هل ستعود إمبراطورية فارس؟

هل ستعود إمبراطورية فارس؟
أحمد صبحي أبو مصبح  

لقد بات من الواضح تماماً أن إيران (الوريث الأصلي والشرعي لدولة فارس قديماً)، لم تعد تشكل خطراً حقيقياً على الغرب، لأن المطالب الغربية والأمريكية في الجولة الأخيرة من المفاوضات النووية الإيرانية، أبدت فيها إيران مرونة كبيرة للغاية، وإن بدا في الإعلام غير ذلك، وهذا إن دل فإنه يدل على مخطط كبير يدور في أروقة المطابخ السياسية في إيران، وفي الدول الكبرى.

فكوريا الشمالية التي تمر بأزمات اقتصادية وسياسية جمة، تعرضت لضغوطات وممارسات الغرب الرامية إلى حصاره، وتطبيق العقوبات الاقتصادية والتجارية بحقه، مثلما فعلت تلك الدول مع نظيرتها إيران، بل وعلى مستوٍ أكبر بكثير مما تعرضت له إيران، وتلك الأزمات التي مرت بها كوريا، كفيلة بأن تتجه الأخيرة إلى ما اتجهت إليه إيران لاحقاً، بل زاد موقفها عناداً وتحدياً لممارسات أمريكا التي تهدف لإخضاعها.

لكن كوريا الشمالية وما تراه من تهديدات حقيقية من أمريكا وحلفائها الإقليميين (كوريا الجنوبية) على الأمن القومي لبلادها، أدركت جلياً بأن قوة الردع النووية، أو امتلاك سلاح نوعي متطور، كفيل بأن يشكل هاجساً قوياً لمن يفكر بضرب أهدافها.

تلك هي الدوافع التي تسعى كل دولة إلى تحقيقها، آلا وهي الحفاظ على هيبة الدولة وكيانها، ومجاراة الدول الكبرى نحو التسلح الذي يعني مضاهاتها نوعاً ما.

لكن الغريب في ذلك اتجاه إيران نحو المسالمة مع الدول الكبرى، وهذا ما يثير حوله الجدل، فإيران وإن تحدثت مراراً وتكراراً سواء في العلن، أو من خلف الستار، بأن لديها أعداء حقيقيون في المنطقة، جعلت في مقدمتهم كما تقول (إسرائيل)، ولا يخفى لأحد بأن البوصلة الحقيقية لا تتجه نحو إسرائيل، بل على العكس لا زالت إيران تحتل الجزر الإماراتية، كما دأبت دائماً على التدخل في الشأن البحريني، من خلال دعم جمعية الوفاق الشيعية، علاوة على ذلك محاولاتها الحثيثة في ضرب اللحمة الاجتماعية، وافتعال النعرات الطائفية في السعودية، وخاصة في المنطقة الشرقية من المملكة.

أضف إلى ذلك دعمها وتسليحها لجماعة عبد الملك الحوثي ، والتي انقضت على الشرعية اليمنية المتمثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، وسيطرتها على أجزاء كبيرة من اليمن.

فلم يكن اليمن في أذهان الإيرانيين مجرد ورقة ضغط على الغرب كما يدعي البعض، ولم تكن لتدعم جماعة الحوثي الشيعية، وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح لمآرب دينية وطائفية، فدولة باكستان فيها طوائف شيعية حدث ولا حرج، ولكن باكستان وغيرها ليست محل أطماع إيران.

حيث أن ما تفكر به إيران منذ الأزل، هو التغلغل في العمق العربي السني، وفكفكة نسيجه الاجتماعي، ولم يعد سراً دعمها لحزب الله في لبنان، والحوثي في اليمن، والوفاق في البحرين، وأحزاب شيعية عديدة في العراق، إضافة إلى تشبثها بالنظام السوري، وتقديم الدعم المالي واللوجستي والعسكري، حتى وصل الأمر إلى إرسال عناصر إيرانية لسوريا، لتقاتل إلى جانب النظام المتدحرج نحو السقوط منذ 5 أعوام، كل تلك الحركات المذكورة آنفاً، جميعها يدور في الفلك الإيراني، الذي يطمح بأن يعيد أمجاد الإمبراطورية الفارسية، لكن هذه المرة ومع الأسف بأيدي عربية خالصة.

إن ما حدث في الأونة الأخيرة من تطورات على المشهد اليمني، من خلال اتخاذ موقف عربي جريء، بشأن كبح جماح الجماعة الحوثية، ووقف تعديها على الدولة اليمنية، تمثل ذلك في عاصفة الحزم العربية، والتي لم تهدف إلى القضاء على الحوثيين، لأنهم جزء من تركيبة الشعب اليمني، وإنما جاءت تلك العاصفة المدوية لقطع اليد الإيرانية التي تمتد إلى الدول العربية لتعبث فيها فساداً وخراباً.

لقد أعادت عاصفة الحزم، ومن خلفها مواقف وقرارات الزعماء العرب القوية، إلى لجم إيران في المنطقة، وإنهاء مشروعها في تكوين إمبراطورية فارسية جديدة، كما أعادت عاصفة الحزم صياغة المنطقة بأكملها على أسس صحيحة، تكون إحدى أساسياتها( الوحدة العربية، والمحافظة كيان الوطن العربي)، بعيداً عن مخططات تجزئته وتقسيمه، نتيجة سياسات إيران التوسعية التي تسعى إلى التمدد في المنطقة.

أخيراً.. أرى كما يرى الكثير، بأن الاتفاق النووي المبرم بين إيران والدول الكبرى، يجعلنا نقف ونفكر ونتدبر في مغزى هذا الاتفاق، والنتائج الوخيمة التي ستعود بالضرر على الدول العربية، لأن هذا الاتفاق لو شكل خطراً على إسرائيل بنسبة 1% لما حدث أصلاً، لكنه أُعد خصيصاً لمجاراة العرب ومحاربتهم، والأمر أخطر بكثير مما يتوقعه البعض، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط التي يخطط لها الكثير في خلط أوراقها، من خلال الفوضى الخلاقة، ومشروع الشرق الأوسط الجديد التي أُعدت خارطة تقسيمه منذ عقود، لذا يجب أن يتخذ العرب دائماً مواقف مشابهة لعاصفة الحزم، ليست فقط في اليمن، وإنما لجميع الأقطار العربية المهددة من الخطر الفارسي، وأن يكون شعارهم الحالي "خلَي السلاح صاحي صاحي".