مركز القدس للدراسات السياسية يقدم ورشة بعنوان "نحو استراتيجية شاملة لمحاربة التطرف وبناء توافقات وطنية "

مركز القدس للدراسات السياسية يقدم ورشة بعنوان "نحو استراتيجية شاملة لمحاربة التطرف وبناء توافقات وطنية "
رام الله - دنيا الوطن

إن هذه الورشة التي سيشارك فيها نحو أربعين شخصية سياسية وفكرية ومدنية من عدة دول عربية، إنما تستهدف قراءة وتحليل مظاهر التضييق على الحريات ومصادرة حقوق المواطنين واستهداف المجتمع المدني والنكوص عن مسارات الإصلاح السياسي والتحوّل الديمقراطي، التي تشهدها دول عربية عديدة، بذريعة تنامي خطر "الإرهاب" والانخراط في الحرب الكونية التي تستهدف استئصال شأفة هذه الظاهرة المقلقة.

وتُعد هذه الورشة، الأولى من ضمن سلسلة من الورشات الإقليمية التي يعمل المركز على تنظيمها في عواصم عربية مختلفة، تبحث في مختلف محاور "الاستراتيجية الشاملة لمحاربة التطرف والإرهاب"، في ظل إدراك عميق بأن الانتصار في الحرب المفتوحة على التطرف والإرهاب، لا يمكن أن يتم بالوسائل العسكرية والأمنية، بل بتنظيم ورشات إصلاح حقيقة في المناهج والتربية والخطاب الديني ومؤسسات الوعظ ووسائل الإعلام وقنوات التواصل الاجتماعي، وإذ تقتصر أعمال الورشة الأولى على تناول محور "الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي كأداة لمحاربة التطرف والإرهاب"، فذلك لأن العديد من الأنظمة والحكومات العربية، باتت تتخذ من تفاقم التهديدات الإرهابية، ذريعة لتسوية الحساب مع الإصلاحات التي أنجزت في سنوات ما بات يُعرف بـ "الربيع العربي"، والانقضاض على المنجزات التي حققها شعوب هذه الدول، ودفعت أثمانها الباهظة.

 خلفية عامة:

أعاد الانتشار الواسع للجماعات الإسلامية الإرهابية في كل من سوريا والعراق بخاصة والإقليم بشكل عام، الاهتمام بظاهرة التطرف الإسلامي بشكل عام، وأقدمت حكومات عربية عديدة على تطوير "استراتيجيات لمحاربة التطرف والغلو"، وأقرت سلسلة من قوانين مكافحة الإرهاب، وشجعت على إطلاق العديد من المبادرات التي تدور في معظمها حول محور واحد: محاربة التطرف والإرهاب.

والملاحظ أن هذه الاستراتيجيات والقوانين والمبادرات، انطوت على ما يمكن اعتباره "انتهاكات جسيمة" للحريات وحقوق الإنسان، وشكلت "نكسة" للإنجازات التي تم تحقيقها في العقد الأخير في عدة دول عربية، وخصوصاً في سنوات "الربيع العربي" الأخيرة، وبدا أن هناك قوى معادية للإصلاح والتغيير، تحاول أن تتخذ من شيوع ظاهر الإرهاب والتطرف، مبرراً وذريعة للانقضاض على إنجازات الشعوب العربية و"تصفية الحساب" مع الربيع العربي، ووقف مسارات المشاركة الفاعلة والإصلاح، وإعادة انتاج أنظمة الفساد والاستبداد بصور وأشكال جديدة، وبصورة تعيد للأذهان ما كان سائداً في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الفائت، وقبل أن تشهد المنطقة "صحوة إصلاحية" في إعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 (مبادرة الإسكندرية، وثيقة صنعاء، مبادرة بيروت ومقررات قمة تونس) وصولاً لسنوات الربيع العربي الأخيرة.

وتحاول القوى المناهضة للإصلاح والتغيير في المنطقة، "توظيف" حالة القلق التي تنتاب المجتمع الدولي جراء تصاعد نفوذ "داعش" وشقيقاتها من الجماعات السلفية المقاتلة، وامتداد تهديداتها للغرب، في إقناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بخاصة، بضرورة تجميد أجندة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي وإرجائها، والتركيز بدلاً عن ذلك، على أجندة محاربة الإرهاب، وإعطاء الأولوية للمعالجات الأمنية والعسكرية على حساب المعالجات السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية – الاجتماعية التي تخاطب مختلف جوانب المشكلة.

وفي مسعى منها لتسويق هذه المقاربة، بذلت حكومات عربية مساعي حثيثة "لاحتواء" نخب سياسية وفكرية وفنية وثقافية ودينية من خارجها، بهدف تشكيل جبهات واسعة وعريضة، تقوم بدورها في الترويج لاستراتيجياتها ومبادرتها الرامية محاربة الإرهاب سواء على المستوى المحلي أو الدولي، بكل ما تستبطنه من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان، ونكوص على مسار الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، وقمع للحريات ومصادرة للحقوق.

إن الطريق إلى استئصال ظاهر التطرف والإرهاب، لا يمكن أن تمر عبر استهداف المجتمع المدني وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات، كما أنها ستكون أكثر كلفة وصعوبة، في ظل تفاقم ميول بعض الأنظمة والحكومات العربية، لاستهداف جميع الحركات والتيارات ذات المرجعية الإسلامية، ووضعها جميعاً في سلة واحدة مع القوى التكفيرية والعنفية... لقد برهنت كافة الدراسات المتعلقة بالعنف والإرهاب، أن ثمة صلة وثيقة بين الإرهاب والاستبداد، وان أحدهما يغذي الآخر، يعيد انتاجه، ويعتاش عليه.

لذلك كله، تبدو الحاجة ماسة:

أولاً، لإطلاق مبادرات عربية أهلية مستقلة، يقوم عليها فريق من السياسيين والمفكرين رفيعي المستوي، من ذوي المكانة المحترمة في مجتمعاتهم وعلى مستوى الإقليم، معروف عنهم رفضهم المطلق للتطرف والإرهاب وقدرتهم المعترف بها على مواجهته ومحاربته، وإيمانهم العميق بأهمية استئناف مسار الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي واحترام منظومة حقوق الإنسان في المنطقة العربية، وإبقاء قضية الانتقال للديمقراطية مدرجة على رأس الأولويات وصدارة جداول الأعمال.

ثانياً، للمساعدة في بلورة استراتيجيات شاملة لمحاربة التطرف، تعالج مختلف أوجه القصور السياسي والتربوي والإعلامي والثقافي والديني، ولا تكتفي فقط بالبعد الأمني أو التشريعي لهذه المعالجات.

ثالثاً، للقيام بجهد ريادي في مجال تطوير مهارات الحوار والوساطة وفض النزاعات واحتوائها وبناء التوافقات الوطنية العريضة التي تبدو المنطقة، ولسنوات عديدة قادمة، بأمس الحاجة إليها.

وتندرج الورشة التي نحن بصدد الإعداد لها اليوم، في سياق سلسلة من ورشات العمل الإقليمية، التي ستبحث كل واحدة منها، في محور واحد من محاور استراتيجية شاملة، متعددة المحاور، لمحاربة التطرف والغلو والتصدي لخطر الإرهاب المتفاقم، وتهدف هذه الورشة على نحو خاص إلى تعزيز القناعة بأن استمرار دوران عجلة الإصلاح والتحول الديمقراطي، هو شرط لازم ومتطلب ضروري للانتصار في الحرب المفتوحة على التطرف والإرهاب، وأن تفاقم هذه الأخطار، إنما يملي تسريع وليس إرجاء عمليات التحديث والعصرنة المطلوبة لدولنا ومجتمعاتنا.

التعليقات