من يحاسب كليب ؟

من يحاسب كليب ؟
من يحاسب كليب ؟
محمد يوسف الوحيدي
يحكى أن البسوس بنت منقد التميمية خالة جساس بن مرة كان لها جار يقال له سعد وله ناقة يقال لها سرابِ فقتل الناقة وائل بن ربيعة بن الحارث المعروف (بكليب) فصاح سعد : وا ذلاه ، فسمعته البسوس فقالت أيضا واذلاه ..
وأنشدت:
لعمرك لو أصبحت في دار منقذ *** لما ضيم سعد وهو جار لأبيات
ولكني أصبحت في دار غربة **** متى يعد فيها الذيب يعد على شاتي
فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل *** فإنك في قوم عن الجار أموات
ودونك أذوادي فإني عنهم ***** لراحلة لا يفقدوني بنياتي
فلما سمع ابن أختها جساس قولها سكنها ( هدأها )  وقال أيتها الحرة ليعقرن غدا جمل هو أعظم عقرا من ناقة جارك يريد بذلك (كليبا) فظن أنه يريد فحل إبل كيب الذي كان يدعى عُلَيان بضم العين وتشديد الياء فقال كليب دون عليان خرط القتاد،فصارت مثلا للشيء لا يستطيع أحد أن يصل إليه ثم إن الحي أرتحلوا فمرت بنو بكر بن وائل قوم جساس على ماء يقال له شبيب بالتصغير فمنعهم كليب منه فمضوا ثم مروا على ماء يقال له الأحصّ فمنعهم منه أيضا ثم ذهبوا حتى وصلوا ماء يقال له الذنائب فنزلوا عليه وتبعهم كليب في قومه بني تغلب حتى نزلوا عليه معهم فمر جساس على كليب وهو واقف على الماء منفردا فقال له طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشا فقال كليب ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون فقال جساس هذا كفعلك بناقة جاري فقال كليب أو قد ذكرتها أما والله لوجدتها في غير إبل مرة لا استحللت تلك الإبل بها فعطف عليه جساس فرسه وطعنه بالرمح فأنفذ جنبيه فأحس بالموت فقال يا جساس اسقني ماء فقال هيهات تجاوزت شبيبا والأحصّ وكان مع جساس رجل من عشيرته يقال له عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان فقال له كليب ياعمرو أغثني بشربة ماء فنزل عمرو عن فرسه وقطع رأس كليب فقيل :
المُستجيرُ بعمروٍ عند كربته****كالمستجير من الرمضاء بالنار
جميلة هذه الحكاية ، و هي حكاية بداية و ليس لها نهاية ، تتكرر في تراثنا العربي ، و تاريخنا السحيق و الحاضر ، كانها حدث الأمس و نبأ الغد .. ظلمنا لأهلنا و الجار للجار ، و التعدي بغير حق ، و التغول على المستضعف .. حتى يفر منا ومن ما نظن أنه الخير لنا وله ، عطشانا جائعا عاريا ، وهو يعلم أنه إنما يفر إلى مجهول يتربص به ، أو إلى عدو قد يفتك به .. ولكنه يفضل كل هذا على البقاء تحت ذل الأخ و الأهل ، يفضل أن يموت في ساعة ، على أن يموت كل ساعة .. عائلة فلسطينية من غزة ، تفر كلها ، إلى الحدود ، إلى من كانوا بالأمس يلقون عليهم الصواريخ و القنابل و يجربون فيهم كل أنواع الغازات و السموم .. يفرون إليهم ، يستجيرون برمضائهم ، هروبا من نار إخوانهم ..
حكاية أخرى ، و كليب آخر ، و مياه أخرى ترتحل إليها عائلات و قبائل ، بحثا عن الكلأ و الماء و السكينة ، و كليب يتعقبهم ، يمنعهم ، يقتلهم ... ولعلنا نتوقف ، ليس فقط لنتمتع بسرد حكاوي ، و نتذوق حلاوة اللغة ، و جمال أبيات الشعر ، بل لنتلمس طريقا ، فالكارثة أكبر ، و عدد الذين فروا من قطاع غزة وحده منذ بدايات الإنفصام المجنون ، لم يخطر ببال و لا في أحلام عتاة التدبير و التخطيط في إسرائيل ، و الترانسفير الذي حدث ، جاء هدية مجانية لعدو عبر عن أمنيته الجامحة بأن يصحو يوما ليجد قطاع غزة و قد غار في البحر .. الوضع اصبح أكبر من أن يداوى بتضميد جرح ، أو تطهير خدش ، أو جبر عظم .. بل إن المحاسبة هي أولى خطوات المصالحة ، و ليس العكس ، سنوات البؤس و الحصار و الخوف و المقابر التي تردد صباحا و عشية " هل من مزيد"  ، و البيوت المهجورة و الجدران المطحونة ، و الآمال المحترقه ، و الشباب المواظب على جرعات الترامادول آناء الليل و أطراف النهار .. كل هذا يجب أن يحاسب من تسبب به ، سواء بقصد أو بغباء ، ولا تقل لي، إنما كان إصلاحا و تطهيرا ، و كان بنية حسنة ،فالطريق إلى جهنم ، معبدة بأحسن النوايا ..ولا تقل لي إنها ضريبة المقاومة ، فالمقاومة على العين و على الرأس ، إن هي صانت ولم تبدد ، إن هي حمت ولم تهدد ، إن هي جمعت ولم تشتت ، إن هي كبدت العدو الويلات و الدمار ، ولم تدمن القمار، فاكثر الطبول و الدفوف قعقعة ، أجوفها .. ولا تصدق أن صوت أزيز الرصاص يقتل .. و إن أقسم إعلام و أقلام و المتحدثون بإسم كليب أن أزيز رصاصهم قاتل . فمن يحاسب كليباً ؟