عاجل

  • مجلس الوزراء: وزارة المالية سَتُصدر بيانًا تفصيليًا حول صرف دفعة من الراتب قبل العيد

الآثار البيئية المتوقعة للقناة البحرية التي يدشنها الجيش المصري على الحدود الجنوبية لقطاع غزة

رام الله - دنيا الوطن- د. عبد الفتاح نظمي عبد ربه

عجت حدود قطاع غزة الجنوبية مع جمهورية مصر العربية بالأنفاق الأرضية (Earth Tunnels) منذ عقد من الزمان تقريبا بهدف الحصول على الأسلحة و الأموال و المتطلبات الحياتية لسكان قطاع غزة الذين يخضعون لحصار طال كافة أوجه الحياة الغزية، و لدواعي أمنية شرع الجيش المصري منذ عامين بمحاولات متعددة لتدمير الأنفاق الأرضية بدأت بتفريغ المنطقة الحدودية من سكانها و نقلهم لمناطق داخلية مع تدمير لمساكنهم الحدودية و كان آخرها شق لقناة مائية بحرية (Marine Canal) على بعد 100 مترا تقريبا من الحدود المصرية الفلسطينية بهدف القضاء على الأنفاق التي تشكل مصدر إزعاج و زعزعة للوضع الأمني في شبه جزيرة سيناء.

لم تتضح الرؤية بشأن ما يقوم به الجيش المصري في المنطقة الحدودية المحاذية لجنوب قطاع غزة إلا أن وسائل الإعلام تتحدث عن تشييد الجيش المصري لبرك استزراع سمكي (Aquaculture Ponds) غير مبطنة سيتم ملؤها لاحقا بمياه قادمة عبر أنابيب ضخ من البحر المتوسط، و أخرى تتحدث عن تشييد أنبوب معدني ضخم مزود بفتحات جانبية بهدف حقن باطن الأرض بالمياه البحرية لخلخلة التربة و تدمير الأنفاق الأرضية المتواجدة على طول الحدود المصرية الفلسطينية بشكل غير عكسي و غير مسبوق.

تتميز المناطق الجنوبية في قطاع غزة بنشاطها الزراعي المكثف للعديد من المحاصيل الهامة لسكان قطاع غزة، كما أنها تحتضن نظاما بيئيا فريدا من نوعه على مستوى فلسطين الساحلية متمثلا في المواصي (Mawassi Ecosystem) تبلغ مساحته حوالي 14 كيلومترا مربعا يمتد من جنوب دير البلح بعرض كيلومتر واحد إلى الحدود المصرية الفلسطينية حيث تتميز المواصي بأراضيها الخصبة و تنوعها الزراعي و الحيوي و اعتمادها على المياه الجوفية السطحية في الري إذ تتجمع تلك المياه في أحواض خاصة تسمى محليا بالثميلة لتضخ بعدها إلى الأراضي الزراعية المجاورة. توصف منطقة المواصي بأنها "سلة قطاع غزة الغذائية" نظرا لأهميتها الإستراتيجية و كثرة خيراتها الغذائية.

على الرغم من ذلك يعاني قطاع غزة من حالة التصحر (Desertification) الذي تعتريه و لاسيما في مناطقه الجنوبية إذ أن قطاع غزة يقع بمجمله ضمن النطاق الجاف و شبه الجاف (Arid to Semi-arid Zone) و يبلغ متوسط هطول الأمطار فيه حوالي 250 ملليمترا في السنة. يعاني قطاع غزة أيضا مشكلة مائية كما و نوعا و يزداد هذه المشكلة حدة في المناطق الجنوبية إذ تبلغ مستويات الكلورايد (Chloride) في الخزان الجوفي مستويات تتجاوز بكثير المسموح بها عالميا كما تعاني التربة فيها تملحا (Salinity) يساهم في حدة مشكلة التصحر المتواجدة.

بناء على ما تقدم من سرد وجيز لواقع المناطق الجنوبية في قطاع غزة، فإن من شأن الأعمال التي يقوم بها الجيش المصري من خلال حفر قناة مائية بحرية و إنشاء برك استزراع سمكي و حقن مياه بحرية في باطن الأرض لتدمير الأنفاق الأرضية في منطقة الحدود المصرية الفلسطينية أن تساهم في تردي الوضع البيئي في قطاع غزة و لاسيما في مناطقه الجنوبية على النحو التالي:

1. تساهم القناة المائية البحرية إذا استكملت بشكل جدي في خلق بيئة جديدة (New Ecosystem) و حافة مستحدثة (Induced Ecotone) بين الأراضي المصرية و قطاع غزة تجذب إليها العديد من الكائنات الحية التي ربما تخلق أوضاعا جديدة غير مسبوقة أو مألوفة في المنطقة. جدير بالذكر أن العديد من الطيور المائية و البحرية (Aquatic and Marine Birds) كالنوارس و طيور الخرشنة و غيرها التي قد تجد ضالتها لتترعرع في هذا النظام البيئي المستحدث و ربما تسبب إزعاجا للسكان القريبين و ربما يكون لها دور مستقبلي في نقل بعض الأمراض ذات المصدر الحيواني (Zoonotic Diseases).

2. ربما ستقلل القناة المائية البحرية و أنابيب الحقن المائي في الأرض من فرص التواصل الإيكولوجي (Ecological Communication) بين الأراضي المصرية و قطاع غزة  مما يزيد من بؤس الحالة البيئية المتردية أصلا في قطاع غزة.

3. تساهم القناة المائية البحرية و أنابيب الحقن المائي في تردي الأوضاع المائية على جانبيها و لاسيما في الجانب الفلسطيني نظرا لضيق المساحة من ناحية و طبيعة الانسياب الجيولوجي و المائي في الخزان الجوفي الساحلي (Coastal Aquifer).

4. ستزداد نسب الملوحة بأملاح الكلورايد و الموصلية الكهربية (Electrical Conductivity = EC) بشكل متسارع و تراكمي مما يعني قبر الخزان الجوفي المتردي أصلا في قابل السنين و ستعاني البيئة الفلسطينية في جنوب قطاع غزة جفافا طبيعيا و فسيولوجيا تجعل الحياة فيه أكثر بؤسا و كدرا.

5. بسبب الضخ المتزايد للمياه الجوفية (Underground Water Overpumping) أصلا في آبار قطاع غزة و في المنطقة الجنوبية تحديدا فإنه من المتوقع أن تزيد القناة المائية البحرية و أنابيب الحقن المائي من تداخل مياه البحر (Seawater Intrusion) و بالتالي زيادة ملوحة الخزان الجوفي.

6.تساهم القناة المائية البحرية و أنابيب الحقن المائي في تردي أوضاع التربة الفلسطينية و انجرافها التي تعاني أصلا من التملح و آثار التصحر مما سيؤثر سلبا على البيئة الزراعية و النشاط الزراعي اللذين يتكثفان في المناطق الجنوبية لقطاع غزة. يتسبب التملح عادة في تغييرات جوهرية في الخصائص الفيزيائية و الكيميائية و البيولوجية للتربة و بالتالي فقدها لخصوبتها و تدهور الزراعة.

7. إن أي تردي في الأوضاع الزراعية التي تعتبر العمود الفقاري لقطاع غزة سيصحبه ترد واضح في الأمن الغذائي الفلسطيني و من ثم ترد في الوضع الصحي و المعيشي للسكان.

8. تردي الأوضاع الزراعية و الغطاء النباتي في قطاع غزة سيؤثر سلبا على تنوع الحياة البرية (Wildlife Diversity) التي تعتمد على الغطاء النباتي بشكل أساسي كمصدر للطعام و الراحة و الرقاد و التكاثر و الحماية من الأعداء.

9. من شأن القناة المائية البحرية و أنابيب الحقن المائي أن تسبب خلخلة في التربة و انهيارات أرضية مستقبلية قد تحدث أضرارا للمنشآت و البيوت و الممتلكات و لشبكات الطرق و البنية التحتية و للسياج الحدودي ذاته، كما يمكنها أن تهدد المستقبل العمراني لمدينة رفح و الأحياء المجاورة، و يترتب على ذلك مشكلات جسيمة للسكان المحليين.

10. قد يعاني نظام المواصي الفريد من نوعه على مستوى فلسطين الساحلية من مشكلات بيئية و تدن في الإنتاج الزراعي (Agricultural Production) و التنوع الحيوي (Biodiversity) بسبب التأثيرات المتوقعة للأعمال المصرية على الحدود.

11.  ربما تساهم تلك الأعمال في الحد من نجاح أي مشروعات بيئية مستقبلية (Future Environmental Projects) بين الجانبين المصري و الفلسطيني في حال تحسنت الظروف السياسية مستقبلا إن شاء الله تعالى، و لعل إدارة الموارد المائية (Management of Water Resources) تمثل أحد جوانب ذلك التعاون المستقبلي.

في ختام هذا المقال، أسأل الله العلي العظيم أن أكون قد وفقت في عرض لبعض الآثار المتوقعة للقناة المائية البحرية و أنابيب الحقن المائي التي يدشنها الجيش المصري في المنطقة الحدودية المحاذية لجنوب قطاع غزة، كما أسأله تعالى أن يوفق الأطراف المصرية و الفلسطينية لكل الخير و العمل على تجنيب سكان قطاع غزة الكثير من المآسي و الويلات و أن يشرح صدور الطرفين لحفظ أمن و تقدم الشعبين المصري و الفلسطيني على أحسن حال و بشكل مستدام. إن مصر و فلسطين بلدان لا تجمعهما الجغرافيا فقط، بل يجمع بينهما تاريخ و تراث و نضال لا يمكن أن تغفل عنه أو تتناساه لحظات من سوء التفاهم و التبدل السياسي. اللهم اجمع بين الأشقاء المصريين و الفلسطينيين على كلمة سواء، متمنيا للبلدين كل الرخاء و الازدهار.