الهبة الجماهيرية وتطوير الفعل السياسي
د.احمد مجدلاني
عضو اللجنة التنفيذية
لمنظمة التحيرير الفلسطينية
الهبة الجماهيرية التي اخذت تتطور وتتسع وتتواصل على امتداد الوطن بصورة اذهلت العدو الذي رغم قسوة آلة بطشه وقمعه ،واعتقاده انه مالم يتم فرضه بالقوة من الممكن الحصول عليه باستخدام المزيد من القوة ، هذه النظرية التي حكمت رؤية الحكومات الاسرائيلية مع الحالة الشعبية الفلسطينية على امتداد العقود السابقة ، يضعنا امام حقيقة راسخة بان الاحتلال واجهزته لايتعلمون حتى من الدروس قريبة العهد، وليس فقط من التجارب التاريخية بالتعامل مع الشعب الفلسطيني ،وهذا مايدفعهم لارتكاب المزيد من الجرائم التي تزيد الشعب الفلسطيني اصرارا على رفضه للامر الواقع وضرورة تغيير قواعد واسس العلاقات القائمة مع سلطات الاحتلال الاسرائيلي الذي تنكر للاتفاقيات وتعامل معها انتقائيا بما يخدم مشروعه في ابقاء الاحتلال بدون كلفه ، وتحويل السلطة باعتبارها ناقلة للشعب الفلسطيني من الاحتلال الى الاستقلال، الى دور وظيفي يغير من طابعها ومضمونها ليؤبد هذا الاحتلال.
أن الهبة الشعبية التي انطلقت شرارتها من مدينة القدس العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية ، اتسعت لتشمل الضفة الغربية ، وبمساندة من جماهير شعبنا في قطاع غزة، هذه الهبة الجماهيرية لم تكن وليد الصدفة بل نتاج طبيعي لسلسلة من التراكمات السياسية والإجراءات الإسرائيلية التصعيدية ، التي أوصلت الشعب الفلسطيني لمرحلة لم يعد بمقدوره تحملها والسكوت عليها ، نوجزها بالتالي :
- انسداد أفق العملية السياسية والذي يعني انعدام الفرص والآمال لدى شعبنا بالحرية وبالاستقلال ، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وتدمير اسرائيل بشكل متعمد للحل السياسي القائم على دولتين متجاورتين .
- انعدام الأمن لدى أبناء شعبنا، بخاصة في المدن والأرياف ، نتيجة تزايد الاعتداءات الممنهجة من قبل المستوطنين ، وبحماية ودعم واسناد من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي ، والتي وصلت لحد الاعتدعات العنصرية والحرق والقتل وإقامة الحواجز والعمل على الفصل ما بين المدن والقرى .
- انعدام الأمن الاجتماعي بخاصة لدى شريحة الشباب ، وتزايد البطالة والفقر بالمجتمع ، وتراجع النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية ، الذي أنعكس سلبا على كافة فئات وشرائح أبناء شعبنا بالعوز والفقر .
- استفزاز المشاعر الدينية لدى أبناء شعبنا بالقدس وبالضفة وداخل الخط الأخضر من خلال السياسات الإسرائيلية والتي تنفذها عصابات المستوطنين والمتطرفين اليهود من الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى ، بهدف تقسيمه زمانيا ومكانيا على غرار ما جرى بالحرم الإبراهيمي ، وعدم تحرك جدي للدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي .
إن العناصر الواردة ساهمت بالتراكم الملموس بفعل الإجراءات الإسرائيلية التصعيدية بشكل يومي لانطلاق الهبة الشعبية ، والتي أخذت فترة للتفاعل بضمير ووجدان الشعب الفلسطيني ، بخاصة لدى فئة الشباب ، ومع تزايد وتمادي الإجراءات الإسرائيلية من حرق الأطفال كما حصل لعائلة الدوابشة ، ومنع الشباب والمرابطين من الإقامة او التوجه للمسجد الأقصى ، وعربدة المستوطنين على مرأى ومسمع من العالم بالقدس والأقصى والضفة .
كما أن خطاب الأخ الرئيس أبو مازن أما الجمعية العامة بالأمم المتحدة قد ساهم بالهبة الشعبية وعجل من انطلاقتها، بخاصة وأنه أستطاع أن يكثف المعاناة التي يعيشها شعبنا والإجراءات التصعيدية الإسرائيلية بشكل ملموس واضح ، وكان خطابا لامس من خلاله ضمير الشعب بكل شرائحه وأطيافه ، فضلا عن أنه جاء بتوقيت سياسي مناسب ، ومنعطف دقيق حيث لمس المواطن العادي أن المجتمع الدولي بكامله لم يعد يكترث بالقضية الفلسطينية ولا بالمعاناة اليومية التي يعيشها، واخرج القضية الفلسطينية من سلم اولوياته .
ان السمات التي تتميز بها هذه الهبة الشعبية تضعنا امام حالة لها طابع الفرادة قياسا لتجارب شعبنا الماضية
- فاللافت للانتباه أنها هبة شعبية بامتياز ، ومفجروها شريحة الشباب من طلاب وعمال ، وأنها هبة عفوية بانطلاقتها ، لكنها أخذة بالتوسع والتعمق والشمولية ، واستخدام وسائل وأشكال نضالية شعبية إبداعية اسهمت بإرباك جيش الاحتلال وجنرالاته وحتى سياسياته ، هذا الجيل من الشباب الذي عاش ظروفا أفضل نسبيا من سابقه ، لكنه يواجه صعوبات جمة وان لا أفق أمامه .
- ان طابعها شبابي ومن اعمار اقل 22 عاما ، وتأثير الحركة السياسية عليها محدود حتى اللحظة .
- استخدامت وسائل وأشكال نضالية شعبية تختلف من موقع لآخر ، وذلك وفقا لظروف كل منطقة وموقع ، وهذا يدلل على القدرات والطاقات الإبداعية الكامنة لدى جيل الشباب .
- توفر الإرادة الوطنية والدافعية للمقاومة ومقارعة الاحتلال من خلال التصدي الباسل والمواجهة العنيدة بالصدور من قبل الشباب وهذا له دلالة واضحة على عمق الانتماء والوعي الكامن لضرورة دحر الاحتلال ومستوطنيه ، وطي صفحة المرحلة السياسية الراهنة وفتح صفحة جديدة تقودنا نحو الحرية والاستقلال.
- اتساع طابعها الشعبي والسلمي وشموله ، بمعنى مشاركة واسعة من مختلف محافظات الوطن ، وانضمام أبناء شعبنا بغزة لمساندة الهبة الشعبية ، كذلك سرعة تحرك جماهير شعبنا داخل الخط الأخضر وبوتيرة عالية وسريعة، وهذا ما أدى إلى إرباك المستوى السياسي بإسرائيل .
وفي هذا الاطار ينبغي التركيز على مسألة في غاية الأهمية تتعلق بعدم التعاطي مع الهبة الشعبية بأسلوب تقليدي أو محاولة استنساخ الانتفاضتين السابقتين الأولى والثانية واسقاطهما على الهبة الحالية.
فالمرحلة الراهنة أملت ظروفا ومعطيات جديدة ، وكذلك أشكال وأساليب نضالية مختلفة عن المراحل السابقة ، وهذا الأمر يدفعنا للتأكيد على أمر في غاية الأهمية ينطلق من أساس أن الهبة الشعبية ومن اجل صيرورتها وتحقيق أهدافها المباشرة والإستراتيجية ، وبما يمكن من استنزف الاحتلال وجيشه وقطعان المستوطنين ، وجعلهم يدفعون ثمنا باهظا ، وفي المقابل الحفاظ قدر المستطاع على جهود وقدرات شبابنا وتجنب الانفعالات وردات الفعل التي قد تساهم
بخلق أوضاع تصبح عبئا على شعبنا وعلى نظامنا السياسي ، وبالتالي على قضيتنا الوطنية العادلة ، وهذا يتطلب التأكيد على :
- الحفاظ على الطابع والزخم الشعبي والسلمي، ليشمل كافة شرائح مجتمعنا الفلسطيني كحاضنة وداعمة للهبة الشعبية ، وهذا يتأتى من خلال عدم السماح بعسكرتها على غرار الانتفاضة الثانية ( انتفاضة الأقصى) محذرين بأن حكومة نتنياهو تسعى بكافة الأساليب والأشكال بهدف جرنا وجر شعبنا لأتون مربع العسكرة ، وهو المربع الذي يتفوق به علينا ويوجه لنا ضربة موجعة لقدراتنا المادية والاقتصادية والمؤسساتية، وليظهر من جهة اخرى انه في المعسكر الدولي الذي يحارب الارهاب ، ويصبح الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية ارهابا.
- الابتعاد وتجنب الإضرابات التجارية ، أو إغلاق المدارس ، لأن من شأن ذلك أن يثقل كاهلنا ، وينعكس سلبا على اوضاع شعبنا، ويخلق حالة من الإرباك والتذمر داخل المجتمع الفلسطيني نحن لسنا بحاجة لها .
- كذلك يتطلب وبوعي مسؤول تمليه علينا ضمائرنا أولا، ومسؤوليتنا الوطنية ثانية، أن نجنب الأطفال القصر المشاركة والتعرض المباشر لبطش الاحتلال ورصاصه الغادر .
- تطوير وابتداع وتوسيع الفعاليات والمواجهات الوطنية ، كي لا يبدو الأمر وكأنه يقتصر على شريحة الشباب ومواجهة جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه بالمقليع والحجر ، بل يتطلب تنظيم واع ومدروس لمشاركة كافة الشرائح المجتمعية ، من خلال تحديد أيام خاصة ، فعلى سبيل المثال المرأة ، العمال، المهندسين، الأطباء... ، هذه الشرائح تنتمي لاتحادات ونقابات ، ينبغي التواصل معها ومشاركتها الرأي وتحديد برامج مرتبطة بفعاليات محددة، والعمل على تنظيم ذلك مركزيا بكافة المحافظات ،وهذا الأمر له مدلولاته ومضامينه وأبعاده الاجتماعية والأخلاقية والوطنية ورسائله السياسية داخليا وخارجيا .
- الابتعاد عن الشعارات الجوفاء ، ومحاولة حرق المراحل ، فليس المهم التسمية ان كانت هبة شعبية أم انتفاضة ، المهم بالنسبة لنا المضامين والأهداف ، وتحديد الهدف الرئيس بإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وإعادة وضع القضية الوطنية لشعبنا على جدول أعمال المجتمع الدولي والأقليمي ، وما نرمي إليه وضع القضية
على سكة الحلول السياسية بإطار التطورات الجارية بالمنطقة ، وأن لا يكون أي حل للوضع الإقليمي على حسابنا وحساب شعبنا ، وهذا يتأتى من خلال التمسك بالموقف الصريح والواضح، الرافض للعودة للمفاوضات الثنائية وبالرعاية الأمريكية المنفردة والمنحازة، مما يدفعنا للاعتقاد أنه آن الأوان ليتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته لإنهاء الاحتلال من خلال غقد مؤتمر دولي للسلام أو بصيغة 5+1 اليت انجز فيها اتفاق ايران مع الدول الكبرى.
وفي هذا الإطار فإنه، لابد من خطاب سياسي جديد ينسجم مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها ، وعلى قاعدة تحقيق الأهداف المباشرة :
أ- بوقف الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنيه الاقتحامات المتواصلة لباحة المسجد الأقصى ، وإلغاء التقسيم الزماني الذي بدأت حكومة نتنياهو بفرضه منذ ما يزيد عن العام وذلك بإجراءات عملية وملموسة ، لان من شان استمراره ان يفجر حربا دينية تغذي كل اشكال التطرف والارهاب ليس في فلسطين فحسب وانما في المنطقة والعالم .
ب- الإعلان الواضح والرسمي عن وقف الاستيطان ومصادرة الأراضي ، والكف عن سياسة تهويد القدس وتغيير معالمها الديمغرافية .
ت- الكف عن تسليح قطعان المستوطنين وحمايتهم ومساندتهم، وردعهم من خلال عدم الاحتكاك المباشر مع الفلسطينيين والتصدي لاعتداءاتهم اليومية .
ث- ضرورة الإسراع بمقاضاة إسرائيل لدى محكمة الجنايات الدولية لاحقاق الاعدالة التي ينشدها شعبنا .
ج- الاستمرار بالانضمام للمنظمات والوكالات والمعاهدات والاتفاقات الدولية .
ح- ترجمة خطاب الرئيس أمام الجمعية العامة للأمم ، لخطة عمل وبرنامج سياسي ملموس ينقل الشعب الفلسطيني وطبقا للقانون الدولي، واعتراف العالم بدولة فلسطين نوفمبر 2012 من السلطة للدولة، وللانفكاك من اتفاقيات المرحلة الانتقالية وقيودها ، ووقف تطبيق التزاماتنا بهذه الاتفاقيات على اساس ضمان مصالحنا الوطنية.
كما ويتطلب الامر لتحرك وجهد سياسي ودبلوماسي مع الجامعة العربية ، ومنظمة التعاون الإسلامي ، ولجنة القدس ، لتحمل مسؤولياتهم وواجباتهم اتجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس ، وبلورة موقف عربي موحد وضاغط على المجتمع الدولي من أجل التحرك الجاد والمسؤول لكبح جماح التطرف الإسرائيلي اولا، ولدعم المسعى الفلسطيني للتحرر من قيود المرحلة الانتقالية .
بالمحصلة العامة نعتقد أن العمل على تطوير الهبة الشعبية نحو انتفاضة شعبية شاملة بكل مضامينها وإبعادها السياسية والوطنية والاجتماعية ، يتطلب توفير أحد أهم مرتكزاتها ، ألا وهو انهاء الانقسام وليس التهرب من هذا الاستحقاق بدعوى ان الوقت غير ملائم ، فاذا كان هذا الوقت غير ملائم فمتى يكون ملائما .
ان إنهاء الانقسام يفتح الطريق نحو وحدة وطنية على قاعدة برنامج عمل سياسي موحد بإطار م.ت.ف لتكون الحاضنة السياسية والوطنية للهبة الشعبية ، وتشكيل إطار وطني شامل يكون بمقدوره مأسسة هذه الهبة والحفاظ على طابعها الشعبي والسلمي وبما يحقق اهدافها الملوسة والمباشرة انهاء الاحتلال واقمة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس .
كما وان مواصلة الجهود للتحضير لدعوة المجلس الوطني للانعقاد بدورة جديدة وقبل نهاية العام الجاري،وبمشاركة كافة القوى الوطنية والاسلامية لاقرار البرنامج السياسي الذي فرضته الهبة الشعبية والمنسجم مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها، من شانه ان يصلب اوضاعنا ويضاعف من قوانا ويرفع من قدراتنا في مواجهة التحديات ويقربنا من تحقيق اهدافنا، وبغير ذلك سنجد أنفسنا نغرق في أتون حالة من الإرباك والفوضى تفقدنا السيطرة على الأوضاع ، وتضيع من بين ايدينا فرصة تاريخية لتثمير نضالات وتضحيات شعبنا ،وحينها لا احد يستطيع تقدير متى من الممكن ان تتكرر مثل هكذا فرصة
عضو اللجنة التنفيذية
لمنظمة التحيرير الفلسطينية
الهبة الجماهيرية التي اخذت تتطور وتتسع وتتواصل على امتداد الوطن بصورة اذهلت العدو الذي رغم قسوة آلة بطشه وقمعه ،واعتقاده انه مالم يتم فرضه بالقوة من الممكن الحصول عليه باستخدام المزيد من القوة ، هذه النظرية التي حكمت رؤية الحكومات الاسرائيلية مع الحالة الشعبية الفلسطينية على امتداد العقود السابقة ، يضعنا امام حقيقة راسخة بان الاحتلال واجهزته لايتعلمون حتى من الدروس قريبة العهد، وليس فقط من التجارب التاريخية بالتعامل مع الشعب الفلسطيني ،وهذا مايدفعهم لارتكاب المزيد من الجرائم التي تزيد الشعب الفلسطيني اصرارا على رفضه للامر الواقع وضرورة تغيير قواعد واسس العلاقات القائمة مع سلطات الاحتلال الاسرائيلي الذي تنكر للاتفاقيات وتعامل معها انتقائيا بما يخدم مشروعه في ابقاء الاحتلال بدون كلفه ، وتحويل السلطة باعتبارها ناقلة للشعب الفلسطيني من الاحتلال الى الاستقلال، الى دور وظيفي يغير من طابعها ومضمونها ليؤبد هذا الاحتلال.
أن الهبة الشعبية التي انطلقت شرارتها من مدينة القدس العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية ، اتسعت لتشمل الضفة الغربية ، وبمساندة من جماهير شعبنا في قطاع غزة، هذه الهبة الجماهيرية لم تكن وليد الصدفة بل نتاج طبيعي لسلسلة من التراكمات السياسية والإجراءات الإسرائيلية التصعيدية ، التي أوصلت الشعب الفلسطيني لمرحلة لم يعد بمقدوره تحملها والسكوت عليها ، نوجزها بالتالي :
- انسداد أفق العملية السياسية والذي يعني انعدام الفرص والآمال لدى شعبنا بالحرية وبالاستقلال ، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وتدمير اسرائيل بشكل متعمد للحل السياسي القائم على دولتين متجاورتين .
- انعدام الأمن لدى أبناء شعبنا، بخاصة في المدن والأرياف ، نتيجة تزايد الاعتداءات الممنهجة من قبل المستوطنين ، وبحماية ودعم واسناد من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي ، والتي وصلت لحد الاعتدعات العنصرية والحرق والقتل وإقامة الحواجز والعمل على الفصل ما بين المدن والقرى .
- انعدام الأمن الاجتماعي بخاصة لدى شريحة الشباب ، وتزايد البطالة والفقر بالمجتمع ، وتراجع النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية ، الذي أنعكس سلبا على كافة فئات وشرائح أبناء شعبنا بالعوز والفقر .
- استفزاز المشاعر الدينية لدى أبناء شعبنا بالقدس وبالضفة وداخل الخط الأخضر من خلال السياسات الإسرائيلية والتي تنفذها عصابات المستوطنين والمتطرفين اليهود من الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى ، بهدف تقسيمه زمانيا ومكانيا على غرار ما جرى بالحرم الإبراهيمي ، وعدم تحرك جدي للدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي .
إن العناصر الواردة ساهمت بالتراكم الملموس بفعل الإجراءات الإسرائيلية التصعيدية بشكل يومي لانطلاق الهبة الشعبية ، والتي أخذت فترة للتفاعل بضمير ووجدان الشعب الفلسطيني ، بخاصة لدى فئة الشباب ، ومع تزايد وتمادي الإجراءات الإسرائيلية من حرق الأطفال كما حصل لعائلة الدوابشة ، ومنع الشباب والمرابطين من الإقامة او التوجه للمسجد الأقصى ، وعربدة المستوطنين على مرأى ومسمع من العالم بالقدس والأقصى والضفة .
كما أن خطاب الأخ الرئيس أبو مازن أما الجمعية العامة بالأمم المتحدة قد ساهم بالهبة الشعبية وعجل من انطلاقتها، بخاصة وأنه أستطاع أن يكثف المعاناة التي يعيشها شعبنا والإجراءات التصعيدية الإسرائيلية بشكل ملموس واضح ، وكان خطابا لامس من خلاله ضمير الشعب بكل شرائحه وأطيافه ، فضلا عن أنه جاء بتوقيت سياسي مناسب ، ومنعطف دقيق حيث لمس المواطن العادي أن المجتمع الدولي بكامله لم يعد يكترث بالقضية الفلسطينية ولا بالمعاناة اليومية التي يعيشها، واخرج القضية الفلسطينية من سلم اولوياته .
ان السمات التي تتميز بها هذه الهبة الشعبية تضعنا امام حالة لها طابع الفرادة قياسا لتجارب شعبنا الماضية
- فاللافت للانتباه أنها هبة شعبية بامتياز ، ومفجروها شريحة الشباب من طلاب وعمال ، وأنها هبة عفوية بانطلاقتها ، لكنها أخذة بالتوسع والتعمق والشمولية ، واستخدام وسائل وأشكال نضالية شعبية إبداعية اسهمت بإرباك جيش الاحتلال وجنرالاته وحتى سياسياته ، هذا الجيل من الشباب الذي عاش ظروفا أفضل نسبيا من سابقه ، لكنه يواجه صعوبات جمة وان لا أفق أمامه .
- ان طابعها شبابي ومن اعمار اقل 22 عاما ، وتأثير الحركة السياسية عليها محدود حتى اللحظة .
- استخدامت وسائل وأشكال نضالية شعبية تختلف من موقع لآخر ، وذلك وفقا لظروف كل منطقة وموقع ، وهذا يدلل على القدرات والطاقات الإبداعية الكامنة لدى جيل الشباب .
- توفر الإرادة الوطنية والدافعية للمقاومة ومقارعة الاحتلال من خلال التصدي الباسل والمواجهة العنيدة بالصدور من قبل الشباب وهذا له دلالة واضحة على عمق الانتماء والوعي الكامن لضرورة دحر الاحتلال ومستوطنيه ، وطي صفحة المرحلة السياسية الراهنة وفتح صفحة جديدة تقودنا نحو الحرية والاستقلال.
- اتساع طابعها الشعبي والسلمي وشموله ، بمعنى مشاركة واسعة من مختلف محافظات الوطن ، وانضمام أبناء شعبنا بغزة لمساندة الهبة الشعبية ، كذلك سرعة تحرك جماهير شعبنا داخل الخط الأخضر وبوتيرة عالية وسريعة، وهذا ما أدى إلى إرباك المستوى السياسي بإسرائيل .
وفي هذا الاطار ينبغي التركيز على مسألة في غاية الأهمية تتعلق بعدم التعاطي مع الهبة الشعبية بأسلوب تقليدي أو محاولة استنساخ الانتفاضتين السابقتين الأولى والثانية واسقاطهما على الهبة الحالية.
فالمرحلة الراهنة أملت ظروفا ومعطيات جديدة ، وكذلك أشكال وأساليب نضالية مختلفة عن المراحل السابقة ، وهذا الأمر يدفعنا للتأكيد على أمر في غاية الأهمية ينطلق من أساس أن الهبة الشعبية ومن اجل صيرورتها وتحقيق أهدافها المباشرة والإستراتيجية ، وبما يمكن من استنزف الاحتلال وجيشه وقطعان المستوطنين ، وجعلهم يدفعون ثمنا باهظا ، وفي المقابل الحفاظ قدر المستطاع على جهود وقدرات شبابنا وتجنب الانفعالات وردات الفعل التي قد تساهم
بخلق أوضاع تصبح عبئا على شعبنا وعلى نظامنا السياسي ، وبالتالي على قضيتنا الوطنية العادلة ، وهذا يتطلب التأكيد على :
- الحفاظ على الطابع والزخم الشعبي والسلمي، ليشمل كافة شرائح مجتمعنا الفلسطيني كحاضنة وداعمة للهبة الشعبية ، وهذا يتأتى من خلال عدم السماح بعسكرتها على غرار الانتفاضة الثانية ( انتفاضة الأقصى) محذرين بأن حكومة نتنياهو تسعى بكافة الأساليب والأشكال بهدف جرنا وجر شعبنا لأتون مربع العسكرة ، وهو المربع الذي يتفوق به علينا ويوجه لنا ضربة موجعة لقدراتنا المادية والاقتصادية والمؤسساتية، وليظهر من جهة اخرى انه في المعسكر الدولي الذي يحارب الارهاب ، ويصبح الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية ارهابا.
- الابتعاد وتجنب الإضرابات التجارية ، أو إغلاق المدارس ، لأن من شأن ذلك أن يثقل كاهلنا ، وينعكس سلبا على اوضاع شعبنا، ويخلق حالة من الإرباك والتذمر داخل المجتمع الفلسطيني نحن لسنا بحاجة لها .
- كذلك يتطلب وبوعي مسؤول تمليه علينا ضمائرنا أولا، ومسؤوليتنا الوطنية ثانية، أن نجنب الأطفال القصر المشاركة والتعرض المباشر لبطش الاحتلال ورصاصه الغادر .
- تطوير وابتداع وتوسيع الفعاليات والمواجهات الوطنية ، كي لا يبدو الأمر وكأنه يقتصر على شريحة الشباب ومواجهة جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه بالمقليع والحجر ، بل يتطلب تنظيم واع ومدروس لمشاركة كافة الشرائح المجتمعية ، من خلال تحديد أيام خاصة ، فعلى سبيل المثال المرأة ، العمال، المهندسين، الأطباء... ، هذه الشرائح تنتمي لاتحادات ونقابات ، ينبغي التواصل معها ومشاركتها الرأي وتحديد برامج مرتبطة بفعاليات محددة، والعمل على تنظيم ذلك مركزيا بكافة المحافظات ،وهذا الأمر له مدلولاته ومضامينه وأبعاده الاجتماعية والأخلاقية والوطنية ورسائله السياسية داخليا وخارجيا .
- الابتعاد عن الشعارات الجوفاء ، ومحاولة حرق المراحل ، فليس المهم التسمية ان كانت هبة شعبية أم انتفاضة ، المهم بالنسبة لنا المضامين والأهداف ، وتحديد الهدف الرئيس بإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وإعادة وضع القضية الوطنية لشعبنا على جدول أعمال المجتمع الدولي والأقليمي ، وما نرمي إليه وضع القضية
على سكة الحلول السياسية بإطار التطورات الجارية بالمنطقة ، وأن لا يكون أي حل للوضع الإقليمي على حسابنا وحساب شعبنا ، وهذا يتأتى من خلال التمسك بالموقف الصريح والواضح، الرافض للعودة للمفاوضات الثنائية وبالرعاية الأمريكية المنفردة والمنحازة، مما يدفعنا للاعتقاد أنه آن الأوان ليتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته لإنهاء الاحتلال من خلال غقد مؤتمر دولي للسلام أو بصيغة 5+1 اليت انجز فيها اتفاق ايران مع الدول الكبرى.
وفي هذا الإطار فإنه، لابد من خطاب سياسي جديد ينسجم مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها ، وعلى قاعدة تحقيق الأهداف المباشرة :
أ- بوقف الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنيه الاقتحامات المتواصلة لباحة المسجد الأقصى ، وإلغاء التقسيم الزماني الذي بدأت حكومة نتنياهو بفرضه منذ ما يزيد عن العام وذلك بإجراءات عملية وملموسة ، لان من شان استمراره ان يفجر حربا دينية تغذي كل اشكال التطرف والارهاب ليس في فلسطين فحسب وانما في المنطقة والعالم .
ب- الإعلان الواضح والرسمي عن وقف الاستيطان ومصادرة الأراضي ، والكف عن سياسة تهويد القدس وتغيير معالمها الديمغرافية .
ت- الكف عن تسليح قطعان المستوطنين وحمايتهم ومساندتهم، وردعهم من خلال عدم الاحتكاك المباشر مع الفلسطينيين والتصدي لاعتداءاتهم اليومية .
ث- ضرورة الإسراع بمقاضاة إسرائيل لدى محكمة الجنايات الدولية لاحقاق الاعدالة التي ينشدها شعبنا .
ج- الاستمرار بالانضمام للمنظمات والوكالات والمعاهدات والاتفاقات الدولية .
ح- ترجمة خطاب الرئيس أمام الجمعية العامة للأمم ، لخطة عمل وبرنامج سياسي ملموس ينقل الشعب الفلسطيني وطبقا للقانون الدولي، واعتراف العالم بدولة فلسطين نوفمبر 2012 من السلطة للدولة، وللانفكاك من اتفاقيات المرحلة الانتقالية وقيودها ، ووقف تطبيق التزاماتنا بهذه الاتفاقيات على اساس ضمان مصالحنا الوطنية.
كما ويتطلب الامر لتحرك وجهد سياسي ودبلوماسي مع الجامعة العربية ، ومنظمة التعاون الإسلامي ، ولجنة القدس ، لتحمل مسؤولياتهم وواجباتهم اتجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس ، وبلورة موقف عربي موحد وضاغط على المجتمع الدولي من أجل التحرك الجاد والمسؤول لكبح جماح التطرف الإسرائيلي اولا، ولدعم المسعى الفلسطيني للتحرر من قيود المرحلة الانتقالية .
بالمحصلة العامة نعتقد أن العمل على تطوير الهبة الشعبية نحو انتفاضة شعبية شاملة بكل مضامينها وإبعادها السياسية والوطنية والاجتماعية ، يتطلب توفير أحد أهم مرتكزاتها ، ألا وهو انهاء الانقسام وليس التهرب من هذا الاستحقاق بدعوى ان الوقت غير ملائم ، فاذا كان هذا الوقت غير ملائم فمتى يكون ملائما .
ان إنهاء الانقسام يفتح الطريق نحو وحدة وطنية على قاعدة برنامج عمل سياسي موحد بإطار م.ت.ف لتكون الحاضنة السياسية والوطنية للهبة الشعبية ، وتشكيل إطار وطني شامل يكون بمقدوره مأسسة هذه الهبة والحفاظ على طابعها الشعبي والسلمي وبما يحقق اهدافها الملوسة والمباشرة انهاء الاحتلال واقمة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس .
كما وان مواصلة الجهود للتحضير لدعوة المجلس الوطني للانعقاد بدورة جديدة وقبل نهاية العام الجاري،وبمشاركة كافة القوى الوطنية والاسلامية لاقرار البرنامج السياسي الذي فرضته الهبة الشعبية والمنسجم مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها، من شانه ان يصلب اوضاعنا ويضاعف من قوانا ويرفع من قدراتنا في مواجهة التحديات ويقربنا من تحقيق اهدافنا، وبغير ذلك سنجد أنفسنا نغرق في أتون حالة من الإرباك والفوضى تفقدنا السيطرة على الأوضاع ، وتضيع من بين ايدينا فرصة تاريخية لتثمير نضالات وتضحيات شعبنا ،وحينها لا احد يستطيع تقدير متى من الممكن ان تتكرر مثل هكذا فرصة
