تل الرميدة : حكاية صمود ..

تل الرميدة : حكاية صمود ..
الخليل – خاص دنيا الوطن – شيراز ماضي

على بعد أمتار من شارع بئر السبع في وسط مدينة الخليل، حيث أصوات الباعة والسيارات، والحركة التجارية النشطة، حاجز "الكونتينر" العسكري الذي يفصل منطقة تل الرميدة وشارع الشهداء عن باقي مدينة الخليل.

وأنت على الحاجز، إن نظرت للوراء ستجد الحياة والحركة التجارية، وإن نظرت للأمام ستجد العكس، ستجد منطقة قليلة السكان والحركة، تحيطها الحواجز والنقاط العسكرية من جميع الجهات والمداخل، وكاميرات المراقبة على أسطح المنازل.

منطقة تل الرميدة من أقدم مناطق مدينة الخليل، عليها توالت الحقب والأزمنة، والتي خلفت وراءها الآثار والتاريخ الدالّان على فلسطينية المنطقة، بدءاً بالعصر الحجزي النحاسي أي قبل 8000 عام مروراً بالعصر البرونزي فالروماني فالبيزنطي والإسلامي وغيرها.

سميت بتل الرميدة في عهد اليبوسيين، حيث كان اليبوسيون يخبزون الفخار المصنوع يدوياً في أفران كبيرة، وبعد عملية الخبز تنتج مادة تسمى رماداً، فاختلط الرماد بتراب الأرض، وحوّل لونه للون الرمادي، لهذا السبب سميت المنطقة بتل الرميدة.

عندما احتلت إسرائيل مدينة الخليل، عملت على تهوديها وبناء عدد من المستوطنات، كمستوطنة كريات أربع عام 1968، وعدد من البؤر الاستيطانية في قلب مدينة الخليل، كمستوطنة بيت هداسا على 1976، ومستوطنة بيت رومانو عام 1982، ومستوطنة رامات إيشاي (تل الرميدة) عام 1984.

بدأت المستوطنة بنقطة عسكرية، بحجة حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين الذين يسكنون مستوطنة بيت هداسا القريبة، ثم بدأت بتهويد كنيسة بيزنطية قديمة ومسجد وتحويلهما إلى مستوطنة، وبعد ذلك صادرت قوات الاحتلال والمستوطنون عدداً من أراضي السكان وبنوا عليها المستوطنة، كما وصادروا عدداً من بيوت الفلسطينيين، وجلبوا الكرفانات لاكمال التهويد المنطقة.

ويسكن تل الرميدة 20 عائلة يهودية مقابل 180 عائلة فلسطينية. وسكان المستوطنة لا يعملون بأي نوع من الوظائف، ويتقاضون راتباً شهرياً، مقابل بقائهم في هذه المنطقة، ومصادرة العديد من المساحات لصالح بناء المستوطنة.

يقول هشام العزة 42 عاماً ، وهو أحد أصحاب البيوت الملاصقة للمستوطنة لمراسلة دنيا الوطن: "عرض علي المستوطنون بيع بيتي مقابل 20 مليون دولار، وبعد رفضي لهذا العرض بدأت المعاناة، فأغلقوا جميع مداحل بيتي، وكنت أضطر لأن أسلك طريقاً فرعياً، وأتسلق جداراً بطول 6 أمتار لوصول منزلي، وقطعوا أنابيب المياه الواصلة لبيتي، فاضطررت لاستخدام الزجاجات لنقل المياه".

يتابع العزة والحرقة تملأ عينيه: "ضرب المستوطنون زوجتي وتسببوا في إجهاضها مرتين، وقطعوا جميع الأشجار المحيطة بمنزلي، وسمموها برش مواد كيماوية عليها، وتمكنوا من الدخول لمنزلي وتكسير جميع أثاثه، وضربي بالبنادق وتكسير أسناني".

وطالت المعاناة جميع من في المنطقة، الحاجة عزّية أبو عيشة 70 عاماً تقول لمراسلة دنيا الوطن: "والله يا خالتي جميع شبابيك منزلي مغلقة "بالشبك"، لأن المستوطنين كسروا زجاج الشبابيك أكثر من مرة، وبعد بناء المستوطنة بعدة سنوات أغلقوا مصنع سكب النحاس التابع لعائلتي، وحرموا 14 عائلة كانت تعمل فيه من مصدر زرقها الوحيد".

وتضيف الحاجة بعد تنهيدة طويلة: "لا يسمح للسيارات الخاصة وسيارات الإسعاف من الوصول للمنطقة أبداً، فكثير من النساء أنجبت على الحاجز العسكري، والكثير من الناس توفوا بسبب تأخر نقلهم للمشفى، بعد منع سيارة الإسعاف من الدخول للمنطقة".

وحتى الأطفال لم يسلموا من اعتداءات المستوطنين والجيش الإسرائيلي، الطفلة رؤى المحتسب 11 عاماً تقول وعلامات الحزن والبراءة في عينيها: "أنا ممنوعة أمر للجهة المقابلة من الحارة، ولو فكرت أمر بيعتدوا المستوطنون علي وبيضربوني".

يتابع العزة قائلاً: "يعتدي المستوطنون على الأطفال عند ذهابهم للمدارس، مما أدى بهم إلى اضطرابات نفسية وخوف شديد وتبول لا إرادي وعدم المقدرة على النوم ليلاً بسبب الكوابيس".

وستبقى منطقة تل الرميدة من أكثر المناطق مواجهة مع الاحتلال والمستوطنون، وسيبقى سكانها يسطرون بصمودهم أسمى معاني ارتباطهم بأرضهم وحبهم لها، كما ردد العزة قائلاً: "سنبقى نردد، إنا ها هنا صامدون فليرحل المستوطنون".