الشرعية لن تدفع الثمن

الشرعية لن تدفع الثمن
عمر حلمي الغول

في عالم السياسة لا ثابت ابدا، المواقف والتحالفات تتغير بتغير الشروط السياسية بين لحظة واخرى، الثابت والناظم لمواقف الدول والقادة والاحزاب والقوى، هو المصالح العليا لهذا البلد او ذاك الحزب. وبالتالي حليف اليوم، عدو الغد او العكس صحيح. ومن يركن على تحالفات لحظة سياسية بعينها من الملوك او الرؤساء او قادة الاحزاب والقوى والفصائل السياسية، يكون غير جدير بموقعه، ولا يعي الف باء فن السياسة. حتى اصحاب المبادىء الكبيرة في المنعطفات النوعية، مطالبين باعادة نظر في تحالفاتهم ومحددات برامجهم السياسية.

اضف إلى ان القائد المبدع اي كان موقعه، هو من يجيد فن المناورة وإدارة السياسة الوطنية من خلال إستشراف الواقع والسيناريوهات المفترضة، ليتعامل مع المتغيرات بفطنة عالية، ويعيد النظر بادواته واشكال نضاله، وقادر في الامساك بزمام الامور، وقلب الطاولة رأسا على عقب عندما تستدعي الضرورة دفاعا عن الذات والمصالح الوطنية او القومية.

بالمقابل القائد الناجح، هو القائد، الذي يمتلك اعصاب باردة جدا، لا تستفزة المواقف والمتغيرات الجارحة او المسيئة والمحبطة، ولا يتخذ مواقف متطيرة وانفعالية تحت تأثير ردة فعل. والعمل بهدوء ودرجة عالية من التخطيط مع فريق العمل او المطبخ السياسي لتجاوز التأثيرات السلبية لموقف هذه الدولة او ذلك الائتلاف او المجموعة الاقليمية او الدولية بأقل الخسائر.

وبالانتقال من التجريد للوقائع الملموسة، يمكن تسليط الضوء على تشهده الساحة الفلسطينية، حيث تتعرض الشرعية الوطنية للتهميش والضفوط والسياسات غير الايجابية من قبل دول عربية واقليمية ودولية بما فيها اسرائيل، والدفع بقيادة الانقلاب الحمساوية للامام على حسابها، والتساوق مع مشروعها ومخططها، المتناغم مع الاهداف الاميركية والاسرائيلية وبعض العربية والاقليمية. وكأن هذه القوى، تقول "وداعا" للنظام السياسي الفلسطيني، الذي قادته منظمة التحرير الفلسطينيى على مدار العقود الخمسة الماضية. والشواهد الاسرائيلية والاميركية والعربية والاسلامية كثيرة، وجميعها تصب في الاتجاه التصفوي للشرعية الوطنية المنتخبة.

مما يضاعف من التحديات المفروضة على الرئيس عباس واللجنة التنفيذية للمنظمة وكل مكونات منظمة التحرير. الامر الذي يفرض على القيادة الفلسطينية، التوقف امام التطورات الخطيرة، التي تجري على الساحة العربية والاسرائيلية، ودراسة تداعياتها، التي تضرب في الصميم المشروع الوطني في مقتل.

وهنا لا يجوز الانتظار كثيرا، ولا يمكن القبول ببقاء الحال على ما هو عليه او بتعبير ادق، التعامل بذات الاليات والخطاب السياسي الناظم للتكتيك والاستراتيجية الفلسطينية. آن الآوان في هذه اللحظة لقلب الامور رأسا على عقب. وتحمل المسؤوليات الوطنية والتاريخية لانفقاذ المشروع الوطني من المخطط التصفوي المعد له. وبقدر ما تتعامل القيادة بحكمة وشجاعة، بقدر ما توقف المهزلة الجارية، المستهدفة منظمة التحرير تحت ذرائع وحجج واهية لا تمت للقضية الفلسطينية ولا للمصلحة القومية بصلة.  

القيادة الفلسطينية معنية وحريصة على مصالح الشعوب العربية والامن القومي العربي. ولكن المصالح العليا للشعب العربي الفلسطيني، لها الاولوية على ما عداها. وإذا إفترض البعض من العرب، انه قادر على لي الذراع الفلسطينية، ويستطيع ان يدفع الشرعية الثمن، فانه مخطىء، ولم يتعلم من تجارب التاريخ القريب والبعيد.

فلسطين وممثلها الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، ليست معنية بخسارة اي دولة شقيقة. غير انها لن تكون لقمة سائغة، وستكون صعبة العسر على من يحاول التطاول عليها.

[email protected]

[email protected]