متحف موسى طيبا يستقبل الزائرين يومي 15 و 16 آب

متحف موسى طيبا يستقبل الزائرين يومي 15 و 16 آب
رام الله - دنيا الوطن - محمد درويش
ولدت كما ولد الانسان وبدأ يكتشف مشقة أنانياته ويفكر جاهداً بما حوى: فملك وحاورر وكأنه ملك ولكنه لم يملك ولم يهتد ليبقى (سر ذكرى مع الأجيال) : لسؤال وجواب بين الذات والذات بكل ما أوتيا أو أتى أمام مرآة الفن “الطبيعة الإنسانية” لتستمر الحياة بالعمل والفلاح وتضىء بالألوان.

موسى طيبا
“موسى طيبا : حلمي أن تكون لي لوحة. فأفكار مجتمعي كثيرة والفنان مرآة مجتمعه، ومرآة العالم جميعه وكذلك الكون. افكاري، والوهم الذي اعيشه مصدره نفسي. لكن شكراً للموجودات التي بقربي. نفسي لن تعطيني إذا لم اشاهد ولم اتفاعل. الأوهام والانفعالات في مخيلتي لا تنتهي، فالانسان لا ينتهي. منذ آدم حتى اللحظة الإنسان واحد، وكذلك الكون. حتى ولو أصيب هذا الكون بخراب أو دمار، وقنابل وصواريخ. ولو أصيبت المجرات بهموم الحرب والاعتلاء على الأشياء، يبقى الانسان والكون والأرض الطيبة الخصبة واحدة.”

بتاريخ 18 آب 2014 غاب عن هذه الدنيا الفانية الفنان العالمي موسى طيبا، الذي وافته المنية في فرنسا، والذي طوى عقودا طويلة من الزمن كان أمضاها في الرسم. وكان موسى طيبا.. منذ نعومة أظافره وهو يحلم بالترحال. كانت رحلته الأولى من قريته الجنوبية تربيخا الى بيروت، أما رحلاته الاخرى، فلا تسل… من بيروت سافر الى فيينا ولندن وروما، وغيرها من المدن الاوروبية، واخيراً حط الرحال في فرنسا، وبالتحديد في شارتر بالغرب من باريس. ومنذ ذلك الحين، نجده تارة في شارتر حيث محترفه الفني، وطوراً في لبنان حيث متحفه ومعرضه الدائم في قرية قانا الجنوبية. اما حلمه الثاني والأهم، فهو الرسم الذي كان وراء تجواله من مكان الى آخر. ومع مرور الأيام، استطاع موسى طيبا ان يجد مكانه تحت الشمس، من خلال اعماله التجريدية التي لا تشبه أية اعمال اخرى، بحثاً عن غموض الكون واسرار الحياة، محاولاً تفسير ذلك عبر لغة الالوان الزاخرة ايضاً بالاسرار والغموض… والتجدد، وداوني بالتي كانت هي الداء!
موسى طيبا هذا الفنان الذي ترك بصمات عديدة بفرادة لوحاته وانسانيتها المتآتية من اختلاط الثقافات والحضارات هو المولود في فلسطين والمترعرع في قانا والمسافر الدائم في ارجاء العالم بحثا عن اضافة جديدة او صورة مبدعة ينقلها نحتا او رسما زيتيا او مائيا الى معارضه الدولية العديدة او متحفه الدائم في قانا .
يقع “متحف موسى طيبا للفن المعاصر” بين بيوت قانا الجريحة في قلب الجنوب اللبناني وعبر طريق ضيقة تكاد لا تلحظ ، ينتصب منزل تزين جدرانه تشكيلات ابتدعتها ريشة رسام اراد استباق الوقت قبل ان يدهمه فاقام لاعماله متحفا في منزل عائلته الكبير.
موسى طيبا ابن القرية الجنوبية التي ردد العالم صدى اسمها بعد مجزرتين دمويتين مرتكبهما واحد بفارق عشر سنوات (1996-2006) ، عاد الى بيت ابويه متأبطا لوحات شكلها على مدى نصف قرن تقريبا ، وتنقلت بين القرية والمدينة بيروت والمهجر الفرنسي.
وفي القرية التي تبعد نحو 95 كيلومترا من بيروت ، قال موسى طيبا آنذاك “اريد ان اعيش حياتي قبل ان انتهي”. وهو يروي كيف نشأ المتحف عام 2002 حتى بات اليوم يضم نحو 250 عملا.
وقال ايضا “كان بيتي متوفرا فجمعت فيه لوحاتي او ما تبقى منها. كنت ادعو اصدقائي لرؤيتها ثم كبر الحلم وكبرت الفكرة ، وتحقق المتحف” في المنزل الريفي الذي تنتصب بجواره شجرة سرو تفوقه عمرا في حديقة صغيرة تزينها شجرة ليمون والحبق. ويضم المتحف اعمال الفنان
على مدى خمسين عاما وبينها مجموعة من اعمال اصدقائه اللبنانيين والعالميين ومنها ثلاث لوحات اصلية لسلفادور دالي من ضمن مجموعة “الكوميديا الالهية” ولوحة غرافيك “مصارع الثيران” (ميتادور) لبيكاسو تحمل اثار لهيب حريق اجتاح منزله عام 1976 على خط التماس الفاصل بين شرق وغرب بيروت. “هذه اللوحة عاشت الحرب الاهلية ، وصمدت” ، قال عنها طيبا. ومن الطابق الاول الى الثالث تتدرج اعمال الاكواريل والغرافيك والنحت مع بعض الاعمال الزيتية منذ البدايات عام 1957 وصولا الى التجريد عام 2006 مرورا بالاشكال الهندسية التكعيبية ، الى جدارية “ابجدية ايلول” التي انتهى منها حديثا.
وتبدأ الجدارية باول حرف في الابجدية الفينيقية والذي يمثل رأس الثور او زهرة حواء ، ثم تتداخل الحروف مع حروف الابجدية العربية على جدار المنزل العتيق الذي يبلغ عمره اكثر من مئة سنة بارتفاع سبعة امتار وعرض نحو عشرين مترا ، ومع ظل شجرة السرو الذي رسمه طيبا على الحائط المقابل.
وليس غريبا ان تكون “مجزرة قانا” (1996) اول لوحة تم تعليقها في المتحف وهي تمثل شظايا رأس متناثرة او “صرخة: لماذا الموت بدمار الانسان” ، كما يقول الفنان. وليس بعيدا عن اللوحة تمثال من الرخام لبلدة قانا هو عبارة عن ورقة زيتون تتناثر حولها مكعبات تمثل “شهداء” البلدة التي تضم نحو خمسة الاف نسمة.
وفي صيف 2006 من 12 تموز الى 14 اب ، شنت اسرائيل حربا على لبنان خلفت دمارا كبيرا في الجنوب لا تزال اثاره ماثلة في المنازل المهدمة والطرقات المقطوعة بسبب الحفر الكبيرة التي تملأها. وقتل اكثر من عشرين شخصا معظمهم من الاطفال في قانا عندما استهدف القصف ملجأ ، فاعاد ذلك الى الاذهان مجزرة ذهب ضحيتها اكثر من مئة شخص في البلدة في 1996 كانوا يحتمون في مخيم اقامته الامم المتحدة لايوائهم من القصف الاسرائيلي.
وأكد حينها طيبا ان مبادرته فردية تماما وبتمويل شخصي. وافاد حينها انه “لم يتلقى اي دعم حتى الان من اي مؤسسة محلية او عالمية .. ان لم يحصل ولم اتمكن من المتابعة عندها سأحترم القدر ، القدر الذي اعادني الى هنا ، بعد سنوات من البعد والمهجر”.
واضاف “لا احد يستطيع ان يحمي شيئا. اسرائيل قصفت البلدة عدة مرات ولا يزال المتحف قائما. انا احتجزت خلال الحرب الاهلية سنة 1976 ولا ازال موجودا ، بيتي في بيروت احترق، تشردت وسرقت لوحاتي او احترقت ، ولكن موسى طيبا لا يزال موجودا. انا اؤمن بالقدر”.
موسى طيبا، هذا المواطن العالمي، المسافر من مكان الى آخر، كرّمته “الحركة الثقافية – انطلياس” في العام 2013 كعَلَم من أعلام الثقافة، حمل اصالته المشرقية الى اوروبا، مؤكداً بُعده العالمي في مجال الابداع الفني. وبرحيله يفتقد لبنان علماً من أعلام الفن ورمزاً من رموز الثقافة.

وبمناسبة الذكرى الأولى لرحيله يستقبل متحف موسى طيبا الزائرين مجاناً  يومي 15 و 16 آب من الساعة العاشرة صباحاً ولغاية السادسة مساءً.


التعليقات