ليلةُ القّدِرْ
الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد أبو نحل
كالبرق الخاطف انقضي شهر رمضان المبارك، فكان ضيفًا كريمًا عزيزًا رحيمًا ودودًا مسرعًا؛ وها نحن في الليالي الأخيرة من الشهر المُحرم ولو نطق رمضان لنا لقال بلسان الحال: اغتمني فربما لن أعوذ عليك ليوم الخلود وكن ودودًا بين العباد قبل أن تُصبح عظامًا ودودًا. إنها الليالي الأخيرة وفيها ليلة القدر، والتي العبادة فيها هي خير من عبادة ألف شهر؛ قال تعالى: " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" وفضائل ليلة القدر كثيرة وعظيمة، من حُرم خيرها فهو المحروم حقًّا، ومن وفقه الله عزَّ وجلَّ لقيامها فهو الفائز السَّعيد، ومن فضائل ليلة القدر أنَّها ليلة مباركة نزل فيها القرآن الكريم على النبي؛ قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3]، وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، القدر فيها تكتب الآجال والمقادير؛ قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4].وعن ربيعة بن كلثوم قال: "سأل رجلٌ الحسن ونحن عنده، فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ليلة القدر؟ أفي كل رمضان هي؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، إنَّها لفي كل شهر رمضان، إنها ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله - عزَّ وجلَّ - كل خلق وأجل وعمل ورزق إلى مثلها"؛ الإبانة لابن بطة. وعن مجاهد في قوله - تعالى -: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، قال: إنَّ الله ينزل كلَّ شيء في ليلة القَدْر، فيمحو ما يشاء من المقادير والآجال والأرزاق، إلاَّ الشقاء والسَّعادة، فإنَّه ثابت العمل فيها خير من عمل ألف شهر؛ قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3]، القدر أنَّ قيام ليلها سبب لغفران الذنوب؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله: ((من قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه))؛ متفق عليه؛ ومن حرمها فقد حُرم؛ فعن أنس بن مالك قال: دخل رمضان، فقال رسول الله: إنَّ هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرمها، فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا مَحروم؛ صحيح سنن وإنَّ الملائكةَ تلك الليلةَ أكثر في الأرض من عدد الحصى، يَقْبَلُ الله التوبةَ فيها من كل تائب، وتفتح فيها أبوابُ السماء، وهي من غروب الشمس إلى طلوعها، وعلى كل من الحائض والنفساء أن تحسن العملَ طوال الشهر؛ حتى يتقبل الله منهن، ولا يحرمهن فضل هذه الليلة؛ قال جويبر قلت للضحاك: "أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنائم لهم في ليلة القدر نصيب؟"، قال: "نعم، كلُّ مَن تقبَّل الله عمله، سيعطيه نصيبه من ليلة القدر"؛ كما أن شؤم المشاجرة والمُلاَحاة، رفعت معرفةُ ليلةِ القدر بسبب الشجار، والمخاصمة، والتنازع؛ فعَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ((إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالخَمْسِ))، فالتنازع والتشاجر سبب في رفع البَركة، وفي رفع الخير الذي يحدث لهذه الأمة. وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنَّه قال: كان رسول الله يعتكف العشر الوسطى من رمضان، فاعتكفَ عامًا حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج صبحها من اعتكافه؛ قال: ((من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر، وقد رأيت هذه الليلة، ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر))؛ قال أبو سعيد الخدري، فأمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فَوَكَفَ المسجد، قال أبو سعيد - رضي الله عنه - فأبصرت عيناي رسول الله انصرف علينا، وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة ليلة إحدى وعشرين؛ ولهذا كان أبو سعيد يقول: إنَّ ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين؛ استنادًا إلى هذا الحديث عن النبي؛ ومنهم من قال هي ليلة الثالث والعشرين ؛ فعن عبد الله بن أنيس - رضي الله عنه - قلت لرسول الله: إنِّي أكون بباديتي، وإنِّي بحمد الله أصلي بهم، فمُرني بليلة من هذا الشهر أنزلها إلى المسجد، فأصليها فيه، فقال: (انزل ليلة ثلاث وعشرين، فصلِّها فيه، فإن أحببت أن تستتم آخر الشهر فافعل، وإن أحببت فكف))، قال: فكان إذا صلى العصر، دخل المسجد، فلم يخرج إلا في حاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح، كانت دابته بباب المسجد، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "تذاكرنا ليلة القدر، فقال رسولُ الله: ((كم مضى من الشَّهر؟))، قلنا: اثنتان وعشرون، وبَقِيَ ثمان، فقال: ((مضى اثنتان وعشرون، وبقي سبع، اطلبوها الليلةَ))، الشهرُ تسع وعشرون". وعن زِرٍّ، قال: "قلت لأُبي بن كعب - رضي الله عنه -: أبا المنذر، أخبرنا عن ليلة القَدر، قال: فإن ابن أم عبد، يقول: مَن يقمِ الحول يصبها، فقال: رَحِمَ الله أبا عبدالرحمن، أما إنَّه قد علم أنَّها في رمضان، ولكن كره أنْ يُخبركم، فتتَّكلوا، هي - والذي أنزل القُرآن على محمد - ليلة سبعٍ وعشرين، فقُلنا: يا أبا الْمُنذر، أنَّى علمتَ هذا؟ قال: بالآية التي أخبرنا النبي، فحفظنا وعددنا، هي والله لا نستثني، قال: قلنا لزِر: وما الآية؟ قال: تطلع الشمس كأنَّها طاس، ليس لها شعاع". والنبي صل الله عليه وسلم قال: ((تحروا ورد لليلةِ القدر علاماتٌ، منها أنَّها ليلة بلجة منيرة، وأنَّها ساكنة لا حارة ولا باردة، وأنَّ الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء مستوية، ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر؛ وقد سألت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - النبي: ماذا أقول إنْ وافقت ليلة القدر؟ قال لها النبي: ((قولي: اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفو فاعف عني))، ولو تأمَّلت أخي في جواب النبي تَجد أنَّ هذه الكلمات تجمع للإنسان خيري الدُّنيا والآخرة، بأنْ يسلم من البلاء في الدُّنيا، ومن العذاب في الآخرة، فإذا عُوفي الإنسانُ في دُنياه وآخرته، كان مآله إلى الجنة ولا بُدَّ. فبالعافية تندفع عنك الأسقام، ويَرفعها عنك إن وقعت بك، وبالعافية يقيك الله شَرَّ ما لم ينزل من البلاء، وتستشعر نعمةَ الله عليك، وقد علَّمنا النبي أنْ نقول عند رُؤية المبتلى - سواء في دينه أم في بدنه وأهله وماله -: الحمدُ لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، وبيَّن لنا أنَّها بمثابة الْمَصْل الواقي من طروء مثل هذا البلاء، وأتى النبيَّ رجلٌ، فقال: يا رسول الله، أيُّ الدعاء أفضل؟ قال: ((سَلِ الله العفو والعافية في الدُّنيا والآخرة))، ثم أتاه الغد، فقال: يا نَبِيَّ الله؛ أيُّ الدعاء أفضل؟ قال: ((سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة))، فإذا أُعطيت العافية في الدنيا والآخرة، فقد أفلحت، قال الشيخ الألباني: صحيح، وعن محمد بن مسلمة قال: قال رسول الله: ((إنَّ لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها؛ لعله أنْ يصيبكم نفحة منها، فلا تشقون بعدها أبدًا))، اللهم اجعلنا ممن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، واجعلنا من عتقائها يا ربَّ العالمين، والحمد لله الذي مّن على عباده بمواسم الخيرات، ووفق من شاء منهم لاغتنام هذه المواسم بفعل الخيرات، فعلينا بتقوى الله تعالى، واغتنام مواسم الخير وكثرة السجود والدعاء والرجاء ومؤملين ومن عذابه وعقابه مستجيرين مستعيذين، فإنه تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وهو الذي يقول: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186]، فهي ليلة يفيض خيرها ويتبارك العمل فيها حتى يكون خيراً من ألف شهر أي ما يزيد على ثلاث وثمانين سنة، فكم لهذه الليلة العظيمة من فضل عظيم، وكم هي منحة إلهية كريمة، وهي رحمة عظيمة لعباده الذين يعلم سبحانه حاجتهم وقلة حيلتهم فيسر لهم سبحانه العمل اليسير وقدر عليه الثواب العظيم الجزيل، وقال صل الله عليه وسلم "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، فقيام ليلة واحدة يغفر ما مضى من الذنوب والمعاصي، وهو كرم عظيم من الله سبحانه وتعالى لعباده؛ وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره؛ فعلينا أن تغتم ثواب ليلة القدر بالاعتكاف و نجتهد بالدعاء بأن يحفظ الله عز وجل بلادنا العربية والإسلامية ومصر وفلسطين والجزائر وتونس وكل البلاد العربية من الأعداء ومن الجماعات التكفيرية المُنحرفة، وأن يحرر الأقصى الشريف من دنس الاحتلال، وأن يتحرر أسرانا من سجون الاحتلالـ وأن يحقن دماء العرب والمسلمين وأن يجعل الله عز وجل كل أيامنا سَلاَمٌ مثل ليلة القدر، ونسأل الله عز وجل أن يعُم السلام والأمن في ربوع الأرض عمومًا والوطن العربي خصوصًا وأن يحقن دمائنا ويصلح فساد قلوبنا وأن يجعل الجنة مقامنا ومأوانا.
كالبرق الخاطف انقضي شهر رمضان المبارك، فكان ضيفًا كريمًا عزيزًا رحيمًا ودودًا مسرعًا؛ وها نحن في الليالي الأخيرة من الشهر المُحرم ولو نطق رمضان لنا لقال بلسان الحال: اغتمني فربما لن أعوذ عليك ليوم الخلود وكن ودودًا بين العباد قبل أن تُصبح عظامًا ودودًا. إنها الليالي الأخيرة وفيها ليلة القدر، والتي العبادة فيها هي خير من عبادة ألف شهر؛ قال تعالى: " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" وفضائل ليلة القدر كثيرة وعظيمة، من حُرم خيرها فهو المحروم حقًّا، ومن وفقه الله عزَّ وجلَّ لقيامها فهو الفائز السَّعيد، ومن فضائل ليلة القدر أنَّها ليلة مباركة نزل فيها القرآن الكريم على النبي؛ قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3]، وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، القدر فيها تكتب الآجال والمقادير؛ قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4].وعن ربيعة بن كلثوم قال: "سأل رجلٌ الحسن ونحن عنده، فقال: يا أبا سعيد، أرأيت ليلة القدر؟ أفي كل رمضان هي؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، إنَّها لفي كل شهر رمضان، إنها ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله - عزَّ وجلَّ - كل خلق وأجل وعمل ورزق إلى مثلها"؛ الإبانة لابن بطة. وعن مجاهد في قوله - تعالى -: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، قال: إنَّ الله ينزل كلَّ شيء في ليلة القَدْر، فيمحو ما يشاء من المقادير والآجال والأرزاق، إلاَّ الشقاء والسَّعادة، فإنَّه ثابت العمل فيها خير من عمل ألف شهر؛ قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3]، القدر أنَّ قيام ليلها سبب لغفران الذنوب؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله: ((من قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه))؛ متفق عليه؛ ومن حرمها فقد حُرم؛ فعن أنس بن مالك قال: دخل رمضان، فقال رسول الله: إنَّ هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرمها، فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا مَحروم؛ صحيح سنن وإنَّ الملائكةَ تلك الليلةَ أكثر في الأرض من عدد الحصى، يَقْبَلُ الله التوبةَ فيها من كل تائب، وتفتح فيها أبوابُ السماء، وهي من غروب الشمس إلى طلوعها، وعلى كل من الحائض والنفساء أن تحسن العملَ طوال الشهر؛ حتى يتقبل الله منهن، ولا يحرمهن فضل هذه الليلة؛ قال جويبر قلت للضحاك: "أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنائم لهم في ليلة القدر نصيب؟"، قال: "نعم، كلُّ مَن تقبَّل الله عمله، سيعطيه نصيبه من ليلة القدر"؛ كما أن شؤم المشاجرة والمُلاَحاة، رفعت معرفةُ ليلةِ القدر بسبب الشجار، والمخاصمة، والتنازع؛ فعَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ((إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالخَمْسِ))، فالتنازع والتشاجر سبب في رفع البَركة، وفي رفع الخير الذي يحدث لهذه الأمة. وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنَّه قال: كان رسول الله يعتكف العشر الوسطى من رمضان، فاعتكفَ عامًا حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج صبحها من اعتكافه؛ قال: ((من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر، وقد رأيت هذه الليلة، ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر))؛ قال أبو سعيد الخدري، فأمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فَوَكَفَ المسجد، قال أبو سعيد - رضي الله عنه - فأبصرت عيناي رسول الله انصرف علينا، وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة ليلة إحدى وعشرين؛ ولهذا كان أبو سعيد يقول: إنَّ ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين؛ استنادًا إلى هذا الحديث عن النبي؛ ومنهم من قال هي ليلة الثالث والعشرين ؛ فعن عبد الله بن أنيس - رضي الله عنه - قلت لرسول الله: إنِّي أكون بباديتي، وإنِّي بحمد الله أصلي بهم، فمُرني بليلة من هذا الشهر أنزلها إلى المسجد، فأصليها فيه، فقال: (انزل ليلة ثلاث وعشرين، فصلِّها فيه، فإن أحببت أن تستتم آخر الشهر فافعل، وإن أحببت فكف))، قال: فكان إذا صلى العصر، دخل المسجد، فلم يخرج إلا في حاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح، كانت دابته بباب المسجد، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "تذاكرنا ليلة القدر، فقال رسولُ الله: ((كم مضى من الشَّهر؟))، قلنا: اثنتان وعشرون، وبَقِيَ ثمان، فقال: ((مضى اثنتان وعشرون، وبقي سبع، اطلبوها الليلةَ))، الشهرُ تسع وعشرون". وعن زِرٍّ، قال: "قلت لأُبي بن كعب - رضي الله عنه -: أبا المنذر، أخبرنا عن ليلة القَدر، قال: فإن ابن أم عبد، يقول: مَن يقمِ الحول يصبها، فقال: رَحِمَ الله أبا عبدالرحمن، أما إنَّه قد علم أنَّها في رمضان، ولكن كره أنْ يُخبركم، فتتَّكلوا، هي - والذي أنزل القُرآن على محمد - ليلة سبعٍ وعشرين، فقُلنا: يا أبا الْمُنذر، أنَّى علمتَ هذا؟ قال: بالآية التي أخبرنا النبي، فحفظنا وعددنا، هي والله لا نستثني، قال: قلنا لزِر: وما الآية؟ قال: تطلع الشمس كأنَّها طاس، ليس لها شعاع". والنبي صل الله عليه وسلم قال: ((تحروا ورد لليلةِ القدر علاماتٌ، منها أنَّها ليلة بلجة منيرة، وأنَّها ساكنة لا حارة ولا باردة، وأنَّ الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء مستوية، ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر؛ وقد سألت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - النبي: ماذا أقول إنْ وافقت ليلة القدر؟ قال لها النبي: ((قولي: اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفو فاعف عني))، ولو تأمَّلت أخي في جواب النبي تَجد أنَّ هذه الكلمات تجمع للإنسان خيري الدُّنيا والآخرة، بأنْ يسلم من البلاء في الدُّنيا، ومن العذاب في الآخرة، فإذا عُوفي الإنسانُ في دُنياه وآخرته، كان مآله إلى الجنة ولا بُدَّ. فبالعافية تندفع عنك الأسقام، ويَرفعها عنك إن وقعت بك، وبالعافية يقيك الله شَرَّ ما لم ينزل من البلاء، وتستشعر نعمةَ الله عليك، وقد علَّمنا النبي أنْ نقول عند رُؤية المبتلى - سواء في دينه أم في بدنه وأهله وماله -: الحمدُ لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، وبيَّن لنا أنَّها بمثابة الْمَصْل الواقي من طروء مثل هذا البلاء، وأتى النبيَّ رجلٌ، فقال: يا رسول الله، أيُّ الدعاء أفضل؟ قال: ((سَلِ الله العفو والعافية في الدُّنيا والآخرة))، ثم أتاه الغد، فقال: يا نَبِيَّ الله؛ أيُّ الدعاء أفضل؟ قال: ((سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة))، فإذا أُعطيت العافية في الدنيا والآخرة، فقد أفلحت، قال الشيخ الألباني: صحيح، وعن محمد بن مسلمة قال: قال رسول الله: ((إنَّ لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها؛ لعله أنْ يصيبكم نفحة منها، فلا تشقون بعدها أبدًا))، اللهم اجعلنا ممن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، واجعلنا من عتقائها يا ربَّ العالمين، والحمد لله الذي مّن على عباده بمواسم الخيرات، ووفق من شاء منهم لاغتنام هذه المواسم بفعل الخيرات، فعلينا بتقوى الله تعالى، واغتنام مواسم الخير وكثرة السجود والدعاء والرجاء ومؤملين ومن عذابه وعقابه مستجيرين مستعيذين، فإنه تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وهو الذي يقول: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186]، فهي ليلة يفيض خيرها ويتبارك العمل فيها حتى يكون خيراً من ألف شهر أي ما يزيد على ثلاث وثمانين سنة، فكم لهذه الليلة العظيمة من فضل عظيم، وكم هي منحة إلهية كريمة، وهي رحمة عظيمة لعباده الذين يعلم سبحانه حاجتهم وقلة حيلتهم فيسر لهم سبحانه العمل اليسير وقدر عليه الثواب العظيم الجزيل، وقال صل الله عليه وسلم "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، فقيام ليلة واحدة يغفر ما مضى من الذنوب والمعاصي، وهو كرم عظيم من الله سبحانه وتعالى لعباده؛ وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره؛ فعلينا أن تغتم ثواب ليلة القدر بالاعتكاف و نجتهد بالدعاء بأن يحفظ الله عز وجل بلادنا العربية والإسلامية ومصر وفلسطين والجزائر وتونس وكل البلاد العربية من الأعداء ومن الجماعات التكفيرية المُنحرفة، وأن يحرر الأقصى الشريف من دنس الاحتلال، وأن يتحرر أسرانا من سجون الاحتلالـ وأن يحقن دماء العرب والمسلمين وأن يجعل الله عز وجل كل أيامنا سَلاَمٌ مثل ليلة القدر، ونسأل الله عز وجل أن يعُم السلام والأمن في ربوع الأرض عمومًا والوطن العربي خصوصًا وأن يحقن دمائنا ويصلح فساد قلوبنا وأن يجعل الجنة مقامنا ومأوانا.
