حين علمت أن فلسطين "محتلة"!
بقلم: وفاء عاروري
ربما لا أذكر من انتفاضة الأقصى الكثير، ليس أكثر مما قد تتذكره طفلة كانت تبلغ من العمر سبعة أعوام حينها، ولكني لا أنسى أنني يومها أدركت "الحياة"، وبدأت أصحو لما يجري من حولي، لتكون أول حقيقة أعلمها، "أن فلسطين محتلة"، لعلي كنت بحاجة لتلك الرعشة التي سرت في جسدي، لدى رؤية رد فعل والدتي يومها، لما سمعت أن "شارون دنس الأقصى بقدميه".
مثل أي طفل، كنت بحاجة لحدث مفصلي يجعلني أعي ما يجري من حولي، ثمة تساؤلات كانت تجول في خاطري خلال ذاك النقاش الحاد الذي يتبادله الكبار من أسرتي، حول ضخامة الحدث "اقتحام شارون للاقصى"، دمعات أمي ودعواتها على المحتل تلك التي أيقظتني، لأتفاجأ أن "فلسطين محتلة"
لا يمكنني نسيانها على الاطلاق!!
كنت أتسائل ببلاهة طفل، من هو شارون هذا؟! ولماذا لا يريدونه أن يدخل الأقصى؟! وماذا سيحدث الان؟! هل سيهدم المسجد ونموت جميعا ثم تنتهي الحياة؟!!
قبل هذا التاريخ تحديدا، لا اتذكر الا أغنية كان يرددها والدي أمامي باستمرار، فعلقت في ذهني من المرة الاولى، تقول الأغنية: "أنا البطة
الشلبية؛ بسبح في وسط المية، بس أصير كبير كبير بدخل في جيش التحرير.. جيش التحرير علمنا، كيف نحمي وطنا..."
أما بعد هذا اليوم، فقد تغير الكثير، كيف لا؟! وأنا علمت أن فلسطين محتلة!
الصدمة الثانية التي تلقيتها في طفولتي، كانت لحظة استشهاد الطفل محمد الدرة في الثلاثين من سبتمبر، أي ثاني أيام اندلاع انتفاضة الاقصى، محمد الذي أطلق جنود الاحتلال الرصاص عليه، فأنهوا طفولته بدم بارد، جعلني أشعر بخطر لم يهددني من قبل، ربما لم يهدد أي طفل في العالم ايضا، ثم أن أمي التي أخبرتني ان الاطفال لا يموتون، كذبت عليي!! محمد هذا مات!، رغم أنه طفل، ورغم أنه كان قد اشترى ملابسه المدرسية وجهز قرطاسيته "على عكسي تماما"، عشر رصاصات أو أكثر أطلقوها هؤلاء الوحوش عليه، حتى محاولات والده الذي لفه تحت جناحيه محاولا حمايته، باءت بالفشل، فأزهقت روح ولده بين ذراعيه، ولم يستطع حتى أبوه حمايته، كل قوانين الضعف والقوة تزعزت بداخلي، فالأب لم يعد "القوي، الكبير، الحامي، الذي لا يمكن لأحد هزمه"، آه لذاك الخوف الذي سرى في جسدي يومها!
ولم يلبث الخوف أن ينتهي من سريانه، حتى تلقيت صدمة ثالثة، بتاريخ 8/نوفمبر/2000، أي بعد أقل من شهرين من حادثة الدرة، وتلخصت الصدمة في مشهد الطفل فارس عودة يواجه كبرى آليات الاحتلال العسكرية، بحجره الصغير، الذي شده بين أصابعه كما شد والد الدرة ابنه مودعا إياه.
هذا البطل عودة، رغم أنه استشهد في ذات اليوم، إلا أن الشرار القادح من عينيه، والغضب الساطع الذي أطلقه تجاه عدوه، علمني أن الطفولة قوة، والطفولة شجاعة، والطفولة غضب.
فارس الذي لم يكن يكبرني بكثير، ظلت شجاعته ترافقني طيلة السنوات الماضية، حتى أصبحت استحضر قوته كلما شعرت بالخوف، فيبعث النور من بين يدي ومن قلبي، لأتغلب على مهابتي من كل رجس.
وبعد فترة قصيرة، لما أعلنت قوات الاحتلال منع التجوال أياما عدة في معظم قرى رام الله، بينها قريتي "عارورة"، لم أكن خائفة من رؤية دم أحد الأقارب يروي الأرض مسكا وعنبر، ولا من توديع أخ أو أخت ارتقت شهيدة الى السموات العلى، ولا حتى من رصاص جندي هزيل عجز من مواجهة "فارس" بذات سلاحه، فرد الحجر بقذيفة.
أما الخمسة عشر عام الماضية، فلم تزدنا الا تبلدا في وجه الحياة، لم نعد نهاب شيئا، ولا نضع اعتبارا لشيء وكما تقول والدتي دائما، "هي موتة وحدة"، محاولة بذلك طمأنتي بأن أسوأ ما قد يحدث هو الموت، وعلى أية حال، الفلسطينيون لا يهابون الموت.
ما يحززني حقا، أن دمعة أمي وصرختها لما دنسوه أول مرة، تلاشت مع مرور الزمن، وأصبح خبر "اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك"، الخبر الرئيس في نشرة الأخبار الصباحية على تلفزيون "الدولة"، حتى أمي حينما يسألها والدي: "شو في أخبار اليوم؟!" تجيب بما هو جديد، وتستثني خبر الاقتحام من عناوينها...
ربما لا أذكر من انتفاضة الأقصى الكثير، ليس أكثر مما قد تتذكره طفلة كانت تبلغ من العمر سبعة أعوام حينها، ولكني لا أنسى أنني يومها أدركت "الحياة"، وبدأت أصحو لما يجري من حولي، لتكون أول حقيقة أعلمها، "أن فلسطين محتلة"، لعلي كنت بحاجة لتلك الرعشة التي سرت في جسدي، لدى رؤية رد فعل والدتي يومها، لما سمعت أن "شارون دنس الأقصى بقدميه".
مثل أي طفل، كنت بحاجة لحدث مفصلي يجعلني أعي ما يجري من حولي، ثمة تساؤلات كانت تجول في خاطري خلال ذاك النقاش الحاد الذي يتبادله الكبار من أسرتي، حول ضخامة الحدث "اقتحام شارون للاقصى"، دمعات أمي ودعواتها على المحتل تلك التي أيقظتني، لأتفاجأ أن "فلسطين محتلة"
لا يمكنني نسيانها على الاطلاق!!
كنت أتسائل ببلاهة طفل، من هو شارون هذا؟! ولماذا لا يريدونه أن يدخل الأقصى؟! وماذا سيحدث الان؟! هل سيهدم المسجد ونموت جميعا ثم تنتهي الحياة؟!!
قبل هذا التاريخ تحديدا، لا اتذكر الا أغنية كان يرددها والدي أمامي باستمرار، فعلقت في ذهني من المرة الاولى، تقول الأغنية: "أنا البطة
الشلبية؛ بسبح في وسط المية، بس أصير كبير كبير بدخل في جيش التحرير.. جيش التحرير علمنا، كيف نحمي وطنا..."
أما بعد هذا اليوم، فقد تغير الكثير، كيف لا؟! وأنا علمت أن فلسطين محتلة!
الصدمة الثانية التي تلقيتها في طفولتي، كانت لحظة استشهاد الطفل محمد الدرة في الثلاثين من سبتمبر، أي ثاني أيام اندلاع انتفاضة الاقصى، محمد الذي أطلق جنود الاحتلال الرصاص عليه، فأنهوا طفولته بدم بارد، جعلني أشعر بخطر لم يهددني من قبل، ربما لم يهدد أي طفل في العالم ايضا، ثم أن أمي التي أخبرتني ان الاطفال لا يموتون، كذبت عليي!! محمد هذا مات!، رغم أنه طفل، ورغم أنه كان قد اشترى ملابسه المدرسية وجهز قرطاسيته "على عكسي تماما"، عشر رصاصات أو أكثر أطلقوها هؤلاء الوحوش عليه، حتى محاولات والده الذي لفه تحت جناحيه محاولا حمايته، باءت بالفشل، فأزهقت روح ولده بين ذراعيه، ولم يستطع حتى أبوه حمايته، كل قوانين الضعف والقوة تزعزت بداخلي، فالأب لم يعد "القوي، الكبير، الحامي، الذي لا يمكن لأحد هزمه"، آه لذاك الخوف الذي سرى في جسدي يومها!
ولم يلبث الخوف أن ينتهي من سريانه، حتى تلقيت صدمة ثالثة، بتاريخ 8/نوفمبر/2000، أي بعد أقل من شهرين من حادثة الدرة، وتلخصت الصدمة في مشهد الطفل فارس عودة يواجه كبرى آليات الاحتلال العسكرية، بحجره الصغير، الذي شده بين أصابعه كما شد والد الدرة ابنه مودعا إياه.
هذا البطل عودة، رغم أنه استشهد في ذات اليوم، إلا أن الشرار القادح من عينيه، والغضب الساطع الذي أطلقه تجاه عدوه، علمني أن الطفولة قوة، والطفولة شجاعة، والطفولة غضب.
فارس الذي لم يكن يكبرني بكثير، ظلت شجاعته ترافقني طيلة السنوات الماضية، حتى أصبحت استحضر قوته كلما شعرت بالخوف، فيبعث النور من بين يدي ومن قلبي، لأتغلب على مهابتي من كل رجس.
وبعد فترة قصيرة، لما أعلنت قوات الاحتلال منع التجوال أياما عدة في معظم قرى رام الله، بينها قريتي "عارورة"، لم أكن خائفة من رؤية دم أحد الأقارب يروي الأرض مسكا وعنبر، ولا من توديع أخ أو أخت ارتقت شهيدة الى السموات العلى، ولا حتى من رصاص جندي هزيل عجز من مواجهة "فارس" بذات سلاحه، فرد الحجر بقذيفة.
أما الخمسة عشر عام الماضية، فلم تزدنا الا تبلدا في وجه الحياة، لم نعد نهاب شيئا، ولا نضع اعتبارا لشيء وكما تقول والدتي دائما، "هي موتة وحدة"، محاولة بذلك طمأنتي بأن أسوأ ما قد يحدث هو الموت، وعلى أية حال، الفلسطينيون لا يهابون الموت.
ما يحززني حقا، أن دمعة أمي وصرختها لما دنسوه أول مرة، تلاشت مع مرور الزمن، وأصبح خبر "اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك"، الخبر الرئيس في نشرة الأخبار الصباحية على تلفزيون "الدولة"، حتى أمي حينما يسألها والدي: "شو في أخبار اليوم؟!" تجيب بما هو جديد، وتستثني خبر الاقتحام من عناوينها...
