الاستثمار بالحجر على حساب البشر

الاستثمار بالحجر على حساب البشر
إعداد: ليلى عورتاني

طالبة في جامعة بيرزيت

من سكان وادي الشعير
 

منذ أن أعلنت شركة سند نيتها استملاك 1800 دونم من أراضي منطقة وادي الشعير من خلال إعلانٍ مفاجئ صدر في الصحف اليومية، وبدون أية مقدمات أو مشاورات مع أصحاب الأراضي أو أهالي تلك المنطقة، ابتدأت حراكات شعبية من قبل الأهالي من أجل تأكيد رفضهم القاطع لهذا المشروع، والاعتراض على إقامته بشتى الطرق والوسائل وذلك بالدرجة الأولى رفضاً لإستملاك أراضيهم الزراعية ومصدر رزقهم، وثانياً بسبب التأثيرات البيئية الناجمة عن هذا المصنع لقربه من التجمعات السكنية والمدارس. وقد اتسمت تلك الحراكات بشموليتها ووضوح مطالبها بالإضافة الى العمل على المستويين الشعبي والرسمي لوقف هذا المشروع، مع تأكيد إلتزامهم التام بطرق الإحتجاج الحضارية والتي تعكس مستوى الوعي لدى الاهالي في تلك المنطقة، وحرصهم على الحفاظ على النظام العام والعمل في نطاق القانون.

وبالرغم من أن أزمة وادي الشعير قد أثارت بلبلة وتساؤلات عديدة حول قانون الإستملاك وتحديد ماهية المنفعة العامة ومحدداتها الفضفاضة، إلا أن الأثر البيئي الناجم عن انبعاث الأبخرة والغازات السامة وذرات الغبار المتناثرة هو أكثر ما يثير مخاوف السكان في تلك المنطقة. وهي مخاوف مبررة ومبنية على أسس علمية مثبتة عالمياً، "حيث أثبتت منظمة الصحة العالمية بأنه على الأقل يموت 2 مليون إنسان بسبب تلوث البيئة، وتعتبر صناعة الإسمنت من أكثر الصناعات التي تسهم في تلوث البيئة، حيث أن التفريغ الجوي الناتج عن صناعة الإسمنت يحتوي على غازات أهمها سولفير دايوكسايد، نايتروجين، أكاسيد مختلفة، وتنتج بسببها غيوم واضحة للعيان، تستقر بالنهاية على الغطاء النباتي والتربة وجميع الحياة البيولوجية المجاورة للمصنع، وبذلك فإن النظام البيئي المحيط بالمصنع هو معرض للإساءة للتشوه".1 

لو تتبعنا نهج شركة سند الشمال في التعامل مع هذه القضية، لوجدنا أن طريقتهم في إدارة هذا الملف ابتدأت بخطوات غير موفقة بإعلان الإستملاك الذي نشر بالصحف، واستمرت بوتيرة تتسم باللامبالاة والفوقية والهروب الدائم من المواجهة، والاكتفاء بتصريحات إعلامية مكررة وخالية من المضمون هدفها التأثير على النخبة ولا تتماشى مع مستوى وعي وإدراك المواطنين.

تحاول شركة سند الشمال أن تؤثر على الرأي العام من خلال رسائل تطمينية، بأن هذا المشروع كامل متكامل وهي تقول بأنها قامت بكل ما يلزم من أجل السيطرة على الأثر البيئي بتقنيات حديثة وميزانيات هائلة، والى الآن رسائل التطمين تلك ما زالت سطحية وبعيدة كل البعد عن النهج العلمي في إقناع الناس، خصوصاً ما ورد في مقابلة مع المدير التنفيذي للشركة لؤي قواس نشرت على دنيا الوطن بتاريخ 6/9/2015، وطرح خلالها أمثلة ونماذج لمصانع إسمنت شُيدت في مناطق سكنية في إيطاليا وألمانيا والسعودية والإمارات وإسرائيل . لو فرضنا بأن كلامه صحيح، فالسؤال الذي يطرح نفسه هل لدى السيد لؤي دراسات وأبحاث تثبت بأن تلك المصانع لا تلوث البيئة المحيطة؟  وإذا كانت تلك الدراسات متوفرة يجب نشرها ليثبت وجهة نظره لا أن يعتبرها نموذجاً يحتذى به كونها أنشأت مصانع في مناطق مأهولة فقط.

بقليل من البحث والتمحيص على محرك البحث جوجل، يستطيع أي منا إستكشاف المخاطر الناجمة عن صناعة الإسمنت، مثلاً يمكن الاطلاع على تجارب دول أخرى لها باع طويل في تلك الصناعة، أو قراءة مقالات وأبحاث علمية صادرة عن مراكز دولية، وبسهولة سنتوصل الى إستنتاج بأنه بالرغم من التفاوت في التقنيات المستخدمة لضبط الأضرار البيئية في الدول المختلفة، إلا انه لا يوجد مصنع إسمنت واحد بالعالم ليس له ضرر بيئي، ويمكن لشركة سند الشمال بأن تتقدم بدراسات تثبت العكس، حتى المصانع الضخمة في دول غنية مثل السعودية والإمارات فهي تتسبب أيضاً بتلويث البيئة، بغض النظر عن التقنيات ومحاولات التخفيف من التلوث البيئي للمصانع التي تكون مجدية في حال كان المصنع بعيداً عن المناطق السكنية. إن امتلاك شركة سند الشمال لتقنيات حديثة وميزانيات كبيرة للسيطرة على الأثر البيئي هو مفيد ومجدي فقط إذا شيد مصنعهم في منطقة بعيدة عن التجمعات السكنية.

إضافة الى ذلك، فقد وجدت بأن الدراسات البيئية الشاملة خصوصاً فيما يتعلق بتلوث الهواء، لا تقتصر على الأبخرة والغازات والغبار الناتجة عن مصنع محدد، بل يجب أن تتضمن دراسة شاملة لتلوث الهواء في تلك المنطقة بما فيها التلوث الناتج عن (مصنع جيشوري، مصنع عزيزة، وعن واد الزومر). وفي حال أنشئ مصنع الإسمنت (لا سمح الله) فإن هذا سيكون بمثابة قتل بطيء لمحافظة كاملة يحدها من الغرب مصنع جيشوري ومن الشرق مصنع سند للإسمنت. علماً بأن مدينة طولكرم ما زالت تخوض صراعاً مع سلطات الاحتلال من أجل إزالة مصنع جيشوري السام.

وفي السياق البيئي أود أن أذكر بعض الحقائق وآليات التعامل مع مصانع الإسمنت في دول متفرقة حول العالم:

أولاً: مصنع اليمامة في الرياض – السعودية

 قامت الإدارة العامة لصحة البيئة وإدارة الوقاية الصحية بتشكيل فريق استشاري لدراسة الأثر البيئي الناشيء عن مصنع اليمامة في الرياض وخلص الفريق الى أن " شركة إسمنت اليمامة تعتقد بأنها تقوم باستخدام افضل التقنيات المتاحة للسيطرة على الغبار باستخدام الفلاتر الضخمة وعشرات من الفلاتر الصغيرة، إلا  أنه "بالرغم من تلك الإجراءات، تبدو آثار تلوث الهواء واضحة بمجرد القرب من مصنع الإسمنت ، ومما يزيد الأمر سوءاً هو قرب المصنع من المناطق السكنية حيث امتد العمران لهذه المنطقة فأصبح يقع وسط الأحياء السكنية، وعلى الرغم من المحاولات التي تبذلها إدارة المصنع للحد من التلوث الا أن ذلك لا يعد مجدياً، لاستمرار إنبعاث الجيسمات الدقيقة الصلبة العالقة وملاحظتها بوضوح في المنطقة المجاورة للمصنع.

ويتضح من خلال الأبحاث بأن تركيز الجيسمات الصلبة العالقة في الهواء هو أعلى من مقاييس حماية البيئة بـ 340 ميكروجرام/م3 في جميع المواقع التي أخذت منها القراءات، ويعود السبب الى عدم مراعاة الاعتبارات البيئية في الأنشطة التنموية بالمدينة وعدم إجراء دراسات التقييم البيئي لتلك المشاريع، ويلاحظ ارتفاع تركيز الجيسمات الصلبة العالقة في الهواء في منطقة جنوب الرياض على طريق الخروج حيث يوجد مصنع إسمنت اليمامة".2

وفي عام 2015 " أصدر الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض توجيهاته بتطوير جنوب الرياض وتوفير سبل السعادة والراحة لساكنيه من خلال مشاريع تطويرية أهمها نقل مصنع الأسمنت شرق مدينة الرياض بحوالي 70 كيلو مترا وإغلاق مصانع ودباغة الجلود وإيقاف تفريغ مياه الصرف.

وقالت الشركة مؤخرا في تقرير مجلس إدارتها إنه يجري الآن التخطيط لنقل مصنعها الواقع في جنوب الرياض، حيث قامت وزارة البترول والثروة المعدنية باقتراح ثلاثة مواقع تعدينية للشركة خارج مدينة الرياض وذلك لإجراء عملية الاستكشاف عن مادة الحجر الجيري المستخدم في الإنتاج، واختيار أفضل المواقع من حيث جودة المواد الخام والكمية المتوفرة فيها". (موقع أرقام نشر بتاريخ 20/2/2015) 3

ثانياً: تجربة الهند

فقد نشرت المجلة الدولية للدراسات العلمية عام 2013، دراسة حول الأمراض التي تصيب العمال في صناعة الإسمنت، وقد نفذت الدراسة على 3 منشآت هامة في الهند وهي: 4

 (Khrew (JK cements) , Khonomoh (saifco), Khonomo (Khyber

وقد قام 10% من العمال في المنشآت الثلاثة بتعبئة استمارات موحدة حول وضعهم الصحي، وتظهر الدراسة بأن هناك 19 نوع من الأمراض قد سجلت بين العمال في تلك المصانع وهي: الحساسية، التهاب القصبات الحاد، الأزما، انتفاخ الرئة، الالتهاب الرئوي، السل، سرطان الرئة، ضيق التنفس، القحة، الصفير، الجلطات، آلام الصدر، عدم انتظام دقات القلب، انتفاخ بالأرجل، حساسية بالعيون، حساسية بالجدل، إحساس مستمر بالتعب والإرهاق.

مثلاً فيما يتعلق بعمال مصنع  khrew (JK cements)، فقد تبين بأن :

المرض نسبة العمال المصابين به المرض نسبة العمال المصابين به
الصفير بالصدر 91% آلام الصدر 70%
حساسية الجلد 90% التهاب قصبات حاد 53%
السعال 90% الأزما 50%
التهاب العيون 88% الإلتهاب الرئوي 50%
ارتفاع ضغط الدم 78% انتفاخ القدمين 48%
ضيق التنفس 78% انتفاخ الرئة 9%
حساسية تنفسية 73% الجلطات 8%


 

ثالثاً: تجربة إمارة دبي

في 30 مارس 2015 عمدت  بلدية دبي الى إلزام شركات المقاولات بإستخدام الخرسانة الخضراء لتصبح دبي مدينة صديقة للبيئة "حيث أن أهم عنصر يدخل في بناء مباني دبي هو الخرسانة المسلحة التي تعتبر من أهم مكوناتها الإسمنت، حيث أن صناعته وتطبيقاته ينتج عنها انبعاث ثاني أكسيد الكربون ومواد أخرى سامة بكميات هائلة تضر بالبيئة والصحة العامة والسلامة، وانطلاقا من سياسة إدارة المباني في البحث والإطلاع على كل ما هو جديد في قطاع التشييد والبناء لتطبيق أفضل الممارسات العالمية بما يتوافق مع بيئة دبي ولتواكب التنافسية الدولية، لذا قامت الإدارة بإجراء دراسة لتوضيح أضرار الإسمنت ومن ثم معالجتها باستخدام مواد إسمنتية صديقة للبيئة في صناعة الخرسانة المستدامة. 

ومن أهم نتائج تلك الدراسة هو التعرف على أضرار الإسمنت البورتلاندي، حيث أن إنتاج 1 طن من الإسمنت يصاحبه انبعاث (1.1  طن تقريبا) من غاز ثاني أكسيد الكربون (2Co) وغازات وأبخرة أخرى ضارة ، علاوة على ذلك فإن إنتاج 1 طن من الإسمنت يؤدي إلى انبعاث (164 كجم) من الغبار، مما يؤدي إلى زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري (Global Warming)،  زيادة الأضرار البيئية والصحية،  وزيادة نسبة أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو والتحجر الرئوي وسرطان الرئة، وتسبب الفشل الكلوي وغيرها من الأمراض الخطيرة على الإنسان.

ووفقا لدراسة بيئية عالمية فإن مصانع الإسمنت عالمياً هي ثاني مسبب للوفيات في سرطان الرئة بعد الدخان، وبناءً على أبحاث ودراسات من جمعية NRMCA الأمريكية، ومؤسسةECO-SMART الكندية  فإن مصانع الإسمنت وحدها تنتج 50 % من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون لجميع المصانع". 5

رابعاً: تجربة اليونان

قضت المحكمة العليا في اليونان، بتغريم Heracles' General Cement Company، وهي تابعة لشركة Lafarge، بأن تدفع للسكان في آيجا مبلغ 78 ألف يورو كتعويضات بسبب التلوث البيئي الحاصل في منطقتهم بسبب صناعة الإسمنت، والتي حرمتهم من الاستمتاع بالطبيعة بسبب تلوثها. 6

Greek Supreme Court orders Heracles General Cement to pay village Euro78,0 forفي الختام

هذه المقالة موجهة بالأساس للرأي العام الذي قد يرى صورة مختلفة لما تروجه شركة سند الشمال من قدرتها على التحكم بالأثر البيئي، والخروج بموقف مبني على حقائق وأدلة علمية. تستطيع شركة سند الشمال أن تقول ما تشاء لكن يجب أن تقوله بمهنية تامة مستندة إلى أدلة ودراسات علمية تنفي نفياً قاطعاً الضرر البيئي.

من الواضح بأن مصانع الإسمنت بالرغم من أهميتها بالنسبة للدول المتقدمة إلا أنها ما زالت تشكل عبئاً كبيراً على حكومات تلك الدول، بسبب ما تخلفه من ضرر بيئي وصحي وبسبب عدم التزام المصانع بالإجراءات والتعليمات اللازمة للتحكم بنسبة التلوث الصادر عنها.  ولاحقاً تبذل الحكومات جهوداً جبارة من أجل فض الخلافات بين السكان وأصحاب المصانع، بالإضافة الى تكبدها مسؤوليات مالية لعلاج الأمراض الناتجة عن تلوث البيئة.

لم أتطرق في هذا المقال نهائياً إلى الضرر المعنوي الذي أصاب المواطنين، ولا الجانب الأخلاقي لعملية الإستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي المواطنين، بل ارتأيت أن أركز على ما توصلت إليه الدول الأخرى فيما يتعلق بتلك الصناعة لاستنباط العبر ومنع تشييد هذا المشروع قبل فوات الأوان، والتوقف عن التذرع بالمنفعة العامة، لأن هذا الشعب القابع تحت الاحتلال لديه إحتياجات ومصالح أخرى مختلفة عن مصالح المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال.

يمكن لشركة سند أن تتجاهل المجتمع المحلي قدر ما تشاء، والتمسك بهذا الموقع قدر ما تشاء، لكن في النهاية من الحكمة أن تدرك بأن أصحاب الأراضي وسكان تلك المنطقة لن يسمحوا نهائياً بإقامة هذا المشروع. وبالرغم من عدم بروز أية نوايا حسنة من قبل شركة سند الشمال،  ونشرهم المستمر لتصريحات تؤكد نيتهم الاستمرار في محاولة إقامة المشروع، إلا أنني ما زلت أمتلك ذرة أمل بأن تستجيب لمطالب أهالي المنطقة وأن تنسحب كما أتت بإعلان في الصحيفة يتضمن تراجعها عن المشروع في منطقة وادي الشعير لتحقيق المنفعة العامة، ونيتها البحث عن منطقة جديدة خالية من السكان. لأن المنفعة العامة في دولة محتلة ونابضة بشعبها وشبابها هي الاستثمار بالبشر أولاً ومن ثم بالحجر.   

المراجع:

1. بحث بعنوان" Cement factories, air pollution and consequence" صادر عن قسم العلوم البيئية في جامعة كشمير.

2. faculty.ksu.edu.sa

3. http://www.argaam.com/article/articledetail/487215

4.  Health risks associated with workers in cement factories, International Journal of science and research publications. may 2013

5. www.dm.gov.ae

6. http://www.globalcement.com