أطلس للدراسات: جريمة نابلس ليست الأولى ولن تكون الأخيرة

رام الله - دنيا الوطن
الجريمة التي ارتكبها مستوطنون يهود في قرية دوما الى الجنوب من مدينة نابلس، بحق الرضيع علي سعد دوابشة ذي الثمانية عشر شهرًا، حرقًا في منزله بإلقاء المولوتوف عليه وهو نائم في سريره وإصابة باقي أفراد أسرته، والداه وشقيقة بجروح خطيرة؛ ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وهي استمرار لجرائم الاحتلال ومستوطنيه من قتل وحرق واستيلاء على الأراضي ممتدة منذ نكبة 1948.

إدانة رئيس وزراء دولة الاحتلال وحكومته للجريمة الأخيرة، ووصفه إياها بالإرهابية، والحديث عن إجراءات عقابية بحق من قاموا بالعمل؛ ما هو الا محاولة من قبل قادة العدو لغسل اليد والاستعراض الدعائي لاحتواء الموقف وحالة الصدمة والاشمئزاز وموجة الغضب والشجب من دول وشعوب العالم.

لا بد من زرع الحقيقة، ووضع النقاط على الحروف، فجريمة القتل هذه والجرائم التي يرتكبها المستوطنون ليست خارج اللعبة، فإذا كان المستوطنون هم من ينفذ فإن الفاعل الحقيقي هو نتنياهو وحكومته التي توفر الاسناد والدعم المالي والتسليح والحماية، وتشرع بكل أنواع الوسائل والسبل لفعل الاستيطان وضم الأراضي. وزراء كبار في حكومة الاحتلال لا يتوقفون عن التحريض العلني ضد السكان الفلسطينيين، وتوفير الدعم المادي والاسناد السياسي والغطاء القانوني والحاضنة الاجتماعية والمرجعية الأيدلوجية لما تقوم به جماعات الاستيطان هذه من أعمال وجرائم، وعلى رأسهم رئيس "البيت اليهودي" ووزير التعليم نفتالي بينيت، ووزيرة ما يسمى "العدل" ايليت شاكيد التي تصفت الأطفال الفلسطينيين بـ "الأفاعي" وتدعو الى قتلهم، ووزير الأمن الداخلي ايلي دهان، الذي يطالب دومًا بعودة المستوطنين الى البؤر الاستيطانية التي تم اخلاؤها في شمال الضفة، اعتبر ان من حق اليهود الاستيطان في كل مكان من أرض فلسطين، نتنياهو نفسه صادق الأسبوع الماضي على بناء 3 الاف وحدة استيطانية في مستوطنة "بيت ايل" لاستجلاب رضاء المستوطنين الذين احتجوا على إخلاء بيتين أقاموهما على أرض فلسطينية  خاصة.

الجريمة على بشاعتها تأتي في سلسلة الجرائم التي يرتكبها الكيان الاسرائيلي بحقنا كفلسطينيين وعرب على هذه الأرض، والأمر في محصلته النهائية لا يعدو عن كونه تناوب أدوار بين قوات الاحتلال والمستوطنين لإلهائنا وترويضنا كي نقبل بالأمر الواقع وبالاستيطان.

في غضون الشهر الماضي؛ ارتكب الجيش الاسرائيلي جرائم قتل ذهب ضحيتها 7 شهداء بدم بارد، من بينهم أب يعيل أحد عشر طفلًا (فلاح أبو ماريا)، كان جريمته انه قذف الجنود بإناء صغير بعد ان أصابوا أحد أبنائه، فرد الجنود بقتله ميدانيًا، وما تعجز قوات الجيش والأمن عن تنفيذه، تنفذه عصابات المستوطنين، ومعلوم ان جماعات المستوطنين تشكل المستودع الانتخابي لقوى اليمين السياسية في الحكم.

منظمة "بتسيلم"، المنظمة الإسرائيلية الفاعلة في فضح الانتهاكات الإسرائيلية، اعتبرت أن جريمة دوما كانت متوقعة بسبب تحاشي فرض القانون على المستوطنين، وأن جريمة قتل الطفل علي وإصابة والدته ريهام وشقيقه أحمد بجراح بالغة كانت مسألة وقت لأن إسرائيل لا تكترث باعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين يوميًا، وتمنح الحصانة لمنفذي جرائم الكراهية وتشجعهم على مواصلتها.

وحسب معطيات "بتسيلم" فإنه وخلال السنوات الثلاث الأخيرة (منذ آب/ أغسطس 2012) نفذ المستوطنون عددًا من الجرائم، من بينها إحراق تسعة منازل في الضفة الغربية المحتلة دون أن تتم محاكمة أي من المجرمين.

صحيفة "هآرتس" تذكر انه منذ العام 2008 وحتى الآن تم تنفيذ 15 عملية حرق فظيعة لمنازل ومساجد، وأن شرطة الاحتلال وجهاز "الشاباك" لم يكتشفا المنفذين لأي من هذه الجرائم، وتشير الصحيفة الى ان الأمر ليس صدفة؛ بل هو سياسة موجهة من قبل أركان الحكم.

صحيفة "يديعوت احرونوت" تتحدث عن تحقيق يكشف ان لجان المستوطنين، الذين يدعو زعماؤهم الى تطهير البلاد من الأغيار (غير اليهود)، تعمل كمقاول للسلطات البلدية، وأن معظم ميزانياتها تأتي من الدولة، وعلى سبيل المثال تذكر الصحيفة ان الجماعة الاستيطانية في مستوطنة "بيت ايل" التي قامت مؤخرًا ببناء منزلين على أرض مملوكة لمواطن فلسطيني حصلت على مخصص 51 مليون شيكل من دائرة الاستيطان.

إن على السلطة الفلسطينية تحديدًا ان تتذكر ان مهمتها بالدرجة الأولى تتلخص في الدفاع عن شعبها بحمايته وتحقيق أهدافه، وألا تنظر الى الجريمة باعتبارها حدثًا عابرًا أو استثنائيًا وسرعان ما تعود الأمور الى مجراها الطبيعي كأن شيئًا لم يكن، إن عليها ان تحمل نتنياهو وحكومته كامل المسؤولية عن هذه الجريمة وكل الجرائم التي ترتكب بحق شعبنا بكل ما يترتب عن هذه المسؤولية، وأن تكشف زيف الدعاية الاسرائيلية التي تحاول ان تبرأ كيان الاحتلال عن مجموعات الاستيطان عندما تقع الواقعة، فما يهم الحكومة الاسرائيلية من وراء كل هذه الألاعيب هو ان يمضى مشروع الاستيطان.

وإن على الفصائل والقوى الفلسطينية أن تتوقف عن الزمجرة الخطابية الفارغة على منصات الإعلام والتلفزة والتوظيف المشين لدمنا كفلسطينيين في خصوماتها السياسية، وألا تبقى عالقة في حالة الجمود، وأن تتداعى لبلورة استراتيجية وطنية لوقف اعتداءات المستوطنين وتقديم اقتراحات ومبادرات عملية ومدروسة ترتكز على قدرات الشعب وطاقاته، وعلى الأقل لتوفير الحماية لأهلنا في مناطق التماس والاحتكاك مع المستوطنين، فبيانات الشجب والاستنكار وخطابات المزايدة واستجرار العواطف أصبحت ممجوجة ومملة، ودعوة المجتمع الدولي للتدخل لن تفيد شيئًا والتجربة خير شاهد.

إن علينا كقوىً سياسية وسلطة وطنية ومنظمات مجتمع مدني ان نتصرف بمسؤولية في ان نحسن التقاط الفرصة وموجة الغضب العالمية التي أثارتها جريمة محرقة الطفل علي دوابشة وعائلته لتسجيل نقاط لصالح القضية الفلسطينية، بما فيها التوجه لمحكمة الجنايات الدولية، والاستثمار في تعزيز حملة المقاطعة الدولية.