبكة الإنترنت.
فبحسب إحصائيات موقع (World Internet Stats) المتخصص في هذا الشأن، يمثل الناطقون باللغة العربية رابع أكبر مجموعة من مستخدمي الإنترنت في العالم. ويبلغ تعداد هؤلاء المستخدمين نحو 155 مليون شخص يعادلون ما يقرب من 5% من إجمالي مستخدمي الإنترنت في العالم. ويتزايد مستخدمو الإنترنت الناطقون بالعربية بمعدل 6% سنوياً مما يجعل العرب والناطقين بالعربية الفئة الأسرع نمواً على الإطلاق من بين كل فئات مستخدمي الشبكة.
فهل يلبي المحتوى الرقمي العربي حاجة هؤلاء الملايين من أبناء لغة الضاد؟ الإجابة الصادمة حول هذا السؤال تأتي من الموقع نفسه حيث يشير بأن نسبة المواقع الإلكترونية التي تعرض محتوياتها باللغة العربية أقل من 1% من إجمالي عدد المواقع.
ومما يثير في النفس تساؤلات ممزوجة بالمرارة أن أمماً لا يبلغ تعدادها نصف تعداد الأمة العربية لديها أضعاف ما لدى العرب من المحتوى على شبكة الإنترنت. فأين مكمن الخلل في هذا الوضع؟ وكيف يمكن معالجة ذلك الخلل؟ إن مؤتمركم الكريم هو المكان المناسب لطرح مثل هذه الأسئلة، والبحث عن إجابات شافية حولها.
إن أهمية هذا المنتدى أيها السادة تنبع من أهمية الجهات المشاركة في تنظيمه، والتي تمثل مؤسسات طليعية في مجال دعم مجتمع المعرفة، وهي جامعة الدول العربية والمكتب الإقليمي للاتحاد الدولي للاتصالات، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإيسكوا)، ووزارة الاتصالات في جمهورية مصر العربية التي كانت سبّاقة في احتضان النسختين الأولى والثانية من هذا المنتدى. ولا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى القائمين على هذه الجهات الرائدة لجهودهم المشهودة والمقدرة في هذا المجال.
إن استضافتنا للنسخة الثالثة من هذا المنتدى ينبع من حرص دولة الإمارات على تعزيز جهودها الحثيثة والمتواصلة في هذا المضمار الحيوي، وهو يعبّر عن دعمها اللامحدود لكل مسعى أو مشروع أو مبادرة تخدم المحتوى العربي، كما يأتي استكمالاً لجهود وطنية عديدة في هذا المجال.
ففي إبريل 2012، وبتوجيهات كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، تم تشكيل لجنة تحديث تعليم اللغة العربية، وذلك ضمن منظومة متكاملة من المبادرات الهادفة إلى تعزيز مكانة اللغة العربية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد هدفت تلك المنظومة إلى تكريس رؤية الإمارات 2021 التي تهدف إلى جعل دولة الإمارات مركزاً للامتياز في اللغة العربية باعتبارها أداة رئيسية لتعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال المقبلة.
ومن مهام لجنة تحديث تعليم اللغة العربية صياغة تصور حديث حول تعلم اللغة العربية وتعليمها، وتقديم تقرير شامل بشأن تحديث تعليم اللغة العربية، واقتراح أساليب تعليمية وآليات متطورة لتبني مناهج جديدة تسهم في تعزيز استخدام اللغة العربية وتعليمها لأبنائها والناطقين بغيرها.
ومن الجهود الوطنية في هذا السياق، ما قامت وتقوم به مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في دعم المعرفة في العالم العربي من خلال ترجمة مئات الكتب وطباعة الكثير من الإصدارات الجديدة باللغة العربية.
وبينما أطلقت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث مشروع "كلمة" لترجمة الكتب والمعارف من مختلف اللغات العالمية بتمويل كامل من حكومة أبوظبي، فقد أطلقت المؤسسة مشروع "عائلتي تقرأ" الذي تستفيد منه 50 الف عائلة إماراتية، ومبادرة مكتبة دبي الرقمية التي تهدف لتوفير منصة إلكترونية لمجموعة ضخمة من الكتب باللغة العربية سواء المؤلفة أو المترجمة في كافة مجالات الحياة.
كما أطلقت قيادتنا الرشيدة ميثاق اللغة العربية الذي يرسم الخطوط العريضة لتأكيد سيادة اللغة العربية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وشهد العام الماضي إطلاق جائزة محمد بن راشد للغة العربية التي تهدف للنهوض باللغة العربية ونشرها وتعزيز استخدامها في الحياة العامة وتشجيع التطبيقات الإلكترونية والرقمية التي تساعد على تحقيق هذا الهدف، علماً بأن الجائزة أطلقت دورتها الثانية هذا الأسبوع فاتحة المجال للمبدعين الراغبين في خدمة المحتوى الرقمي العربي في عدة مجالات من بينها الحلول التقنية لخدمة لغة الضاد.
وقبل أيام قليلة أيضاً أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، «تحدي القراءة العربي» وهو أكبر مشروع عربي لتشجيع القراءة لدى الطلاب في العالم العربي، عبر تشجيع أكثر من مليون طالب على قراءة 50 مليون كتاب خلال عامهم الدراسي. وخصص سموه مبلغ 11 مليون درهم لهذه المبادرة المعرفية.
أما نحن في الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات، ومن خلال دورنا في صياغة وتنفيذ استراتيجية حكومة الإمارات الذكية، فقد أطلقنا الدليل الإرشادي للمحتوى العربي للمواقع الإلكترونية الحكومية ليكون مرجعاً لمختلف الجهات التي تحرص على الحضور الإلكتروني، وبما يضمن أن تكون اللغة العربية المستخدمة في المواقع الحكومية لغة سهلة الاستخدام ورصينة في الوقت ذاته، وأن تكون صياغتها مبنية على حاجات مستخدمي الإنترنت وتوقعاتهم وأنماط سلوكهم، وأن تأخذ في الاعتبار الآليات المنطقية التي تعمل بها محركات البحث، فضلاً عن مبادئ الاستخدام وسهولة الوصول.
إن هذه الأمثلة ليست إلا بعضاً من الجهود التي تجري على قدم وساق هنا في دولة الإمارات. وإني لعلى ثقة بأن جهوداً كثيرة تجري في أماكن أخرى من الوطن العربي الكبير. ويقع على عاتق منتداكم الكريم مدى الجسور والقنوات بين تلك المشاريع والمبادرات من أجل توحيد الجهود وتركيزها لتحقيق الأهداف المشتركة.
إنني واثق بأن منتداكم هذا سيكون إضافة مهمة في مجال التصدي للمهمات الكبرى المطلوبة للارتقاء بالمحتوى العربي، ولا يخفى عليكم أن من أبرز تلك المهمات مواضيع مثل الترجمة الآلية، ومحركات البحث، والماسحات الضوئية للحروف العربية، وإنشاء مدونة عربية شاملة للغة الضاد منذ نشأتها وحتى اليوم.
إن مشاريع بهذا الحجم لا يمكن أن تكون حصيلة جهد دولة أو مؤسسة أو فرد. لذا، فمن الضروري أن تتكاتف جهود الدول بقطاعاتها الحكومية والأكاديمية والخاصة، فضلاً عن جهود الأفراد والخبراء من الغيورين على مستقبل اللغة العربية والمحتوى العربي.
لا بد أيها السادة من إيجاد آليات لدعم رواد الأعمال وتشجيع مشاريع إنتاج المحتوى الرقمي الجيد، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن المحتوى العربي الموجود حالياً، بالإضافة إلى ندرته، يعاني من شح في منسوب الجودة والأصالة، حيث تدعو الحاجة لضبط الجودة والدقة وإيجاد حلول للتعامل مع المفردات المشتقة من اللغات الأجنبية وتلك التي تطرحها أدوات العصر وتقنياته المتسارعة.
