مؤتمر العنف التكفيري يفتتح اعماله في اوتيل رامادا
رام الله - دنيا الوطن
بدأت صباح اليوم اعمال مؤتمر "جماعات العنف التكفيري- الجذور والبنى والعوامل المؤثرة" في فندق السفير- الروشة، والذي ينظمه المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ومركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي وبالتعاون مع المركز الاردني للدراسات والمعلومات، وبحضور نخبة من المهتمين والباحثين والمفكرين والمتخصصين.
بداية،النشيد الوطني، فكلمة تقديم محمد خليل من المركز الاستشاري، ثم كلمة رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق الدكتور عبد الحليم فضل الله فقال:
ان السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو الآتي: هل تستحق هذه الجماعات مزيداً من البحث، وهي التي كشفت عن نفسها أيما انكشاف في السنوات الأخيرة، وسال في تحليلها حبر غزير، بلغات عدة ومن قبل باحثين كثر؟ الإجابة هي نعم. فهناك حاجة ماسة لرصد التحولات المتسارعة التي مرت بها هذه الجماعات وترقب طفراتها الآتية، فهذا يزودنا من جهة بالمعرفة الضرورية لاحتوائها وإخماد نيرانها واستدراك مخاطرها، ويساعد من جهة أخرى على الاتفاق بشأن طبيعة ما ترتكبه من عنف وما تتسبب به من أزمات.
اضاف: الجماعات التكفيرية إنما تدشن بحسب بعض الآراء حقبتها الخاصة في ليل العنف البشري الطويل، فتدلو بدلوها في حروب السياسة والعقيدة.
لكنها، وفق وجهة النظر الأخرى، ليست مجرد حقبة جديدة للعنف ولا فصلاً ملطخاً آخر من فصول التاريخ. فالأفعال الدموية لتلك الجماعات التي تتباين تسمياتها ومرجعياتها وتتلاقى أساليبها وممارساتها، إنما تعيد تأسيس فكرة العنف على نحو مفارق لسياقاته المعروفة، في هذا الجزء من العالم على الاقل.
وراى ان هذه الجماعات اختلفت في أقل من عقد من الزمن صنوفاً من الأهوال وأشكالاً من التنكيل بالضحايا لم يعرف هذا الشرق مثيلاً لها في تاريخه القائم على نصاب تعددية مشهود، فكان عنفها بخلاف ما سبقه أو تزامن معه، عنفاً مشهدياً خالصاً، مطلوباً بذاته ومكتفياً بنفسه. وهو عنف متبجح بدائي لا يبحث عن شرعية تبرر حصوله او تخفف من وقع ارتكاباته، بل يجد سحره وجاذبيته في إبراز ما فيه من قسوة وضغينة، وفي الإفصاح عما ينطوي عليه من حقد وتمييز وكراهية.
ووصف صعود جماعات العنف التكفيري في خطها البياني في العقدين الأخيرين، إنما تمثل وبكل ما للكلمة من معنى ردة عن ثلاث ثورات عرفتها البشرية:
ثورة أخلاقية أسست لها الديانات السماوية وأطلقها الإسلام من أسر الجاهلية، وزرع قيمها التأسيسية في صلب المسيرة الإنسانية الكبرى الباحثة عن الأخوة والرحمة والعدالة والقسط،
وثورة معرفية، مجّدت العقل وجعلت حياة الناس وتجاربهم عقلانية ومعقولة، عقلانية بمعنى السعي الى تحقيق غايات مفيدة، ومعقولة بمعنى ان سعي فئة ما الى تحقيق غاياتها الخاصة لا بد وان ينسجم مع الغايات العامة للمجتمع، ويحظى بحد أدنى من المقبولية والاعتراف من الفئات الأخرى. وهي أيضاً ردة عن الثورة الحقوقية، عبّرت عنها شرائع ومواثيق كان لها اليد الطولى في تكريس حقوق الشعوب في الحرية والكرامة والاستقلال وتقرير المصير، وحفظ حق الإنسان في التفكير والتعبير والحصول على نصيب منصف من الدخل وحصة عادلة من الانتاج.
وراى ان صعودها لا ينفصل عن دعوات دينية وعقائدية استوطنت هذا الشرق قبل قرنين، وبنت عصبياتها على الانغلاق ونبذ حق الاختلاف بل وإنكار حق الآخر المختلف بالوجود، مستندة في ذلك الى رفض لا هوادة فيه للاجتهاد والرأي. فأطاحت في طريقها العقل، وقهرت روح النص وجردت أعماقه من الامثولات والمعاني التي تعلن عن نفسها تباعاً وباطراد، مع توالي العصور وتعاقب الأزمنة وتبدل الأحوال. لقد رفعت هذه الدعوات كل محاججة مشروعة إلى مرتبة الشقاق والفرقة والإقصاء، ولا ينفصل صعود الحركات التكفيرية وعنفها عن تواطؤ مضمر مع قوى دولية وإقليمية، وجدت فيها ضالتها، من أجل مد النفوذ وتبرير التدخل وتصعيد الهيمنة، واستنزاف رافضي الأطماع الخارجية ومقاومي مشاريع الاحتلال والسيطرة والاستيطان، في زمن صار ممكناً فيه للأسف، خلط الأوهام بالحقائق وتبرير عنف مغال وعدمي بنضال نبيل ومشروع.
ثم القى رئيس مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي الشيخ محمد تقي سبحاني كلمة فقال ان مشكلة التكفير الارهابي من أخطر ما تواجهه الأمة والعالم.
ولفت الى عدد من المؤشرات الامنية جعلت من هؤلاء الارهابيين محوراً لاهتمامها، ومثلها اهتمام وسائل الاعلام العالمية، وايضاً في الاحاديث السياسية.
وتمنى على المؤتمر طرح السبل والوسائل في فهم ظاهرة الارهاب والتكفير، وفي توظيف المصطلحات وتحديدها بعيداً عن الضوضاء الاعلامية والصخب السياسي.
واعرب عن حذره من طرق استخدام معنى الارهاب بادانة الآخر، وفي الخطاب الديني التراثي الحافل بمادة كفر وتكفير.
ولفت الى ان النهج المعاصر للارهاب والتكفير لها مزايا خاصة ويتجسد في التنظير لاعمال هؤلاء الارهابية وفي تحول الارهاب الى ظاهرة عالمية لم يعد تقتصر على تيار فكري او ديني.
واشار الى اشتراك العديد من العوامل بما لا يسمح بتشخيص هذه الظاهرة وحصرها في جانب واحد داعياً الى دراستها في مجالات علم النفس والاجتماع والسياسة.
وراى ان الاجابات تتعدد بتعدد الزوايا حول هذا الموضوع، رفضا ان تكون البيئة الفكرية الاسلامية ساهمت في ولادة هذا التطرف.
وقال ان مواجهة هذه الظاهرة المدمرة للانسانية يجب ان تكون متعددة الابعاد ولا سيما على عاتق المثقفين.
والجلسة الاولى كانت بعنوان ظاهرة العنف التكفيري: الخطاب والجذور برئاسة رئيس المركز العربي والدولي للتواصل الاستاذ معن بشور فسأل عن إصرارنا على استعمال وصف التكفير لهذه الجماعات وهل هو الاستعمال السليم الذي سمح بتعبئة الطاقات لاخراج المعركة مع هؤلاء الى مسارها الصحيح؟ مشيرا الى تجذر ثقافة التكفير في حياتنا.
ثم تحدث الباحث السعودي الدكتور بدر الابراهيم فأورد عدد من النقاط حول جذور هذه الجماعات وخطابها، ومنها العامل السياسي كسبب في ايجاد هذه الجماعات بالرغم من اقتصار التركيز على فهمهم على العامل الديني، لان ما تمارسه هو عنف سياسي ولاغراض سياسية.
ورأى ان هذه الجماعات تاخذ من الديني ما يخدم استراتيجيتها السياسية.
وتساءل لماذا انبعثت هذه الجماعات؟
وقال ان تنظيم القاعدة ولد بعد تدخل اميركا في العراق اوائل التعسينيات ومثلها داعش، محملاً الاسهام الخارجي نمو هذه الجماعات وتفعيلها.
واشار الى الخطاب لدى هذه الجماعات وفي سلوكياتها واهدافها، مؤكداً اننا امام حالة من الخطاب والرؤية انما هي نتاج مزاوجة بين الفكر الاخواني الاممي وبين السلفية الجهادية بالرغم من وجود تناقض بينهما في بعض الافكار والممارسات.
واكد ان هذا الخطاب طرأ عليه تغيرات نتيجة الظرف السياسي، لأنه منذ العام 2003 ومع الزرقاوي تم تحويل وجهة الخطاب وبات التركيز على الخطاب المذهبي في استنهدافه ليس الغرب كما كان في ادبياتهم، إنما تحول الى استهداف جماعات دينية معينة يختلف معها مذهبياً، وهو الامر الذي حصل في ظل الاحتلال الاميركي للعراق العام 2003، ومثله ما تفعله داعش في استهدافها للمكونات الاجتماعية العربية قبل استهداف اي آخر غربي.
وخلص الى القول اننا امام جماعات توظف الخطاب الديني لاهدافها السياسية، داعياً الى تجفيف المنابع السياسية كأولوية في محاربة هذه الجماعات.
ثم قدم الدكتور عبد الكريم زاهد مدير مركز دراسات جامعة الكوفة في العراق بحثه فتساءل من تكاثر ظواهر التكفير ولماذا تخلص العالم من ظاهرة الراديكالية الدينية وبقيت عندنا وقال: المشكلة في النص الديني، وفي التراث الديني وفي التراجع الحضاري الذي يسود العالمين العربي والاسلامي.
وراى في اسقاط الفكر الفلسفي وحصره في الجانب الديني أوجدت منطقاً خاصاً لهذا الفكر التكفيري.
كما رأى ان مشكلة الرؤية السلفية تحولت من مفهوم الى سلطة وفقا لوجود فكرة تقسيم العالم الى دار سلام ودار حرب في القران الكريم، واصفاً الفكر المتطرف التكفيري بأنه اقصائي وان التكفيريين جماعات سياسية أنشأها الاستبداد الديني والحرمان والتخلف.
وخلص الى دعوة المراكز الدينية الكبرى باعادة الفكر بالتراث الديني لخلق انسان معتدل متسامح.
ثم تحدث الدكتور عبد الغني عماد (من لبنان) عن العوامل الاجتماعية والسياسية في نشوء ظاهرة التطرف الديني والتكفيري، واصفاً الموضوع بانه شديد التعقيد.
وعرض لقضية الارهاب لدى المفكرين في الغرب وفي اظهارهم انها صناعة في الغرب وجزء من ترسانة انظمتهم التسلطية في التدخل في بلادنا.
ولفت الى العنف التخويني عند السلطات وبذور العنف التكفيري لدى القوى غير الرسمية، والى تبادل اتهام الشيطنة في توصيف كل طرف للاخر.
واشار الى ضرورة تحليل منظومة القيم وما يرافقها من تبرير لثقافة تبرير العنف على مستوى الدول والافراد أيضاً.
وتساءل من الذي يدفع جماعة او جماعات الى التطرف؟ وكيف يتبع المرء بالتضحية في سبيل افكار لا تتسم بالعقلانية، وانما يسودها الكراهية.
وراى ان ما هو حاصل ليس نتاج اللحظة السياسية الراهنة وانما هو نتاج تجربة تاريخية بائسة في بناء الدولة، وهو امر يشترك فيه الفكر الاسلامي والفكر القومي، واقتصر على شكل الصراع على السلطة وتوطيد دعائم انظمة استبدادية وما نتج منها من جماعات متطرفة.
ولفت الى العلاقة بين ثالوث التخلف والتبعية والاستبداد بما يمنع اي اصلاح ولو تدريجي.
وحملت الجلسة الثانية لاعمال المؤتمر بعنوان "جماعات العنف التكفيري: الجذور والبنى والعوامل المؤثرة" عنواناً فرعياً عن "المؤثرات الاقليمية والدولية وعلاقتها ببروز العنف التكفيري" وتراس الجلسة رئيس المركز الاردني للدراسات والمعلومات بلال التل مقدماً بحثه عن العوامل الاقليمية عرض فيها لعوامل اغراق منطقتنا العربية بالعنف لصالح اسرائيل، محملاً اصحاب المخططات في العمل على رسم خرائط المنطقة واضعاف الدولة الوطنية، وفي تشويه صورة الاسلام على ايدي الجماعات التكفيرية.
ثم تحدث الباحث الايراني الدكتور محمد مرندي فاشار الى ان ما حدث في تونس ومصر ايام الربيع العربي اثار الامال في المنطقة العربية لكنه تسبب في خوف كبير في الانظمة الغربية ولدى بعض انظمة عربية.
وذكر ان الولايات المتحدة الاميركية دعمت عقيدة التطرف في افغانستان لقتال الشيوعية. ولاحقاً دعمت التيارات المتطرفة مثل داعش والقاعدة.
اما الدكتور جورج قرم فقد تناول في بحثه قضية "الجماعات التكفيرية والقوى الدولية: الرعاية تقاطع المصالح" برهن فيها ان القضية الاقليمية انما هي تماهي في اهداف اميركا والجماعات التكفيرية والقاضية في نشر الفوضى لضمان استمرار الهيمنة الاستعمارية والصهيونية، محملاً العرب مسوؤلية ما وصفه بديناميكية الفشل.
وركز على ضرورة التفريق يبين الاممية الارهابية التي تدعي الاسلام وبين الحركات المحلية السيساسية الاسلامية والتي ايضا تمارس العنف التكفيري، واصفاً الفئة الاولى بسلاح الدمار الشامل تم تشكيله باشراف الولايات المتحدة الاميركية في حين ان للفئة الثانية مطالبها وسلوكياتها في برنامجها القائم على ان الاسلام هو الحل.
ولفت الى تضاؤل الاهتمام بقضية فلسطين بسبب تنامي هذه التيارات المتطرفة المدعومة من اميركا.
واقترح بذل جهود كبيرة لدحض مقولة صراع الحضارات لانها تبرير للاستعمار والصهيونية ولان الغرب ليس عدواً وإلا لما درسنا في جامعاته.
كما دعا الى تعريب مشاكلنا العربية بعد ان باتت قضايانا في ايدي الدول الكبرى.
وشدد على التركيز على فلسطين وقضيتها الوطنية.
وتحدث الدكتور حازم عتلم (من مصر) فنفى وجود تمييز بين الجماعات التكفيرية وجماعات الارهاب التكفيري، فالاول تتحول سريعاً الى جماعات للعنف التكفيري معتبراً ان البحث عن التعريف القانوني لهذه الجماعات يجب تجاوزها قانونا،ً واصفا الجماعات التكفيرية الاسلامية بانها تحمل نظريات قائمة على علو ما ينظرون له سواء في المجتمعات المحلية او الدولية، وأضاف: هذا العلو كان من شأنه ان انكروا كل شيء وكل ما يقال.
ولفت الى انكارهم لسيادة الدولة، والدولة المدنية، والقوميات وللقوانين الدولية.
واكد ان مسار سلوكياتهم يقوم على عدم اللقاء مع اي طرف، وعرض لنشوء هذه الجماعات الني تبدأ بالعمل السري ثم تعمد الى الظهوري عن طريق العنف لتحقيق اهدافها.
الجلسة الثالثة والاخيرة من اليوم الاول ترأسها الشيخ محمد زراقط وكانت تحت عنوان: : البنى التنظيمية والمالية وانماط العمل العسكري والاجتماعي واليات الاستقطاب وتراسها الشيخ محمد زراقط.
وتحدث فيها الباحث المصري الاستاذ مصطفى زهران حول النى والهياكل التنظيمية والمالية واليات الاستقطاب والباحث في الشؤون العسكرية سمير حسن عن البنى العسكرية واساليب القتال لجماعات العنف واما الباحث التونسي نزفل صديق فعرض لانخراط الفئات الشابة في جماعات العنف التكفيري من خلال دراسة حالتي تونس وليبيا وكانت المداخلة الاخيرة للباحث عبد الله سليمان علي تحت عنوان : العلاقات بين جماعات العنف بين التحالفات والنزاعات.
ويستكمل المؤتمر اعماله اليوم بالحديث عن علاقة جماعات العنف بالاعلام وبطاولة مستديرة حول كيفية المواجهة.
بدأت صباح اليوم اعمال مؤتمر "جماعات العنف التكفيري- الجذور والبنى والعوامل المؤثرة" في فندق السفير- الروشة، والذي ينظمه المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ومركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي وبالتعاون مع المركز الاردني للدراسات والمعلومات، وبحضور نخبة من المهتمين والباحثين والمفكرين والمتخصصين.
بداية،النشيد الوطني، فكلمة تقديم محمد خليل من المركز الاستشاري، ثم كلمة رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق الدكتور عبد الحليم فضل الله فقال:
ان السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو الآتي: هل تستحق هذه الجماعات مزيداً من البحث، وهي التي كشفت عن نفسها أيما انكشاف في السنوات الأخيرة، وسال في تحليلها حبر غزير، بلغات عدة ومن قبل باحثين كثر؟ الإجابة هي نعم. فهناك حاجة ماسة لرصد التحولات المتسارعة التي مرت بها هذه الجماعات وترقب طفراتها الآتية، فهذا يزودنا من جهة بالمعرفة الضرورية لاحتوائها وإخماد نيرانها واستدراك مخاطرها، ويساعد من جهة أخرى على الاتفاق بشأن طبيعة ما ترتكبه من عنف وما تتسبب به من أزمات.
اضاف: الجماعات التكفيرية إنما تدشن بحسب بعض الآراء حقبتها الخاصة في ليل العنف البشري الطويل، فتدلو بدلوها في حروب السياسة والعقيدة.
لكنها، وفق وجهة النظر الأخرى، ليست مجرد حقبة جديدة للعنف ولا فصلاً ملطخاً آخر من فصول التاريخ. فالأفعال الدموية لتلك الجماعات التي تتباين تسمياتها ومرجعياتها وتتلاقى أساليبها وممارساتها، إنما تعيد تأسيس فكرة العنف على نحو مفارق لسياقاته المعروفة، في هذا الجزء من العالم على الاقل.
وراى ان هذه الجماعات اختلفت في أقل من عقد من الزمن صنوفاً من الأهوال وأشكالاً من التنكيل بالضحايا لم يعرف هذا الشرق مثيلاً لها في تاريخه القائم على نصاب تعددية مشهود، فكان عنفها بخلاف ما سبقه أو تزامن معه، عنفاً مشهدياً خالصاً، مطلوباً بذاته ومكتفياً بنفسه. وهو عنف متبجح بدائي لا يبحث عن شرعية تبرر حصوله او تخفف من وقع ارتكاباته، بل يجد سحره وجاذبيته في إبراز ما فيه من قسوة وضغينة، وفي الإفصاح عما ينطوي عليه من حقد وتمييز وكراهية.
ووصف صعود جماعات العنف التكفيري في خطها البياني في العقدين الأخيرين، إنما تمثل وبكل ما للكلمة من معنى ردة عن ثلاث ثورات عرفتها البشرية:
ثورة أخلاقية أسست لها الديانات السماوية وأطلقها الإسلام من أسر الجاهلية، وزرع قيمها التأسيسية في صلب المسيرة الإنسانية الكبرى الباحثة عن الأخوة والرحمة والعدالة والقسط،
وثورة معرفية، مجّدت العقل وجعلت حياة الناس وتجاربهم عقلانية ومعقولة، عقلانية بمعنى السعي الى تحقيق غايات مفيدة، ومعقولة بمعنى ان سعي فئة ما الى تحقيق غاياتها الخاصة لا بد وان ينسجم مع الغايات العامة للمجتمع، ويحظى بحد أدنى من المقبولية والاعتراف من الفئات الأخرى. وهي أيضاً ردة عن الثورة الحقوقية، عبّرت عنها شرائع ومواثيق كان لها اليد الطولى في تكريس حقوق الشعوب في الحرية والكرامة والاستقلال وتقرير المصير، وحفظ حق الإنسان في التفكير والتعبير والحصول على نصيب منصف من الدخل وحصة عادلة من الانتاج.
وراى ان صعودها لا ينفصل عن دعوات دينية وعقائدية استوطنت هذا الشرق قبل قرنين، وبنت عصبياتها على الانغلاق ونبذ حق الاختلاف بل وإنكار حق الآخر المختلف بالوجود، مستندة في ذلك الى رفض لا هوادة فيه للاجتهاد والرأي. فأطاحت في طريقها العقل، وقهرت روح النص وجردت أعماقه من الامثولات والمعاني التي تعلن عن نفسها تباعاً وباطراد، مع توالي العصور وتعاقب الأزمنة وتبدل الأحوال. لقد رفعت هذه الدعوات كل محاججة مشروعة إلى مرتبة الشقاق والفرقة والإقصاء، ولا ينفصل صعود الحركات التكفيرية وعنفها عن تواطؤ مضمر مع قوى دولية وإقليمية، وجدت فيها ضالتها، من أجل مد النفوذ وتبرير التدخل وتصعيد الهيمنة، واستنزاف رافضي الأطماع الخارجية ومقاومي مشاريع الاحتلال والسيطرة والاستيطان، في زمن صار ممكناً فيه للأسف، خلط الأوهام بالحقائق وتبرير عنف مغال وعدمي بنضال نبيل ومشروع.
ثم القى رئيس مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي الشيخ محمد تقي سبحاني كلمة فقال ان مشكلة التكفير الارهابي من أخطر ما تواجهه الأمة والعالم.
ولفت الى عدد من المؤشرات الامنية جعلت من هؤلاء الارهابيين محوراً لاهتمامها، ومثلها اهتمام وسائل الاعلام العالمية، وايضاً في الاحاديث السياسية.
وتمنى على المؤتمر طرح السبل والوسائل في فهم ظاهرة الارهاب والتكفير، وفي توظيف المصطلحات وتحديدها بعيداً عن الضوضاء الاعلامية والصخب السياسي.
واعرب عن حذره من طرق استخدام معنى الارهاب بادانة الآخر، وفي الخطاب الديني التراثي الحافل بمادة كفر وتكفير.
ولفت الى ان النهج المعاصر للارهاب والتكفير لها مزايا خاصة ويتجسد في التنظير لاعمال هؤلاء الارهابية وفي تحول الارهاب الى ظاهرة عالمية لم يعد تقتصر على تيار فكري او ديني.
واشار الى اشتراك العديد من العوامل بما لا يسمح بتشخيص هذه الظاهرة وحصرها في جانب واحد داعياً الى دراستها في مجالات علم النفس والاجتماع والسياسة.
وراى ان الاجابات تتعدد بتعدد الزوايا حول هذا الموضوع، رفضا ان تكون البيئة الفكرية الاسلامية ساهمت في ولادة هذا التطرف.
وقال ان مواجهة هذه الظاهرة المدمرة للانسانية يجب ان تكون متعددة الابعاد ولا سيما على عاتق المثقفين.
والجلسة الاولى كانت بعنوان ظاهرة العنف التكفيري: الخطاب والجذور برئاسة رئيس المركز العربي والدولي للتواصل الاستاذ معن بشور فسأل عن إصرارنا على استعمال وصف التكفير لهذه الجماعات وهل هو الاستعمال السليم الذي سمح بتعبئة الطاقات لاخراج المعركة مع هؤلاء الى مسارها الصحيح؟ مشيرا الى تجذر ثقافة التكفير في حياتنا.
ثم تحدث الباحث السعودي الدكتور بدر الابراهيم فأورد عدد من النقاط حول جذور هذه الجماعات وخطابها، ومنها العامل السياسي كسبب في ايجاد هذه الجماعات بالرغم من اقتصار التركيز على فهمهم على العامل الديني، لان ما تمارسه هو عنف سياسي ولاغراض سياسية.
ورأى ان هذه الجماعات تاخذ من الديني ما يخدم استراتيجيتها السياسية.
وتساءل لماذا انبعثت هذه الجماعات؟
وقال ان تنظيم القاعدة ولد بعد تدخل اميركا في العراق اوائل التعسينيات ومثلها داعش، محملاً الاسهام الخارجي نمو هذه الجماعات وتفعيلها.
واشار الى الخطاب لدى هذه الجماعات وفي سلوكياتها واهدافها، مؤكداً اننا امام حالة من الخطاب والرؤية انما هي نتاج مزاوجة بين الفكر الاخواني الاممي وبين السلفية الجهادية بالرغم من وجود تناقض بينهما في بعض الافكار والممارسات.
واكد ان هذا الخطاب طرأ عليه تغيرات نتيجة الظرف السياسي، لأنه منذ العام 2003 ومع الزرقاوي تم تحويل وجهة الخطاب وبات التركيز على الخطاب المذهبي في استنهدافه ليس الغرب كما كان في ادبياتهم، إنما تحول الى استهداف جماعات دينية معينة يختلف معها مذهبياً، وهو الامر الذي حصل في ظل الاحتلال الاميركي للعراق العام 2003، ومثله ما تفعله داعش في استهدافها للمكونات الاجتماعية العربية قبل استهداف اي آخر غربي.
وخلص الى القول اننا امام جماعات توظف الخطاب الديني لاهدافها السياسية، داعياً الى تجفيف المنابع السياسية كأولوية في محاربة هذه الجماعات.
ثم قدم الدكتور عبد الكريم زاهد مدير مركز دراسات جامعة الكوفة في العراق بحثه فتساءل من تكاثر ظواهر التكفير ولماذا تخلص العالم من ظاهرة الراديكالية الدينية وبقيت عندنا وقال: المشكلة في النص الديني، وفي التراث الديني وفي التراجع الحضاري الذي يسود العالمين العربي والاسلامي.
وراى في اسقاط الفكر الفلسفي وحصره في الجانب الديني أوجدت منطقاً خاصاً لهذا الفكر التكفيري.
كما رأى ان مشكلة الرؤية السلفية تحولت من مفهوم الى سلطة وفقا لوجود فكرة تقسيم العالم الى دار سلام ودار حرب في القران الكريم، واصفاً الفكر المتطرف التكفيري بأنه اقصائي وان التكفيريين جماعات سياسية أنشأها الاستبداد الديني والحرمان والتخلف.
وخلص الى دعوة المراكز الدينية الكبرى باعادة الفكر بالتراث الديني لخلق انسان معتدل متسامح.
ثم تحدث الدكتور عبد الغني عماد (من لبنان) عن العوامل الاجتماعية والسياسية في نشوء ظاهرة التطرف الديني والتكفيري، واصفاً الموضوع بانه شديد التعقيد.
وعرض لقضية الارهاب لدى المفكرين في الغرب وفي اظهارهم انها صناعة في الغرب وجزء من ترسانة انظمتهم التسلطية في التدخل في بلادنا.
ولفت الى العنف التخويني عند السلطات وبذور العنف التكفيري لدى القوى غير الرسمية، والى تبادل اتهام الشيطنة في توصيف كل طرف للاخر.
واشار الى ضرورة تحليل منظومة القيم وما يرافقها من تبرير لثقافة تبرير العنف على مستوى الدول والافراد أيضاً.
وتساءل من الذي يدفع جماعة او جماعات الى التطرف؟ وكيف يتبع المرء بالتضحية في سبيل افكار لا تتسم بالعقلانية، وانما يسودها الكراهية.
وراى ان ما هو حاصل ليس نتاج اللحظة السياسية الراهنة وانما هو نتاج تجربة تاريخية بائسة في بناء الدولة، وهو امر يشترك فيه الفكر الاسلامي والفكر القومي، واقتصر على شكل الصراع على السلطة وتوطيد دعائم انظمة استبدادية وما نتج منها من جماعات متطرفة.
ولفت الى العلاقة بين ثالوث التخلف والتبعية والاستبداد بما يمنع اي اصلاح ولو تدريجي.
وحملت الجلسة الثانية لاعمال المؤتمر بعنوان "جماعات العنف التكفيري: الجذور والبنى والعوامل المؤثرة" عنواناً فرعياً عن "المؤثرات الاقليمية والدولية وعلاقتها ببروز العنف التكفيري" وتراس الجلسة رئيس المركز الاردني للدراسات والمعلومات بلال التل مقدماً بحثه عن العوامل الاقليمية عرض فيها لعوامل اغراق منطقتنا العربية بالعنف لصالح اسرائيل، محملاً اصحاب المخططات في العمل على رسم خرائط المنطقة واضعاف الدولة الوطنية، وفي تشويه صورة الاسلام على ايدي الجماعات التكفيرية.
ثم تحدث الباحث الايراني الدكتور محمد مرندي فاشار الى ان ما حدث في تونس ومصر ايام الربيع العربي اثار الامال في المنطقة العربية لكنه تسبب في خوف كبير في الانظمة الغربية ولدى بعض انظمة عربية.
وذكر ان الولايات المتحدة الاميركية دعمت عقيدة التطرف في افغانستان لقتال الشيوعية. ولاحقاً دعمت التيارات المتطرفة مثل داعش والقاعدة.
اما الدكتور جورج قرم فقد تناول في بحثه قضية "الجماعات التكفيرية والقوى الدولية: الرعاية تقاطع المصالح" برهن فيها ان القضية الاقليمية انما هي تماهي في اهداف اميركا والجماعات التكفيرية والقاضية في نشر الفوضى لضمان استمرار الهيمنة الاستعمارية والصهيونية، محملاً العرب مسوؤلية ما وصفه بديناميكية الفشل.
وركز على ضرورة التفريق يبين الاممية الارهابية التي تدعي الاسلام وبين الحركات المحلية السيساسية الاسلامية والتي ايضا تمارس العنف التكفيري، واصفاً الفئة الاولى بسلاح الدمار الشامل تم تشكيله باشراف الولايات المتحدة الاميركية في حين ان للفئة الثانية مطالبها وسلوكياتها في برنامجها القائم على ان الاسلام هو الحل.
ولفت الى تضاؤل الاهتمام بقضية فلسطين بسبب تنامي هذه التيارات المتطرفة المدعومة من اميركا.
واقترح بذل جهود كبيرة لدحض مقولة صراع الحضارات لانها تبرير للاستعمار والصهيونية ولان الغرب ليس عدواً وإلا لما درسنا في جامعاته.
كما دعا الى تعريب مشاكلنا العربية بعد ان باتت قضايانا في ايدي الدول الكبرى.
وشدد على التركيز على فلسطين وقضيتها الوطنية.
وتحدث الدكتور حازم عتلم (من مصر) فنفى وجود تمييز بين الجماعات التكفيرية وجماعات الارهاب التكفيري، فالاول تتحول سريعاً الى جماعات للعنف التكفيري معتبراً ان البحث عن التعريف القانوني لهذه الجماعات يجب تجاوزها قانونا،ً واصفا الجماعات التكفيرية الاسلامية بانها تحمل نظريات قائمة على علو ما ينظرون له سواء في المجتمعات المحلية او الدولية، وأضاف: هذا العلو كان من شأنه ان انكروا كل شيء وكل ما يقال.
ولفت الى انكارهم لسيادة الدولة، والدولة المدنية، والقوميات وللقوانين الدولية.
واكد ان مسار سلوكياتهم يقوم على عدم اللقاء مع اي طرف، وعرض لنشوء هذه الجماعات الني تبدأ بالعمل السري ثم تعمد الى الظهوري عن طريق العنف لتحقيق اهدافها.
الجلسة الثالثة والاخيرة من اليوم الاول ترأسها الشيخ محمد زراقط وكانت تحت عنوان: : البنى التنظيمية والمالية وانماط العمل العسكري والاجتماعي واليات الاستقطاب وتراسها الشيخ محمد زراقط.
وتحدث فيها الباحث المصري الاستاذ مصطفى زهران حول النى والهياكل التنظيمية والمالية واليات الاستقطاب والباحث في الشؤون العسكرية سمير حسن عن البنى العسكرية واساليب القتال لجماعات العنف واما الباحث التونسي نزفل صديق فعرض لانخراط الفئات الشابة في جماعات العنف التكفيري من خلال دراسة حالتي تونس وليبيا وكانت المداخلة الاخيرة للباحث عبد الله سليمان علي تحت عنوان : العلاقات بين جماعات العنف بين التحالفات والنزاعات.
ويستكمل المؤتمر اعماله اليوم بالحديث عن علاقة جماعات العنف بالاعلام وبطاولة مستديرة حول كيفية المواجهة.

التعليقات