عاجل

  • مجلس الوزراء: وزارة المالية سَتُصدر بيانًا تفصيليًا حول صرف دفعة من الراتب قبل العيد

اطلس للدراسات: السياسة المتبعة حيال حماس عجزت في أن تؤتي ثمارها بعزل الحركة

رام الله - دنيا الوطن
تتعزز القناعة لدى قطاعات واسعة في إسرائيل بأن السياسة المتبعة حيال حماس منذ سيطرة الحركة على قطاع غزة وإلى الآن، وبعد ثلاث جولات من الحروب، عجزت في أن تؤتي ثمارها بعزل الحركة وإضعافها، وفي ضوء ذلك  تكثر اقتراحات وتوصيات من باحثين واستراتيجيين وجنرالات سابقين الى راسمي السياسة في دولة الاحتلال بضرورة تغيير السياسة المرتكزة على العزل والحرب والحصار، انطلاقًا من النظرية "من لا يملك شيئًا ليخسره يجد نفسه مرغمًا لتفجير الأوضاع عن طريق العنف"، والتقديرات المتنامية بأن بقاء الحال على ما هو عليه يجعل تفجر الأوضاع ليس أكثر من مسألة وقت، فبدلًا من العزل والحصار هناك توجهات ومطالبات ملح  بضرورة تغيير السياسة  والاعتراف بسلطة حماس والسعي لإدماج الحركة في عملية الاستقرار، بما يجعلها أمام ضغوطات المحافظة على الهدوء، على أمل تمكينها من تغيير مواقفها الاساسية والابتعاد عن العنف.

وفي هذا الإطار، تتفاوت الرؤى حول السياسة المفضل اتباعها بين الإبقاء على مقاربات إدارة الصراع أم العودة الى القناعة بضرورة البحث عن حل، والعودة الى المفاوضات مع التسليم بأن الوصول الى تسوية مرضية عملية شاقة وطويلة المدى وتتطلب حلولًا تدريجية واتفاقات جزئية وأحادية الجانب، ويشيرون الى ان حماس نفسها لا تمانع من ذلك، وقد تبنت مواقف الاتفاق الجزئي حين عرضت فكرة الهدنة الطويلة، دراسات أكاديمية صدرت مؤخرًا في تل أبيب تشكك في جدوى سياسة "فرق تسد" التي اتبعت للعزل بين قطاع غزة والضفة الغربية ومعالجة كل واحدة منهما على حدة، وتطالب بالعدول عن هذه السياسة والسعي الى دمج غزة بالسلطة كخطوة أولى، والاعتراف بحكومة الوحدة والاستعداد للعمل معها، وكذلك الى السعي لخلق حياة اقتصادية سليمة، خصوصًا في قطاع غزة، وإرجاع الأوضاع تدريجيًا الى سابق عهدها.

غيورا آيلاند الجنرال في جيش الاحتياط الإسرائيلي ورئيس مجلس الأمن القومي السابق كتب مقالًا مؤخرًا وضح فيه رؤيته للتعامل الاسرائيلي مع غزة بعد مرور عام على الحرب الأخيرة "الجرف الصامد"، يتحدث عن أخطاء جرى ارتكابها، الأول نجم عن قصور إسرائيلي في فهم حركة حماس؛ الأمر الذي ترتب عليه خطأ في المعالجة أو كما يقول "الخطأ الاول هو وصف غير صحيح للواقع أو قص مغلوط للرواية"، ويضيف "قصتنا  كانت على النحو التالي: حماس منظمة إرهابية سيطرت على غزة، وان حكمها غير شرعي، وانها تحكم بالقوة قرابة 1.8 مليون مواطن مسكين، ورحنا نقاطع كل من يتحدث مع حماس، وقلنا من ناحية عسكرية يمكننا ان ننتصر عليها بسهولة لأن هذه منظمة إرهابية غير قوية على نحو خاص"، يتابع آيلاند "أما الوضع الحقيقي لغزة فقد كان ولا يزال مختلفًا، غزة أصبحت بحكم الأمر الواقع دولة مستقلة بكل معنى الكلمة، حماس ليست منظمة إرهابية كالقاعدة، بل حركة انتخبت بشكل ديمقراطي جدًا، تمثل بإخلاص السكان ومدعومة منهم، لولا ذلك لما كانت تنجح في أن تجند كل المقدرات الوطنية لغزة لبناء ترسانة عسكرية على هذا القدر من الاثارة وشبكة أنفاق على هذا القدر من التهديد".

أما الخطأ الثاني كما يقول "فهو يتعلق بتعريف المصالح، وبالنسبة لغزة توجد لنا مصلحة أمنية فقط، ليس لنا مصلحة إقليمية، اقتصادية أو حزبية هناك. بالمقابل، مصلحة حماس هي أولًا وقبل كل شيء حزبية؛ فهي تريد أن تحقق شرعية دولية لحكمها في غزة، صحيح اننا اعداء، ولكن هذا لا يعني ان تضارب المصالح بيننا مطلق، وعلى ضوء هذا الفهم، فإن اسرائيل يمكنها أن تسمح لحماس بأن تحقق مطلبها مقابل هدوء طويل المدى"، وبناءً على هذا التشخيص ينتقد آيلاند المعالجة الاسرائيلية ويطالب بتغييرها والاعتراف بدولة حماس في غزة فيقول "ان العناد الذي ميز السياسة الاسرائيلية منذ 2006 وحتى وقت أخير مضى، وبموجبه يجب ضمان التواجد والتأثير للسلطة الفلسطينية في غزة، ليس فقط لا يخدم أي مصلحة لنا؛ بل ويمس أيضًا بالمصلحة الحقيقية التي هي كما أسلفنا المصلحة الأمنية"، ويكمل آيلاند "إن إطلاق حماس للنار نحو اسرائيل، والذي أدى الى حملة الجرف الصامد، كان أولًا وقبل كل شيء نتيجة إحباطها عقب توقف تحويل الأموال اليها، والنجاح الاسرائيلي في منع جهات مختلفة من زيارة غزة والتبرع لها بالأموال، إذا كان رمز حماس للاستقلال هو إقامة ميناء، فصحيح اليوم الموافقة على اقامته مقابل تنازل من حماس عن صواريخها بعيدة المدى، إذا لم توافق، فإننا لن نخسر شيئًا، بل نكون حصلنا على نقاط استحقاق في المواجهة الدولية مع الحصار الاسرائيلي على غزة، أما إذا وافقت، فالربح الاسرائيلي سيكون مضاعفًا".

وحول المخاطر من إقامة ميناء يقول آيلاند ان "ما يقرر حجم المخاطرة الأمنية ليس وجود أو عدم وجود ميناء؛ بل النظام البحري، يمكن بسهولة الوصول الى تسوية تضمن الجانب الأمني في هذا السياق، كما يجدر بنا أن نتذكر بأن بناء ميناء سيستغرق بضع سنوات، مما سيعطي حماس حافزًا ايجابيًا للحفاظ على الهدوء"، ويواصل قوله "لا شك أن حملة الجرف الصامد خلقت ردًا ناجعًا، فنهايتها بقيت حماس فقط مع نحو ثلث كمية صواريخها قبل الحملة، واليوم توجد لها مصاعب كبيرة للتزود بصواريخ جديدة، وقيادتها العسكرية تضررت بشكل كبير، والدمار الذي لحق بغزة يلزمها بأن تستثمر في إعمار القطاع وليس في محاولة الخروج الى مغامرة جديدة، الهدوء طويل المدى سيستمر إذا كنا سنخلق لحماس الى جانب الردع حافزًا ايجابيًا للحفاظ عليه أيضًا، حافز لا يتناقض بالضرورة احتياجاتنا الأمنية".

أما يوسى بيلين السياسي المخضرم فيرى ان "اتفاق هدنة لفترة طويلة مع حماس مقابل إعطاء إمكانية لإعمار وتنمية القطاع، هو الفكرة الأكثر معقولية في الظروف الصعبة الناشئة، أما السلام في هذه اللحظة فمتعذر، من ناحية حماس؛ فالمنظمة غير مستعدة لأن تتنازل، بشكل مبدئي، عن استخدام السلاح كي تحقق أهدافها، وبالمقابل يمكنها أن تستند الى عدد لا ينتهي من السوابق التاريخية التي اضطرت فيها محافل إسلامية لأن تسلم بأعدائها لفترة محدودة"، لكنه يركز ان يتم ذلك بالتنسيق أيضًا مع السلطة في الضفة، ويضيف بيلين "من ناحية إسرائيل، يسمح مثل هذا الوضع بفرضة للهدوء في الجنوب على مدى بضع سنوات، وإذا لم تلتزم حماس بكلمتها، فبوسع إسرائيل أن تتراجع عن الخطوات التي ستتخذها حسب اتفاق الهدنة"، لكنه يؤكد على ضرورة التنسيق مع السلطة في الضفة، وانه إذا لم تعالج مشكلة الضفة الغربية، فمن شأن وقف نار كهذا ان يصعد العنف الحماسي هناك، وأن يمس بالتعاون الامني مع السلطة الفلسطينية".

ويستذكر تجربة الانفصال عن غزة فيقول "مثلما كان هذا خطأ من جانب رئيس الوزراء الأسبق أريئيل شارون، الاكتفاء بالانسحاب من غزة وبخطوة رمزية فقط في الضفة الغربية، وتجاهل الحكم الجديد للرئيس محمود عباس، هكذا أيضًا فإن تكرار خطوة مشابهة من جانب بنيامين نتنياهو من شأنه ان يؤدي الى أن نخسر في الضفة الغربية ما نربحه في غزة"، ويضيف بيلين "إذا كان صحيحًا أنه تجري محادثات غير مباشرة مع حماس على وقف نار، فثمة ضرورة لحوار موازٍ مع السلطة الفلسطينية، واضح أن م. ت. ف لا تتحمس للشائعات عن اتفاق قريب بين إسرائيل وحماس، وهي ترى في ذلك تحقيقًا لتهديد (فرق تسد) ومنح جائزة للإرهاب، في ظل تجاهل الجهة الفلسطينية الشرعية، التي توجد في تنسيق أمني مستمر مع اسرائيل وتعمل في المستوى السياسي الدولي (حتى لو لم تستطب إسرائيل ذلك) في ظل التنكر للإرهاب والكفاح ضده"، ويواصل بيلين "على حكومة إسرائيل ان تطلع على المحادثات (غير المباشرة على ما يبدو) مع حماس، وإذا كان ممكنًا الوصول الى توافقات حول وقف النار بواسطة السلطة الفلسطينية أو المنظمة (والتي هي شريكتنا الرسمية للاتفاقات السياسية مع الفلسطينيين)، فأفضل تسوية سياسية، ولو جزئية، مع م. ت. ف حيوية بحد ذاتها، لضمان الخطوة في غزة".

ويشكك بيلين بأوساط اليمين في إسرائيل التي ترحب باتفاق ثنائي مع حماس يحقق الهدوء في غزة بمعزل عن السلطة والضفة، ويشكل انجازًا مريحًا للحكومة الحالية، فيقول بما يوحى للعالم بالاعتراف في أن القطاع لا يوجد تحت مسؤولية إسرائيل "هذه وردة وفيها شوكة: هدنة في غزة من شأنها أن تفاقم أعمال حماس في الضفة، وإن كان فقط لأجل أن تبرر، في نظر مؤيديها، استعدادها لاتفاق مؤقت مع اسرائيل، فيما أن السلطة الفلسطينية من شأنها، بسبب الاحساس بأن إسرائيل تفضل التسوية مع حماس على الحوار معها، إن تقلص التنسيق الأمني في مثل هذا الوضع سيكون ضرر الاتفاق أكبر من نفعه".

صحيفة "يديعوت احرونوت" نشرت مقالًا افتتاحيًا بعنوان "غزة أولًا "، أشار كاتبه إلى ما حصل في شبه القارة الهندية مع نهاية الحكم البريطاني وانفصال باكستان عن الهند ثم سرعان ما انقسمت باكستان الى شطرين، دولة باكستان غربي الهند ودولة بنجلادش شرقي الهند، ويرى الكاتب ان الصدع بين غزة والضفة حقيقة قائمة، فغزة والضفة الغربية، وبينما اسرائيل في الوسط، تشبهان - كما يقول الكاتب - من نواحٍ عديدة شرق وغرب الباكستان، وما حصل هناك يبدو انه كان سيحصل هنا أيضًا لو كانت قامت دولة فلسطينية في هذين الاقليمين.

ويواصل الكاتب القول "ولعل هذا في واقع الأمر قد حصل، يخيل أن الصدع بين غزة والضفة الغربية هو حقيقة قائمة، ومحاولات رأب الصدع فشلت، فلمليونين من سكان غزة مصالح مختلفة، اقتصاد مختلف، وعلى ما يبدو أيضًا مناهج ثقافية ودينية مختلفة عن مناهج نحو مليونين من اخوانهم في الضفة الغربية"، ويخلص الكاتب الى القول "إذا قامت دولة فلسطينية في غزة بالزمن القريب القادم، ستبقى كل الخيارات الأخرى للتسوية الشاملة في المنطقة مفتوحة، وفي المستقبل ستتمكن الضفة الغربية من أن تصبح أرضًا فلسطينية إضافية، سيكون بوسع سكانها أن يقرروا إذا كانوا سيتحدون مع غزة، وكبديل، يمكن للضفة الغربية أن تنضم الى دولة إسرائيل في تسوية كونفدرالية أو غيرها، بل وأن تكون جزءًا من الأردن، إن إقامة دولة فلسطينية في غزة ستكون إنجازًا هائلًا لسكانه، ستكون لهم دولة خاصة بهم، وستكون لهم جوازات سفر، وسيتمكنون من تنمية دولتهم، وبناء ميناء ومطار فيها، وتنمية حقول الغاز على شواطئهم، وإقامة مراكز تجارية وسياحية، والعودة الى التجارة مع إسرائيل مثلما في الماضي والتمتع بالرفاه مقارنة بوضعهم البائس اليوم، إن الدولة التي ستقوم في غزة ستتمكن من إعادة بناء علاقاتها مع مصر، بل وربما الحصول منها على أراضٍ إضافية كي تزيد المجال الحيوي لسكانها، وسيكون للغزيين الكثير، كما سيكون لهم الكثير مما يخسروه، وعليه فإن العقل يقول ان سلوكهم سيكون أكثر مسؤولية كي لا يعرضوا انجازاتهم للخطر، إن إقامة دولة في غزة لن تحل المشكلة الفلسطينية المطروحة أمامنا، ولكنها ستقلصها بقدر كبير، وخطوة منسقة مع مصر، الولايات المتحدة وباقي دول العالم، كفيلة بأن تكون خطوة كبيرة في الطريق الى تخفيف المشكلة والسماح لمليوني نسمة ان يعيشوا حياة أفضل، وعلى أي حال، فإن مسؤوليتنا عن غزة وسكانها ستتوقف، زعماؤها وحدهم سيكونون مسؤولين عن رفاهها، كما يمكن للدولة الفلسطينية في غزة ان تكون حالة اختبار جيد يمكن للطرفين فيه - نحن والفلسطينيين - أن يتعلما كيف يكملا الحل".