نعم... فلسطين بحاجة إلى دستور غير مدون

نعم... فلسطين بحاجة إلى دستور غير مدون
الأستاذ الدكتور رياض علي العيلة

[email protected]

تشهد الأيام الحالية لقاءات دورية لصياغة  وتدوين دستور لدولة فلسطين...وبما أن الدستور يعد نظام حكم متكامل...ويشمل بين مواده ونصوصه كل عناصر  قيام حكم دستوري يحترم الحريات ويحمي حرية الرأي والتعبير... ويحافظ على سيادة القانون...

ومحاولات  تدوين دستور لفلسطين بدأت مع الحكم العثماني لها ... ولكن دون لها دستور عام 1908م...وعندما  وقعت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني عام 1917م ومن ثم الانتداب البريطاني عام 1922م تبنت سلطات الانتداب مرسوم دستور فلسطين بنفس العام 1922م... وبعد نكبة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضة  وأصبحت الضفة الغربية مع شرق الأردن...تبنت الأردن دستورا  مكتوبا وموحدا عام 1954م...وفي قطاع غزة الذي ذهب للإدارة المصرية أعلنت حكومة عموم فلسطين التي أقيمت فيه...دستورا مؤقتا عام 1948م ... وتطور مع إدارة  مصر لقطاع غزة حيث استبدلته بالقانون الأساسي لقطاع غزة عام 1955م وأصبح دستورا عام 1962م... ومع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية تبنت الميثاق القومي والقانون الأساسي عام 1964م...وتم تعديله إلى الميثاق الوطني والقانون الأساسي عام 1968م...ومع توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1991م وانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967م... وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة...تم إصدار القانون الأساسي عام 2000م وتم تعديله عام 2003م...ولازال معمول به حتى اللحظة رغم الانقسام الأسود الذي أدى إلى انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية وتشكيل حكومتين  وقيام كل منهما بوضع التشريعات التي تناسب الوضع فيها رغم تشكيل حكومة الوفاق عام 2014م...

من السرد التاريخي لتدوين  دستور خاص بفلسطين...نرى أن تلك المحاولات  بدأت منذ السيطرة العثمانية ومرورا بالاحتلال البريطاني  والصهيوني وبتجارب الأردن  ومصر ومن ثم الاحتلال الإسرائيلي إلى أن تم بناء السلطة الفلسطينية فوق أراضيها...أديرت فلسطين من خلال القانون الأساسي الذي يعد بمثابة دستور لها.. والذي يواجه الآن عقبات الالتزام به في قطاع غزة؟!.. ومن تلك التجارب المتكررة الى جانب تجارب م.ت.ف بظروفها السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية التي مر بها الشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين في الشتات...تأتي فكرة كتابة دستور لدولة فلسطين  لاكتمال بناء الدولة والاعتراف بها من قبل مجلس الأمن والذي سبقه اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بصفة فلسطين دولة غير كاملة الحقوق...ومن قبلها تم الحصول على عضوية فلسطين كمراقب ممثلة بمنظمة التحرير كحركة تحرر ولازال وضعها مستمر رغم حصول دولة فلسطين على عضوية دولة مراقب...

إن فكرة كتابة دستور لدولة فلسطين فكرة رائعة ومقبولة جماهيريا وشعبيا وفصائليا...ولكن ألا يحتاج الأمر إلى التروي والتفكير المعمق؟!...لأن كتابة الدستور يتطلب تحديد القضايا الأساسية والجوهرية... كمسألة اللاجئين وعودتهم والحدود وباقي القضايا الأخرى...والتي لازالت ضمن قضايا الحل النهائي...ولم تكتمل  وحتى توقفت ولم يعد الحديث فيها!!...مثلما لا يزال الكيان الإسرائيلي غير قادر على تعريف اليهودي...الذي لا يزال منذ عام 1948م وما قبل غير قادر على إيجاد تعريف واحد موحد له...على الرغم من مطالبه سياسيي الكيان الإسرائيلي من القيادة الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة وهم لم يستطيعوا تحديد من هو اليهودي!! وينعكس ذلك على تحديد الحدود ( الجولان لا زالت محتلة وضمتها لها  ومزارع شبعا وبعض المناطق اللبنانية...وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات سلام مع الأردن ومصر لازالت أمور الحدود شائكة بينهم!!) لهذه الأسباب فإن  الكيان الإسرائيلي لم يقدم على كتابة وتدوين دستور ...بل أعتبر مجموعة القوانين الأساسية التي سنها  منذ المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م ...والفترة التي أعقبت تهجير شعبنا الفلسطيني عام 1948م... أعتبرها الدستور  غير المدون وقابل للإضافة!!

ونحن كفلسطينيين وعلى مدار سنوات ما قبل النكبة وما بعدها ومع فترة حركة التحرر الوطني حتى عام 1991م...قد تم العمل  بمجموعة من الدساتير والقوانين الأساسية وبشكل خاص الميثاق الوطني الفلسطيني والقانون الأساسي المعدل لسنة 2003م...إضافة إلى القوانين والوثائق التي نظمت وتنظم الواقع الفلسطيني بسلطاته الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية... ولماذا لا نستمر بالعمل بهذه الوثائق والقوانين التي تنظم الحياة السياسية  والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية...ونتبنى تضمينها إلى الدستور ولكن ( الدستور الفلسطيني غير المدون)!!.. وبذلك نحافظ على الواقع الذي تعيشه القضية الفلسطينية كحركة تحرر تسعى لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس...ونحافظ بنفس الوقت على قضية اللاجئين وعودتهم ...وحدود الدولة وترسيمها...ويتم الحفاظ على الهيكل الأساسي ل م.ت.ف مع تطويره... التي لم تكمل أهدافها بحل قضية الفلسطينيين في الشتات وإقامة الدولة المستقلة!!...وعلى مكتسباتها كعضو مراقب...ونمنع الخطر الذي يحيط بها من بعض الفصائل الفلسطينية نفسها..والحفاظ على كينونيتها وعدم دمجها لا في السلطة الوطنية ولا حتى بعد قيام دولة فلسطين وخاصة من خلال الممارسة وليس من خلال النصوص الشكلية (كما حصل مع السلطة الفلسطينية)...

وعليه فإن نوجه التحية إلى لجنة تدوين الدستور وأقترح عليها التفكير في أن الحاجة الفلسطينية تكمن في تبني (دستور غير مدون) يجمع بين م.ت. ف والسلطة الفلسطينية ويتضمن كافة القوانين  والإعلانات على سبيل المثال لا الحصر... القانون الأساسي والميثاق الوطني  ووثيقة الاستقلال ... ولكي نحافظ على القضية الجوهرية وهي قضية اللاجئين الذين يشكلون  قرابة نصف عدد الفلسطينيين...عبر الحفاظ على الميثاق الوطني ل م.ت.ف الذي عدل ولم يستنفذ أهدافه...وليس ضمن دستور دولة لن تسمح له الظروف السياسية الحالية بأن توضع قضية اللاجئين كبند رئيس مستقل فيه ...مما يؤدي إلى إسقاطها... التي لم يسقطها التقادم!!
 

التعليقات