سيادة الرئيس أرجوك ألا تستقيل

سيادة الرئيس أرجوك ألا تستقيل
بقلم : عمرصبري كتمتو
سفير فلسطين الأسبق لدى النرويج

سيادة الرئيس, ارجوك ألا تستقيل

هناك مثل عربي شعبي يقول )اللي بياكل العصي مش متل اللي بعدها( بمعنى أن الذي يخوض معركة السياسة مع خصم لايتمتع بأدنى قيم الأخلاق والانسانية عليه أن يكون جبلا للمحامل, ويتحمل كل مايأتيه من نقد فيه الغث وفيه الثمين, فيه الموقف المبدأي وفيه المساومة والانتهازية والمزاودة. من أولائك الذين يعدون العصي ولايذوقون أوجاعها.

هذا هو الحال مع موقع الرئاسة وهذا هو الحال مع قسم لابأس به من المعارضة التي تحصي يوميا عدد العصي التي تتناول موقع الرئيس دون أن تذوق مرارتها. علما بأن لكل رئيس في العالم ماله وما عليه, ولايوجد هناك قائد سياسي دون أخطاء, وربما خطايا, غير أننا اذا كنا منصفين في نقدنا وتناولنا لموقع الرئاسة بالنقد السلبي, فلا بد لنا من أن نعترف بكل ما هو ايجابي في ذلك الموقع, دون حسابات انتهازية وملاحظات مؤذية ذات طابع شخصي بعيد عن الموضوعية وغالبا مايصب بقصد أو عن غير قصد في صالح الخصم الأساسي وهو الاحتلال.

تبارزت الصحافة الاسرائيلية بنشر اشاعات عديدة بأن الرئيس أبومازن مزمع على الاستقالة, واعتبروا أن أيامه معدودة في هذا الموقع, وانشرحت صدور الصقور في اسرائيل وهي الأكثرية العظمى في مجتمع عنصري يمارس أبشع أنواع التمييز حتى داخل الأوساط اليهودية وتجاه أبناء فلسطين الأصليين من مسلمين ومسيحيين وحتى يهود من لسكان الأصليين.

كل هذا في الجانب الاسرائيلي , أما في الجانب الفلسطيني, فقد اشتدت حدة المطالبة باستحداث موقع نائب للرئيس, وهنا شر البلية ما يضحك, وذلك عندما بدأنا نسمع أن بعضا ممن هم في اللجنة المركزية لحركة فتح شرع بتلميع ذاته وابراز صورته وبراعته, بل وأحقيته باحتلال هذا الموقع والذي لم يوجد بعد, فما هي الحال لو شغر هذا الموقع وقام الرئيس أبو مازن بالاعلان عن استقالته.

لقد حظي الرئيس ابو مازن بعلاقات واسعة وجيدة مع معظم الزعماء في أوروبا وهو مالم يحصل عليه لدى معظم الزعماء العرب, وجاءت هذه العلاقات نتيجة لسياسته التي انتهجها حتى في مراحل الصراع المسلح, وهي سياسة تعمل على تحرير فلسطين من خلال مواجهة سلمية دولية بالعمل مع أوروبا التي ذاقت مرارة حربين عالميتين ولاتريد حربا ثالثة, وبالتحديد بعد انهيار الكتلة الشرقية وتقريبا نهاية الحرب الباردة, وهنا قد يتساءل كثيرون, وهل يمكن أن تترك اسرائيل شبرا واحدا من أرض فلسطين دون استخدام القوة, وهنا أيضا يجيب البعض بنعم, لأن السياسة السلمية التي انتهجها الرئيس أبو مازن بمناهضته لأي تحرك فلسطيني مسلح هي التي أثمرت ببرودة العلاقات بين أوروبا واسرائيل, وهي التي أثمرت باعترافات لايستهان بها بالدولة الفلسطينية والمواجهة السلمية مع اسرائيل وانتصارنا في محافل دولية هامة كما حصل في اليونيسكو على سبيل المثال.

نعم ان معظم هذه النقاط تحسب للرئيس. كما أن صمود الرئيس الراحل ياسر عرفات يحسب لعرفات ولايحسب عليه, لأن هدف شارون كان التخلص من عرفات حتى لو أن عرفات منحه الضفة الغربية على صحن من ذهب, وكثيرا ما تكون لغة السلام قاتلة لصاحبها, ولهذا قامت اسرائيل باغتيال رابين وبتسميم عرفات, وكلاهما قرر اللجوء الى المواجهة السلمية وليس الى المواجهات العسكرية.

عندما وافق الرئيس أبو مازن على اقتراح بوش الابن بترشيح توني بلير ليكون منسقا للرباعية الدولية, بعد أن اضطر الأخير للخروج من منصبه كرئيس لوزراء بريطانيا العظمى, كان هدف بوش ليس محصورا في منح بلير وظيفة هامة جديدة فقط, ولكن لأنه يعرف بأن بلير لن يكون وسيطا نزيها, ولأن بلير يتمتع برؤية صهيونية بامتياز, ليست موجودة حتى لدى بعض الزعماء الأوروبيين المحافظين, ولذلك وبعد أن وافق الرئيس أبو مازن على هذا الاقتراح انتقده الكثيرون وأنا منهم, ونحن خبرنا بلير وانحيازه لاسرائيل أكثر فأكثر حينما استلم هذا المنصب وعندما كان رئيسا للوزراء, كما أننا نرى اليوم محالاته لتعميق الانقسام الفلسطيني واللعب على حباله. وهكذا نرى أيضا أن بلير يعمل كتاجر ومقاول ورجل أعمال وليس كسياسي, ولم يكن من الصواب الموافقة عليه وسيطا, فكيف يمكن الوثوق بشخص خاض حربا ظالمة نتائجها السلبية مازالت تعاني المنطقة العربية منها حتى اليوم, وذلك بناءا على كذبة كبرى استخدمها لتحريض شعبه وحكومته كي يغزو بلدا عربيا مهما , وأرسل جنوده البريطانيين الى الموت والاعاقة, واصبح متمتعا بثراء فاحش نتيجة تجارة ناجحة وسياسة حمقاء وفشل سياسي أدى به للخروج من رئاسة حكومته ليصبح منسقا للرباعية.

والآن أكرر رجائي للرئيس بعدم الاستقالة والتأكيد علنا بأنه لن يستقيل بحيث ينفي كل الاشاعات في هذا الخصوص وبعد أن نظف اللجنة التنفيذية من بعض أدرانها, واهم الأسباب التي تدفعني لهذا الرجاء هو خوفي على ازدياد حدة الصراع داخل اللجنة المركزية لخلافته ومن سيكون الرئيس بعده, ويؤدي هذا الصراع الى تصدع حركة فتح أكثر فأكثر والوصول اى مالاتحمد عقباه.

التعليقات