كانت غزة... وكانت بيروت (ح1)

كانت غزة... وكانت بيروت (ح1)
كتب د نبيل عمرو

هذه الـ "كانت" هي الحقيقة الاكثر سطوعا في واقع مدينتين لم تخلو كتب التاريخ القديم والحديث من ذكرهما كمراكز حضارية، فلقد تشاطرتا مع غيرهما من المدن الساحلية الكبرى حراسة المتوسط العربي وجسدتا حضورا مستمرا هزم اخطر عوامل التعرية السياسية والحربية وحتى المناخية .

هذا كله ينتسب الى الماضي، ويفتتح الكلام عن المدينتين بـ "كانت" اما ما هو حالهما الان فالامر مختلف تماما.

غزة..

تموت من البرد في الشتاء وتذبل حتى الغيبوية من الحر في الصيف، عذابها مستمر ولكل فصل من فصول سنتها ما يتفوق به على الفصل الذي سبقه من انواع العذاب المألوفة والاستثنائية.

غزة... مدينة الرمال الذهبية الناعمة "كانت" والمدينة الساحلية جارة البحر الابيض صاحبة انقى مرعى للسمك النظيف الخالي من التلوث " كانت" ، والمجتمع الحي والنشط، الذي قهر العزلة الجغرافية، بأن مد نفسه ليجسد حضورا في الوطن كله، ليس الفلسطيني بل العربي.

 غزة... التي صهرت مجتمعا متجانسا متكاملا لا يُسأل فيه احد عن مسقط رأسه ولا عن ملته ومعتقده، فأنتجت زعماء نوعيين في كل مجال كانوا جميعا يسبحون في بحرها النقي ويمارسون ادوراهم في جزء من الوطن وكأنه الوطن كله، غزة التي هي اعلى نسبة متعلمين في العالم ومصدرة الافكار القيمة، عابرة المدن والمجتمعات.

 وكل ما قلته عن غزة ما هو الا قطرة من بحرها الكبير فما هو حالها الان..

اقول بكل أسف ما لا نعرف اكثر وافدح بكثير مما نعرف ، موت بالجملة والمفرق، ماء لا يصلح للاستخدام الادمي ولا الحيواني، كهرباء يحتفل بحضورها ساعات قليلة في اليوم ويكابد الناس ويلات التكيف مع غيابها المتمادي، جيل في غزة يعتبر رفح هي اقصى حدودده مع الكون، وايريز لا يعبره الا المحظوظون بمعدل خمسة بالمليون من الغزيين ، وما وراء ايريز وطن غير موجود الا في الخيال وما وراء رفح عالم يُقرأ عنه في الكتب القديمة، هذا ما نعرف عن غزة الان وما لا نعرف اقسى وافدح.

في غزة برامج وشعارات واجندات واحلام مستحيلة بمرتبة الاوهام، وصبية يملأون الشوارع والحارات والمدارس، وطلبة وطالبات يتفوقون على نظرائهم في اي مكان، وجامعات بناها الغزيون ليتخرج الالاف منها ليستوطنوا الشوارع والانفاق والمليشيات فينسى الخريج ما تعلم ليجبر على تعلم امور اخرى.

 وفي غزة الضيقة كخرم ابرة، هزائم وانتصارات، والمعادلة هنا لا اعتراف بالهزائم من اجل ان نقع فيها مرة اخرى، ولا مجال الا الى ادعاء انتصارات اوقفتنا الف مرة على ابواب القدس، دون ان نجرؤ على الاعتراف باننا ابتعدنا كثيرا عنها ، الا ان الناس هناك الذين هم قطعة منا ونحن قطعة منهم، يظلون وبكل المقاييس حتى المجحفة منها والصارمة ، اكثر الفلسطينيين فلسطينية واخصب حقل انتج الوطنية العميقة والمنفتحة، وهذا ما يجعلنا نصوغ بلغة الدموع كلمة تقول، كانت غزة افضل الف مرة مما هي عليه الان، الا ان الجدار غير مغلق تماما، فيه نافذة امل خالدة لا تغلق ابدا، نافذة منطقية تقول للتاريخ، ان الغزي الذي صنع ما كان، يقدر ولو بعد حين ان يعيد ما صنع الى ما هو افضل منه.