الإعلام: لاجئات يعُدن إلى بعلين وحيفا وشحمة المدمرة
رام الله - دنيا الوطن
خصصت وزارة الإعلام واللجنة الشعبية للخدمات فيمخيم الفارعة الحلقة (39) من سلسلة "ذاكرة لا تصدأ" لعرض شهادات لثلاث نساء تجرعن مر النكبة، ولا زلن يحتفظن بفصولها الأليمة.
تعيد السبعينية زينب حسن جوابرة، بناء قريتها بعلين،قضاء غزة، وتعود إلى بيوت بلدتها وبساتينها وشوارعها وعاداتها ولحظات الاقتلاعمنها.تقول: ولدتعام 1942، وكان بيت جدي المختار جبر حسن جوابرة، وفيه عدة غرف متجاورة من الطينومسقوفة من قصب وادي البرشين القريب، وتل الصافي، وتتوسطه ساحة كبيرة، وسكنته أربععائلات، وقبل وقت قصير من النكبة رمم أبي البيت، وكنا نعيش معاً ونأكل على مائدةواحدة، في منزل تعلوه عدة أقواس.
هوى بعلين
تكمل: كانت مساكن القرية متراصة، ومبنية بشكلدائري، ووسطها ساحات وممرات ضيقة، فيما سطوحها المسقوفة بالطين والقصب متجاورة،ولم يكن يصعد لها الرجال لترميمها قبل الشتاء، إلا بعد أخذ إذن من الجيران؛ لعدمالكشف عن النساء. أما محيط المساكن فكان من بساتين وكروم العنب والتفاح واللوزيات،ولكل واحد من الأهالي "حاكورة" مقابل بيته. فيما زرع الأهالي السمسموالقمح والذرة البيضاء، التي كانت تصير خبزا يُسمى(الكراديش).مما تحتفظ به كيف أن جدتها الحاجة صفية، كانت تحرصعلى إكرام ضيوف المختار، وفي ذات مرة، قدم غرباء كانوا يحصون السكان، فنادت أول ماشاهدتهم الرعي ليذبح خاروفاً، لكنهم طلبوا منها أن تكتفي بتجهيز طبق المفرومة وكانت الأزياء الأثواب المطرزة،وبألوان بيضاء وزرقاء وسوداء، وللرأس غطاء أبيض (الغُدقة)، وكنا ننسجها بأيدينا،ونتعلم التطريز في سن مبكر.انقلب حال القرية صيف عام 1948، وشرع الأهالي بالخروج منها نحو كرومهم أول الأمر، لكنهم سرعان ما خرجوا منها. واختارتعائلة جوابرة الذهاب نحو(دير الغربان) حيث عمتهم، وما أن وصلوها إلا وجدوها تستعدللرحيل، فخرجت الأم كما الأهالي، نحو الخليل.
كانت زينب تمسك بثوب أمها من جهة، وشقيقها عونيالذي يكبرها بسنتين من جهة أخرى، والثاني على رقبتها، والرضيع محمد في حضنها، فيمارفض عمها أحمد الخروج. وأخذت العائلة تسير وسط الظلام، دون أن تدري أين تذهب، إلىأن فقدت عوني.تقول الحاجة زينب: سألتني أمي عن أخي، فقلت لها إنهيمسك بثوبها، فلم تجده، وصارت تصرخ وتقول ضاع عوني، وكنا في وادٍ، وسمعنا جوابًامن بعيد، يقول إن عوني مع أم يوسف. وفي الصباح لحقنا أبي، بعد أن انتهت ذخيرته،ورجع للبحث عن أخي، ولم نجده إلا بعد 3 أيام. ووصلنا لبيت جبرين، ثم أخرجونامنها، وواصلنا المشي إلى ترقوميا وأذنا، ثم إلى الخليل، وأقمنا في حلحول شهراً،ولم نجد ماءً، وانتقلنا لعقبة جبر، ولم نجد خياماً، وجلسنا في العراء، وفاعتالعقارب علينا، وتوفي الطفل مصطفى إسماعيل بلدغة منها.
وصار الناس يشتكون منالعقارب، وحين جاء المسؤولون، رأيتهم وهم يُنزلون خيوطا في شقوق الأرض، لتخرجبعقربين، وطلعنا من العوجا إلى الفارعة، ووصلناها بعد أكثر من سنة ونصف من رحلينا.غرام حيفاتشتعل رابعة رشيد أبو يونس حنينًا لحي الحلّيصة بحيفا. فترحل إلى المدرسةوالمسجد والسوق، وتستذكر حكاية انتقالها للعيش في منزل جدتها بوادي الصليب بعدرحيل والدها، كما تقصت حكاية جدها عبد الله، الذي طارده الاحتلال البريطاني. تقول وهي تسير بتثاقل بفعل المرض: البحروالهادار والكرمل كلها جنة الله على أرضه.تتابع: ولدت يوم 13 تشرينثاني 1933 في الحليصة، وكان بيتنا كبيراً وفيه أربع غرف وصالة واسعة، ومذياع خشبيكبير، وبنى جدي فوق منزلنا مسجداً باسمه، فيما كانت بجوارنا المدرسة الابتدائية،وكنا نُقابل الهادار والبحر.
وكان والدي يعمل أمامًا وخطيبًا ومعلمًا ومؤذنًاأيضًا، وقد تخرّج من جامع الأزهر بمصر. أما والدتي مريم محمد الشخشير فكانت ربةمنزل. ولي ثلاث أخوات: كلثوم، وزبيدة، وآمنة، وثلاثة أخوة ( شفيق، وحسن، ورايق).تعلمت رابعة حتى الصفالرابع الابتدائي بالحلّيصة، ثم انتقلت بعد رحيل والدها إلى منزل جدتها فاطمةبوادي الصليب، ودرستها فيها لسنتين، فيما تعلمت أختها زبيدة فنون الخياطةوالتطريز؛ لإعانة عائلتها بعد رحيل والدها.تبوح كان جدي من رفاق الشيخ عز الدين القسّام، وقدتعرض لملاحقة الإنجليز، الذين اعتقلوا والدي عام 1943، وأعلنوا أنهم لن يفرجوا عنهإلا بتسليم جدي نفسه لهم، واستمر احتجاز أبي ستة أشهر، فمرض في السجن، ثم رحل عناوعمره 37 سنة، بينما فر جدي إلى الشام عن طريق الرمثا، وكان يزود الثوار بالسلاح،وتوفي هناك بعد عام تقريباً.
تزيد: من المشاهد التيأذكرها في حيفا، الحنطور، ( عربة مغطاة ومربوطة بحصانين) الذي كنا نركبه خلالتنقلنا بين أحياء مدينتا، وباص (نمرة واحد) الذي كان يمر من جانب بتنا، وسكةالحديد. ولا أنسى زي المدرسة ألزرق للأولاد والثوب السكني للبنات. وتعيش معيذكريات أمي التي كانت تطبخ اليقطين المحشي، ولحم قص الخروف، والطرفان. وأتذكرأيضًا أيام العيد حين كان أبي وأعمامي يوزعون علينا ربع جنيه ونصف جنيه فلسطيني،وبعض البنات ميسورات الحال كن يحصلن على جنيه كامل. أما في مواسم خميس البيضللموتى (أول يوم خميس يمر بعد الوفاة)، كان الناس يوزعون 200 بيضة مسلوقة وملونةعن روح أمواتهم.
وقبل سنوات من النكبة، وصلت لبيوتنا شبكة المياه والكهرباء، ولمنكن نذهب للبحر إلا في المناسبات.تحافظ أبو يونس على عاداتحيفا وتقاليدها، وتجيد صناعة أطباقها، ولا زالت تحتفظ بصورة جدها النادرة، وبعضالمقتنيات القديمة منها، فيما تحول منزل عائلتها ذاته المبني من الحجارة إلىالمستوطنين، وقد زارته قبل سنوات، وشعرت بالمرارة على ما حدث له.وبحسب أم الناجي، فقدانتشرت جرائم العصابات الصهيونية في حيفا، وكانت شاهدة على إلقاء القنابل اليدويةعلى السيارات والبيوت، وشاهدت بعينيها إطلاق النار على المصلين في مسجد جدها، وقتلعدد منهم، بينهم الإمام الشيخ صالح من إجزم وقت صلاة الفجر.تروي حكاية اقتلاعها: كاناليهود يضربون بالهادار، واقترح علينا خطيب أختي( نظمي أبو بكر) أن نخرج إلى جنين،حتى تهدأ الأوضاع، وأخذنا معنا بعض الملابس وعدد قليل من ألأغطية والأواني، وأخذنامركبة مع أخوتي وأمي، وكانت الدنيا قايمة قاعدة)، واستطعنا الوصل إلى يعبد. وأقمنا فيها سنتين، وحينما شحت المياه فيسنة محل، كان الأهالي يقولون لنا (أطلبوا منا تنكة زيت، ولا تطلبوا الماء)،فانتقلنا إلى أقرباء أمي في نابلس، وبقيت فيها، وتعلمت اللغة الإنجليزية، والتمريضفي المستشفى الإنجيلي، وتزوجت عام 1957، وأمضينا سنتين في جنين وطوباس، ثم انتقلناللكويت حتى عام 1966، وعدت إلى طوباس، وأسست جمعيتها الخيرية، وترأستها 25 سنة،وخضت أول تجربة انتخابات بلدية عام 1976.جرحشحمةتسرد آمنة يوسف حسن أبو هنية( 88 عاماً) : بلدنا شحمةجنوب الرملة. وتحيطها قطرة، وبشييت، والمسمية، ويبنة، وبنتبريطانيا مطاراً عسكرياً شمال القرية، عُرف باسم مطار عاقر. وأقامت معسكرًا فوقأراض القشّة ونجيلة. وكانت أرضنا رملية، وكان أبييزرع الكرسنة والعدس والسمسم والخضروات، ولا أنسى الخيول والجمال التي انتشرت فيشحمة، ومواسم البيادر، حيث كانت الدواب تجر ألواح الدراس الخشبية لتنظيف القمحوالشعير من القش.تستذكر: كان سيدي حسن أول مختار للبلد، ثم انتقلتالمخترة لحسن شاهين وعبد الله محمود معاً، ومن العائلات في شحمة: حسن, والقريناوي,وعوض، وخضر, وكتكت, والمذكر, وشاهين, وأبو هنية, والمحشي, والحتاوي, واليخري,والراعي. وكنا نلبس الأثواب المطرزةبالأبيض والأسود وأحياناً الأزرق والأحمر والأخضر، ونضع الغُدقة والعصبة على الرأس.وكان مهر العروس خمس جنيهات، أو ليرة ذهب واحدة، وفي وقت الفرح، كانتتطارد الخيل أمام الناس، وتأتي النوريات للرقص على الحبال( استعراض يشبه السيرك)ونغني 7 أيام بلياليهن، وأذكر أن عائلة محمود عبد الله غنت لابنها 30 يوماً.مما يلتصق بآمنة من أغنيات للعرس: "( عالعلندة العلندة/ كله من شانك يا علي انته/ وهي يا زين الحلا وقف تشوف/ في بلدناتعليلة وزفة عروس/ وهي يا زين الحلا يا أبو الغزلان/ في بلدنا تعلية وزفة صبيان). ولاتنسى مواسم العيد، حين كان الأهالي يتوجهون إلى البحر، فيُركّبون الأطفال والنساءعلى الجمال، ويخيّمون على الشاطئ عدة أيام، يأكلون ويفرحون ويلعبون."تقول: كان لزوجي بئر ماء، وحين قررنا الرحيل بعدهجوم اليهود، عاد لإطفاء الماتور، وقال: هي يوم أو يوم ونعود. ثم واصلنا، وكانتالناس حافية، وطلعت في ملابسها، وكان صوت البارود خلفنا، وسمعنا عن نساء حملنالمخدات بدل أولادهن من شدة الخوف. وأخفت أمي الكواشين والذهب والمصاري في العقود.وركبت أنا وأختي صبحية على الحمار، وركب أخوتي وأبي على الخيل. وشاهدنا امرأةمقتولة على جانب الطريق. ورأينا عجوزاً رفضت مغادرة منزلها، بعد أن حرقها اليهودداخله.فرت العائلة وأهالي شحمة نحو خربة (مغلس)، ثم إلىبيت جبرين، فعجور، ثم وصلنا بني نعيم ، وسكنا فترة في المُغر، وأثلجت الدنيا عليناوكسرت الزيتون من قوته، وكان جارنا شاكر عوض محاصراً في المغارة، وصار يطلق النارليفتح الطريق بالثلج.توثيق مرئيبدوره أشار منسق وزارة الإعلام في طوباس، عبد الباسط خلف، إلى أنالوزارة أنتجت إحدى عشرة ومضة تلفزيونية لخصت فصول النكبة بقالب مرئي، عبر شهادات قصيرة تقطر وجعًا وحنينًالمدينتي حيفا ويافا، وبلدة الفالوجة (قضاء غزة)، وقرى صبارين وبريكة وعين غزالوالغبية الفوقا والريحانية (بجوار حيفا)، وبعلين (قضاء غزة)، وقاقون ( بمحاذاة طولكرم)،ونورس ( المتاخمة لجنين).وأضاف إن الوزارة السلسلة وثقت منذ إطلاقها 50 شهادة لنساء ورجال منمدن وبلدات دمرت عام 1948، وأعادت بناء تفاصيل صغيرة لأحوالها وعاداتها وتقاليدها وأفراحها وأحزانها وسائر وأشكال الحياة فيها.
خصصت وزارة الإعلام واللجنة الشعبية للخدمات فيمخيم الفارعة الحلقة (39) من سلسلة "ذاكرة لا تصدأ" لعرض شهادات لثلاث نساء تجرعن مر النكبة، ولا زلن يحتفظن بفصولها الأليمة.
تعيد السبعينية زينب حسن جوابرة، بناء قريتها بعلين،قضاء غزة، وتعود إلى بيوت بلدتها وبساتينها وشوارعها وعاداتها ولحظات الاقتلاعمنها.تقول: ولدتعام 1942، وكان بيت جدي المختار جبر حسن جوابرة، وفيه عدة غرف متجاورة من الطينومسقوفة من قصب وادي البرشين القريب، وتل الصافي، وتتوسطه ساحة كبيرة، وسكنته أربععائلات، وقبل وقت قصير من النكبة رمم أبي البيت، وكنا نعيش معاً ونأكل على مائدةواحدة، في منزل تعلوه عدة أقواس.
هوى بعلين
تكمل: كانت مساكن القرية متراصة، ومبنية بشكلدائري، ووسطها ساحات وممرات ضيقة، فيما سطوحها المسقوفة بالطين والقصب متجاورة،ولم يكن يصعد لها الرجال لترميمها قبل الشتاء، إلا بعد أخذ إذن من الجيران؛ لعدمالكشف عن النساء. أما محيط المساكن فكان من بساتين وكروم العنب والتفاح واللوزيات،ولكل واحد من الأهالي "حاكورة" مقابل بيته. فيما زرع الأهالي السمسموالقمح والذرة البيضاء، التي كانت تصير خبزا يُسمى(الكراديش).مما تحتفظ به كيف أن جدتها الحاجة صفية، كانت تحرصعلى إكرام ضيوف المختار، وفي ذات مرة، قدم غرباء كانوا يحصون السكان، فنادت أول ماشاهدتهم الرعي ليذبح خاروفاً، لكنهم طلبوا منها أن تكتفي بتجهيز طبق المفرومة وكانت الأزياء الأثواب المطرزة،وبألوان بيضاء وزرقاء وسوداء، وللرأس غطاء أبيض (الغُدقة)، وكنا ننسجها بأيدينا،ونتعلم التطريز في سن مبكر.انقلب حال القرية صيف عام 1948، وشرع الأهالي بالخروج منها نحو كرومهم أول الأمر، لكنهم سرعان ما خرجوا منها. واختارتعائلة جوابرة الذهاب نحو(دير الغربان) حيث عمتهم، وما أن وصلوها إلا وجدوها تستعدللرحيل، فخرجت الأم كما الأهالي، نحو الخليل.
كانت زينب تمسك بثوب أمها من جهة، وشقيقها عونيالذي يكبرها بسنتين من جهة أخرى، والثاني على رقبتها، والرضيع محمد في حضنها، فيمارفض عمها أحمد الخروج. وأخذت العائلة تسير وسط الظلام، دون أن تدري أين تذهب، إلىأن فقدت عوني.تقول الحاجة زينب: سألتني أمي عن أخي، فقلت لها إنهيمسك بثوبها، فلم تجده، وصارت تصرخ وتقول ضاع عوني، وكنا في وادٍ، وسمعنا جوابًامن بعيد، يقول إن عوني مع أم يوسف. وفي الصباح لحقنا أبي، بعد أن انتهت ذخيرته،ورجع للبحث عن أخي، ولم نجده إلا بعد 3 أيام. ووصلنا لبيت جبرين، ثم أخرجونامنها، وواصلنا المشي إلى ترقوميا وأذنا، ثم إلى الخليل، وأقمنا في حلحول شهراً،ولم نجد ماءً، وانتقلنا لعقبة جبر، ولم نجد خياماً، وجلسنا في العراء، وفاعتالعقارب علينا، وتوفي الطفل مصطفى إسماعيل بلدغة منها.
وصار الناس يشتكون منالعقارب، وحين جاء المسؤولون، رأيتهم وهم يُنزلون خيوطا في شقوق الأرض، لتخرجبعقربين، وطلعنا من العوجا إلى الفارعة، ووصلناها بعد أكثر من سنة ونصف من رحلينا.غرام حيفاتشتعل رابعة رشيد أبو يونس حنينًا لحي الحلّيصة بحيفا. فترحل إلى المدرسةوالمسجد والسوق، وتستذكر حكاية انتقالها للعيش في منزل جدتها بوادي الصليب بعدرحيل والدها، كما تقصت حكاية جدها عبد الله، الذي طارده الاحتلال البريطاني. تقول وهي تسير بتثاقل بفعل المرض: البحروالهادار والكرمل كلها جنة الله على أرضه.تتابع: ولدت يوم 13 تشرينثاني 1933 في الحليصة، وكان بيتنا كبيراً وفيه أربع غرف وصالة واسعة، ومذياع خشبيكبير، وبنى جدي فوق منزلنا مسجداً باسمه، فيما كانت بجوارنا المدرسة الابتدائية،وكنا نُقابل الهادار والبحر.
وكان والدي يعمل أمامًا وخطيبًا ومعلمًا ومؤذنًاأيضًا، وقد تخرّج من جامع الأزهر بمصر. أما والدتي مريم محمد الشخشير فكانت ربةمنزل. ولي ثلاث أخوات: كلثوم، وزبيدة، وآمنة، وثلاثة أخوة ( شفيق، وحسن، ورايق).تعلمت رابعة حتى الصفالرابع الابتدائي بالحلّيصة، ثم انتقلت بعد رحيل والدها إلى منزل جدتها فاطمةبوادي الصليب، ودرستها فيها لسنتين، فيما تعلمت أختها زبيدة فنون الخياطةوالتطريز؛ لإعانة عائلتها بعد رحيل والدها.تبوح كان جدي من رفاق الشيخ عز الدين القسّام، وقدتعرض لملاحقة الإنجليز، الذين اعتقلوا والدي عام 1943، وأعلنوا أنهم لن يفرجوا عنهإلا بتسليم جدي نفسه لهم، واستمر احتجاز أبي ستة أشهر، فمرض في السجن، ثم رحل عناوعمره 37 سنة، بينما فر جدي إلى الشام عن طريق الرمثا، وكان يزود الثوار بالسلاح،وتوفي هناك بعد عام تقريباً.
تزيد: من المشاهد التيأذكرها في حيفا، الحنطور، ( عربة مغطاة ومربوطة بحصانين) الذي كنا نركبه خلالتنقلنا بين أحياء مدينتا، وباص (نمرة واحد) الذي كان يمر من جانب بتنا، وسكةالحديد. ولا أنسى زي المدرسة ألزرق للأولاد والثوب السكني للبنات. وتعيش معيذكريات أمي التي كانت تطبخ اليقطين المحشي، ولحم قص الخروف، والطرفان. وأتذكرأيضًا أيام العيد حين كان أبي وأعمامي يوزعون علينا ربع جنيه ونصف جنيه فلسطيني،وبعض البنات ميسورات الحال كن يحصلن على جنيه كامل. أما في مواسم خميس البيضللموتى (أول يوم خميس يمر بعد الوفاة)، كان الناس يوزعون 200 بيضة مسلوقة وملونةعن روح أمواتهم.
وقبل سنوات من النكبة، وصلت لبيوتنا شبكة المياه والكهرباء، ولمنكن نذهب للبحر إلا في المناسبات.تحافظ أبو يونس على عاداتحيفا وتقاليدها، وتجيد صناعة أطباقها، ولا زالت تحتفظ بصورة جدها النادرة، وبعضالمقتنيات القديمة منها، فيما تحول منزل عائلتها ذاته المبني من الحجارة إلىالمستوطنين، وقد زارته قبل سنوات، وشعرت بالمرارة على ما حدث له.وبحسب أم الناجي، فقدانتشرت جرائم العصابات الصهيونية في حيفا، وكانت شاهدة على إلقاء القنابل اليدويةعلى السيارات والبيوت، وشاهدت بعينيها إطلاق النار على المصلين في مسجد جدها، وقتلعدد منهم، بينهم الإمام الشيخ صالح من إجزم وقت صلاة الفجر.تروي حكاية اقتلاعها: كاناليهود يضربون بالهادار، واقترح علينا خطيب أختي( نظمي أبو بكر) أن نخرج إلى جنين،حتى تهدأ الأوضاع، وأخذنا معنا بعض الملابس وعدد قليل من ألأغطية والأواني، وأخذنامركبة مع أخوتي وأمي، وكانت الدنيا قايمة قاعدة)، واستطعنا الوصل إلى يعبد. وأقمنا فيها سنتين، وحينما شحت المياه فيسنة محل، كان الأهالي يقولون لنا (أطلبوا منا تنكة زيت، ولا تطلبوا الماء)،فانتقلنا إلى أقرباء أمي في نابلس، وبقيت فيها، وتعلمت اللغة الإنجليزية، والتمريضفي المستشفى الإنجيلي، وتزوجت عام 1957، وأمضينا سنتين في جنين وطوباس، ثم انتقلناللكويت حتى عام 1966، وعدت إلى طوباس، وأسست جمعيتها الخيرية، وترأستها 25 سنة،وخضت أول تجربة انتخابات بلدية عام 1976.جرحشحمةتسرد آمنة يوسف حسن أبو هنية( 88 عاماً) : بلدنا شحمةجنوب الرملة. وتحيطها قطرة، وبشييت، والمسمية، ويبنة، وبنتبريطانيا مطاراً عسكرياً شمال القرية، عُرف باسم مطار عاقر. وأقامت معسكرًا فوقأراض القشّة ونجيلة. وكانت أرضنا رملية، وكان أبييزرع الكرسنة والعدس والسمسم والخضروات، ولا أنسى الخيول والجمال التي انتشرت فيشحمة، ومواسم البيادر، حيث كانت الدواب تجر ألواح الدراس الخشبية لتنظيف القمحوالشعير من القش.تستذكر: كان سيدي حسن أول مختار للبلد، ثم انتقلتالمخترة لحسن شاهين وعبد الله محمود معاً، ومن العائلات في شحمة: حسن, والقريناوي,وعوض، وخضر, وكتكت, والمذكر, وشاهين, وأبو هنية, والمحشي, والحتاوي, واليخري,والراعي. وكنا نلبس الأثواب المطرزةبالأبيض والأسود وأحياناً الأزرق والأحمر والأخضر، ونضع الغُدقة والعصبة على الرأس.وكان مهر العروس خمس جنيهات، أو ليرة ذهب واحدة، وفي وقت الفرح، كانتتطارد الخيل أمام الناس، وتأتي النوريات للرقص على الحبال( استعراض يشبه السيرك)ونغني 7 أيام بلياليهن، وأذكر أن عائلة محمود عبد الله غنت لابنها 30 يوماً.مما يلتصق بآمنة من أغنيات للعرس: "( عالعلندة العلندة/ كله من شانك يا علي انته/ وهي يا زين الحلا وقف تشوف/ في بلدناتعليلة وزفة عروس/ وهي يا زين الحلا يا أبو الغزلان/ في بلدنا تعلية وزفة صبيان). ولاتنسى مواسم العيد، حين كان الأهالي يتوجهون إلى البحر، فيُركّبون الأطفال والنساءعلى الجمال، ويخيّمون على الشاطئ عدة أيام، يأكلون ويفرحون ويلعبون."تقول: كان لزوجي بئر ماء، وحين قررنا الرحيل بعدهجوم اليهود، عاد لإطفاء الماتور، وقال: هي يوم أو يوم ونعود. ثم واصلنا، وكانتالناس حافية، وطلعت في ملابسها، وكان صوت البارود خلفنا، وسمعنا عن نساء حملنالمخدات بدل أولادهن من شدة الخوف. وأخفت أمي الكواشين والذهب والمصاري في العقود.وركبت أنا وأختي صبحية على الحمار، وركب أخوتي وأبي على الخيل. وشاهدنا امرأةمقتولة على جانب الطريق. ورأينا عجوزاً رفضت مغادرة منزلها، بعد أن حرقها اليهودداخله.فرت العائلة وأهالي شحمة نحو خربة (مغلس)، ثم إلىبيت جبرين، فعجور، ثم وصلنا بني نعيم ، وسكنا فترة في المُغر، وأثلجت الدنيا عليناوكسرت الزيتون من قوته، وكان جارنا شاكر عوض محاصراً في المغارة، وصار يطلق النارليفتح الطريق بالثلج.توثيق مرئيبدوره أشار منسق وزارة الإعلام في طوباس، عبد الباسط خلف، إلى أنالوزارة أنتجت إحدى عشرة ومضة تلفزيونية لخصت فصول النكبة بقالب مرئي، عبر شهادات قصيرة تقطر وجعًا وحنينًالمدينتي حيفا ويافا، وبلدة الفالوجة (قضاء غزة)، وقرى صبارين وبريكة وعين غزالوالغبية الفوقا والريحانية (بجوار حيفا)، وبعلين (قضاء غزة)، وقاقون ( بمحاذاة طولكرم)،ونورس ( المتاخمة لجنين).وأضاف إن الوزارة السلسلة وثقت منذ إطلاقها 50 شهادة لنساء ورجال منمدن وبلدات دمرت عام 1948، وأعادت بناء تفاصيل صغيرة لأحوالها وعاداتها وتقاليدها وأفراحها وأحزانها وسائر وأشكال الحياة فيها.
