أغيثونا..والله الموفق

أغيثونا..والله الموفق
بقلم:آصف قزموز

رئيس بلدية نابلس، السوبر غسان الشكعة،الذي ملأ المكان نشاطاً وفعلاً على امتداد مساره الطويل، بدى متوجساً خيفة هذه المرة، بعد الاحتجاجات الجماهيرية العارمة التي أطاحت وطوحت به على ما يبدو، وإن على خلفية أزمة انقطاع المياه كسبب مباشر فيقول: لم أكن أعلم أن نابلس قد تغيرت هكذا !! ما يذكرني بمقولة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين حين دُهش مبهوتاً هو الآخر في لحظة سقوطه الذريع، فقال مخاطباً شعبه المحتج : الآن فهمتكم، أو وكأني بهما يجسدان ويستحضران موقف ذلك القاضي الذي خاطبه خليفة المسلمين قائلاً: أيها القاضي بِقُمْ قد عزلناك فَقُمْ. نعم قد عزلناك فقُمْ.
واضح أن الاستقالة الاستباقية التي أعلنها الرئيس المقال عمليا، هي مؤشر فاضح ليس على ما آلت إليه أمور إدارة البلدية والبلديات وحسب بل وإدارة البلاد بوجه عام، حيث فقدنا التوازن الاقتصادي والسياسي منذ زمن وما يعتري كل هذا الحال من قصور وحالات فساد إداري ومالي مستتر لكنه زكم الأنوف وأنطق السيوف. دعونا نضبط الأمور ونكف أيدي المتسيبين والحالات الفاسدة، لأن في ذلك صلاح أمرنا وإحباط خصومنا والمتربصين بقضيتنا ومصالح شعبنا التي تتهاوى في فوهات جيوبهم.
يا إخوان، عدم الحديث عن الفساد لا يعني عدم وجوده، بل إن وطنية المواطن في بلادنا تمنعه من التحدث به، ولكي لا يستفيد الأعداء فيفضل في الغالب السكوت وكظم الغيظ، يعني غلب بستيرة.
وبالتالي، يجب أن لا ننظر للقضية على أنها مجرد قضية رئيس بلدية ومجلس بلدي في مدينة وحسب، بل إن الأمر أخطر بكثير وأكثر شمولية مما بدا عليه وضع مدينة نابلس المحتجة كحالة، فالخراب عميم بوجه ذميم والقصور أعم وأذَمْ. ويجعل مشكلة المياه أعظم مصايبنا، لأن شِبِر المَيْ أو السِّكِر صاير زي صندوق أبو لَمْعَهْ مفتاحُه مش معانا.
لكن قبل كل شيء يجب أن نعترف بأن السيادة الوطنية في بلادنا منقوصة جداً إن لم نقل مسلوبة تماماً، وذلك بحكم حالة الاحتلال الشمولي المركب والمعقد المُستَتِر منه والبائن، التي تعيشها الأراضي الفلسطينية. لذا سيكون أمامنا والحالة هذه أحد احتمالين، فإما أن تمر أزمة نابلس باستبدال وجهٍ بوجه أو وجهاً بقفا والأمر سيان، وإما أن نجعل من هذه القضية الحدث شرارة لصيفٍ فلسطيني ساخن، يشعل النار ولو مرة تحت مراجل الإصلاح الإداري الجاد الذي يمكن أن يُعَمَّم ليطهر المؤسسة الفلسطينية من كل الشوائب وينقلها ولو للحدود الدنيا من القدرة على المشاركة الوطنية في تأمين وإدارة الخدمات الإدارية والحياتية للمواطن الفلسطيني، كي يعيش ونعيد له ولو الحد الأدنى الضروري من الأمان والأمن الغذائي، الذي ما زال عالقاً على ضفاف الفقر الذي يستبيح أُسَراً بأكملها.
وهنا أستذكر تلك الطرفة التي كنا نتداولها في سبعينيات القرن الماضي، حين ألَحَّ أحد المتطوعين على قائده بالسؤال عن الشهادة والاستشهاد في المعركة وما هو مصيره إذا استشهد في المعركة.
فيجيبه القائد قائلاً: إذا استشهدت في المعركة قدامك احتمالين، يا بتظيع جثتك في أرض المعركة، يا بيحملوها زملائك وبيرجعوها.
إذا ضاعت الجثة كان به، وإذا حملوها وجابوها، قدامك احتمالين، يابيحطوها بفستقيِّة زي ما هِييِّه، يا بيدفنوها تحت التراب. إذا حطوها بفُستقيِّه كان به، وإذا دفنوها تحت التراب قدامك احتمالين، يا بيزرعوا فوقك أشجار مثمرة، يا بيزرعوا أشجار غير مثمرة.
إذا زرعوا أشجار مثمرة كان به، وإذا زرعوا أشجار غير مثرة قدامك احتمالين، يا بيصنعوا منها خشب، يا بيصنعوا منها ورق. إذا أخذوها للخشب كان به، وإذا أخذوها لصناعة الورق قدامك احتمالين، يا بيصنعوا منها ورق للكتابة، يا بيصنعوا منها ورق للمحارم.
إذا عملوا منها ورق للكتابة كان به، وإذا عملوا منها ورق للمحارم قدامك احتمالين، يا بيعملوا منها محارم للأنف والإيدين، يا بيعملوا منها محارم للتواليت. إذا عملوا منها محارم للأنف والإيدين كان به، لكن إذا عملوا منها محارم تواليت قدامك احتمالين، يا بِيْمَسْحوا فيك من قُداَّم يا بيمَسْحوا فيك من وَرا، إذا مَسَّحوا فيك من قُداَّم كان به، وإذا مَسَّحوا فيك من وَرا، لَلْوَرا وستين وَرا.
ياإخوان ترقيع المُرَقّع بتركيع المُرَكَّع جوعاً، سياسة بائسة تقرب من الخيانة إن لم تكن بعينها، وسياسة تعظيم الذات والقدرات والانتصارات الوهمية أكذوبة ممجوجة، فالعمل بقضايا الناس وإدارة شؤونهم في خضم هذا الإخفاق، يتطلب الجرأة في الرّدع الإصلاحي البتار ومحاسبة الذات لصالح الناس ولو مرة. فكل رئيس بلدية أو مؤسسة رئيس في موقعه ويرأس عملياً جزءً من الشعب الفلسطيني.
علشان هيك قُدّامك احتمالين يا رَيِّس، وِالحَبل عالجرّار ما دامت البلديات عالغارِبْ.
[email protected]

التعليقات