موسم الحوريات والتحديات
بقلم : ناجي الناجي
منذ الصفحات العشرين الأولى لرواية " موسم الحوريات " أصابني اعتقاد وصل لليقين أن ما يفعله جمال ناجي ليس بفعل كتابة فحسب، ثمّة تحدي ما يخوضه الرجل، سيما وأن الرواية الأخيرة جاءت بعد عملين احتلا مكانين بارزين في الخريطة الروائية العربية في السنوات الخمس الأخيرة ؛ "عندما تشيخ الذئاب" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر، و"غريب النهر" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للآداب، أصبح من المؤكد لدي أن ناجي عاقد العزم على الاستمرار في خوض معركة الاشتباك الروائي دون البحث عن "استراحة كاتب"، تلك المساحة التي يلجأ اليها الكاتب بين مشروعين لإنجاز برزخاً خفيفاً يحافظ على تواجده على الخارطة بالحد الأدنى من الكد الإبداعي
البطل الحقيقي للرواية هو الحكاية ، التقنيات استخدمت بذكاء شديد للتخديم على القصة، البناء السيكولوجي للشخصيات يتجاوز زمان الرواية ومكانها ، فخلال الخط السردي لواحد من شخوص العمل وهو أحد أفضل الرماة في تنظيم تكفيري يقاتل في أفغانتسان ثم سوريا نعلم منذ البداية أنه ابن حرام، منذ مولده يترعرع مع أبيه المخدوع المتشدد والذي يرسل ابنه" للجهاد فداءً للدين"، ولنكتشف في النهاية أن القارىء هو المخدوع لا الأب المربي، وأن إرسال الإبن "للجهاد" للانتقام النفسي من الولد والوالدة لا لنصرة العقيدة
وفي مرحلة أخرى، يجسد الكاتب في أجواء باريسية رومانسية علاقة الغرام الناشئة بين رأس المال والطبقة الوسطى في المجتمعات العربية الناشئة نهاية التسعينيات ، تلك العلاقة التي بدأت على حين غرة وانتهت بإنجاب طفل سفاح، ذاك الوليد ابن الفوضى والذي نشأ في محيط متطرف لينفجر في وقت لا يحدده إلاه
تابوه فلسفي آخر يتعرض له الكاتب، وهو إشكالية تسيير القدر أو صناعته، واستخدام الغيبيات في تسيير شؤون الدنيا ، فيسأل فواز الباشا – الشخصية المحورية في الرواية – العرّاف الهندي هارشا الحكيم عن إمكانية تغيير القدر ، ليجيبه الحكيم "يا بني ، حيث يكون نشاط السماء كثيفاً فإن التدخل في القدر يصير أكثر صعوبة، بل يصير مستحيلاً، وأنت جئتني من بلاد لا تكل السماء تجوبها وترفرف الأقدار فوقها" ، ويضيف الحكيم : " إن حياتك وموتك ملك لمن يتأثرون بك ، فإن خرجت حياة من هم مثلك من دورة القدر ، فإن السلسلة كلها قد تصاب بالعطب ، وقد يختل النظام ويصير كوننا فوضى بلا ضوابط. يستطيع القدر أن يغفل أحد الناس العاديين ؛ لأن حياته لا تؤثر في مصائر الآخرين. هذا ما يجعل أولئك العاديين يملكون حريات يحسدهم العظماء والأثرياء عليها .قد يستطيع الواحد منهم أن يموت متى يشاء، ويفعل ما يشاء متى شاء؛ لأنه أشبه بعجلة صغيرة بين ملايين ومليارات العجلات التي تسير عليها آلة القدر.لا تأثير لعطب مثل هذه العجلة أو خروجها عن السكة.أما أمثالك فلا يملكون ترف فعل ما يريدون، إنه ترف يخص العامة ، ولا يقبل الإعارة للعظماء أو الأثرياء"
في "موسم الحوريات" الكاتب اختصم القارىء ، راوغ ذكاءه بدهاء، يظن القارىء في منتصف الرواية أنه كشف ألغازها وتمكّن من أسرارها، ليفاجىء بمنحنيات درامية تصعد و تهبط بعيداً عن التوقعات المنطقية أو الضرورات أو الأكلاشيهات ، التقنية المستخدمة هي تعدد الأصوات مما مهّد لمسافة أكثر حميمية بين شخوص الرواية وقارئها ، مسافة سهلت مهمة الكاتب في أسر خصمه في مخطوطه المعد سلفاً عبر المونولوجات المتتالية، وليضاف للمكتبة العربية عمل إبداعي سيحتل مكانة متقدمة في بيليوجرافيا الرواية العربية
منذ الصفحات العشرين الأولى لرواية " موسم الحوريات " أصابني اعتقاد وصل لليقين أن ما يفعله جمال ناجي ليس بفعل كتابة فحسب، ثمّة تحدي ما يخوضه الرجل، سيما وأن الرواية الأخيرة جاءت بعد عملين احتلا مكانين بارزين في الخريطة الروائية العربية في السنوات الخمس الأخيرة ؛ "عندما تشيخ الذئاب" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر، و"غريب النهر" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للآداب، أصبح من المؤكد لدي أن ناجي عاقد العزم على الاستمرار في خوض معركة الاشتباك الروائي دون البحث عن "استراحة كاتب"، تلك المساحة التي يلجأ اليها الكاتب بين مشروعين لإنجاز برزخاً خفيفاً يحافظ على تواجده على الخارطة بالحد الأدنى من الكد الإبداعي
البطل الحقيقي للرواية هو الحكاية ، التقنيات استخدمت بذكاء شديد للتخديم على القصة، البناء السيكولوجي للشخصيات يتجاوز زمان الرواية ومكانها ، فخلال الخط السردي لواحد من شخوص العمل وهو أحد أفضل الرماة في تنظيم تكفيري يقاتل في أفغانتسان ثم سوريا نعلم منذ البداية أنه ابن حرام، منذ مولده يترعرع مع أبيه المخدوع المتشدد والذي يرسل ابنه" للجهاد فداءً للدين"، ولنكتشف في النهاية أن القارىء هو المخدوع لا الأب المربي، وأن إرسال الإبن "للجهاد" للانتقام النفسي من الولد والوالدة لا لنصرة العقيدة
وفي مرحلة أخرى، يجسد الكاتب في أجواء باريسية رومانسية علاقة الغرام الناشئة بين رأس المال والطبقة الوسطى في المجتمعات العربية الناشئة نهاية التسعينيات ، تلك العلاقة التي بدأت على حين غرة وانتهت بإنجاب طفل سفاح، ذاك الوليد ابن الفوضى والذي نشأ في محيط متطرف لينفجر في وقت لا يحدده إلاه
تابوه فلسفي آخر يتعرض له الكاتب، وهو إشكالية تسيير القدر أو صناعته، واستخدام الغيبيات في تسيير شؤون الدنيا ، فيسأل فواز الباشا – الشخصية المحورية في الرواية – العرّاف الهندي هارشا الحكيم عن إمكانية تغيير القدر ، ليجيبه الحكيم "يا بني ، حيث يكون نشاط السماء كثيفاً فإن التدخل في القدر يصير أكثر صعوبة، بل يصير مستحيلاً، وأنت جئتني من بلاد لا تكل السماء تجوبها وترفرف الأقدار فوقها" ، ويضيف الحكيم : " إن حياتك وموتك ملك لمن يتأثرون بك ، فإن خرجت حياة من هم مثلك من دورة القدر ، فإن السلسلة كلها قد تصاب بالعطب ، وقد يختل النظام ويصير كوننا فوضى بلا ضوابط. يستطيع القدر أن يغفل أحد الناس العاديين ؛ لأن حياته لا تؤثر في مصائر الآخرين. هذا ما يجعل أولئك العاديين يملكون حريات يحسدهم العظماء والأثرياء عليها .قد يستطيع الواحد منهم أن يموت متى يشاء، ويفعل ما يشاء متى شاء؛ لأنه أشبه بعجلة صغيرة بين ملايين ومليارات العجلات التي تسير عليها آلة القدر.لا تأثير لعطب مثل هذه العجلة أو خروجها عن السكة.أما أمثالك فلا يملكون ترف فعل ما يريدون، إنه ترف يخص العامة ، ولا يقبل الإعارة للعظماء أو الأثرياء"
في "موسم الحوريات" الكاتب اختصم القارىء ، راوغ ذكاءه بدهاء، يظن القارىء في منتصف الرواية أنه كشف ألغازها وتمكّن من أسرارها، ليفاجىء بمنحنيات درامية تصعد و تهبط بعيداً عن التوقعات المنطقية أو الضرورات أو الأكلاشيهات ، التقنية المستخدمة هي تعدد الأصوات مما مهّد لمسافة أكثر حميمية بين شخوص الرواية وقارئها ، مسافة سهلت مهمة الكاتب في أسر خصمه في مخطوطه المعد سلفاً عبر المونولوجات المتتالية، وليضاف للمكتبة العربية عمل إبداعي سيحتل مكانة متقدمة في بيليوجرافيا الرواية العربية
