يوميات طبيب نفسي بغزة :هناك العديد يأتوا للعيادة ويتوهموا أنهم أنبياء أو أولياء صالحين أو ملائكة
غزة - خاص دنيا الوطن - ياسمين أصرف
" أنا ليا طلب عندكم والنبي علشاني في حد معاه تليفون دكتور نفساني أصل العيشة ده معلش همبكه كدب مالوش داعي وكله لابس وش المصلح الاجتماعي" , تلك أغنية شهيرة غناها "حسين الجسمي" تتر لمسلسل "أهل كايرو" التي تعبر عن دراما المسلسل , ولكنها فى الحقيقة تعبر أيضا عن واقع يعيشه الكثير.
"يوميات طبيب نفسي " قد يبدو عنوانا غريباً عند البعض , وقد يكون شيقاً وفضولياً عند آخرين , ولا شك أن هناك من يقول لنفسه لست مجنونا كي أقرأ ذلك التقرير ! , لكن شرف مهنة الطب النفسي جعلتني أترك كرسي المشاهد وأرى ما وراء إسدال الستار , فتلك المهنة هى مهنة احتراف وجمهورها كانوا أشخاص عاديين جدا , ولكن ورائهم قصص عميقة ومختلفة , "دنيا الوطن" استطاعت استخلاص بعضا من "يوميات طبيب نفسي" لتوجه رسالة بأن بعض الحوادث التي ستذكر هنا قد تتكرر ويجب معرفة كيفية التعامل حينها..
اضطرابات نفسية
الطبيب فضل عفانة – أخصائي الطب النفسي بدرجة الماجستير من جامعة باريس 11 بـ فرنسا – والذي يعمل كمدير لعيادة خان يونس للصحة النفسية المجتمعية منذ 2003 م , يؤكد لـ "دنيا الوطن بتزايد نسبة الحالات التي تعانى من الاضطرابات النفسية والقلق العام بعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة , خاصة حالات الأطفال التي تعاني من التأخر الدراسي والاضطرابات السلوكية والصدمات النفسية أيضا , نظرا لطبيعة الحياة الصعبة في غزة والصدمات المتكررة وما يترتب عليها من آثار سلبية لهم و للكبار البالغين أيضا .
Transference " تحويل المشاعر"
وأوضح د.عفانة أن العمل فى مجال الطب النفسي ليس دائما مرهق بل أحيانا كثيرة يكن لطيفا لافتا على سبيل المثال بعض المواقف الممتعة التي تواجهه مع المرضى, مثل حالة تحويل المشاعر التي يقوم بها المرضى احيانا بشكل لاواعي فيعكس مشاعر معينة اتجاه الطبيب المعالج, فعندما تكون مشاعر المريض اتجاه مشكلة معينة أو شخص معين ايجابية أو العكس يعكسها على الطبيب سواء فى الحب أو الكره, وبهذه الحالة قد يحب المريض الطبيب او قد يكرهه.
وعن تلك الحالة ذكر د.عفانة لنا قصة مشابهة فيقول تواجهنا تلك الحالة مع العديد من المرضى المصابين باضطرابات القلق و الاكتئاب اوالاضطراب التحولي الهستيري , مثل مريضة تبلغ من العمر 27 عاما , كانت ترفض الزواج رفضا مطلقا , وكان ذلك يسبب مشكلة كبيرة لأسرتها ولنفسها أيضاخضعت حينها للعلاج النفسي في عيادتي وكان هناك تحسن كبير فى حالتها بعد عدة جلسات علاجية , تفاجأت بعدها بمصارحتها بحبها لي وعرضت علي الزواج وكان ذلك أمر مفاجىء وطريف , وقصة نجاح بأننا استطعنا إنهاء تلك المشكلة وأن يصبح لديها قبول لفكرة الزواج من أى شخص مناسب , يجب على الطبيب هنا ان يتفهم لماذا ظهرت هذه المشاعر و ان يتعامل معها بمهنية و ان يشرح الاسباب و الدوافع للمريض ليوعيه بمشاعره..
المسيح الدجال
أشار د.عفانة إلى العديد من المواقف التي تعتبر غريبة جدا والتي تواجه مهنتهم , مبينا ان تلك الحالات تعاني من اضطرابات ذهانية ويكون المريض وقتها غير مدرك وخارج وعيه بطبيعة حالته , فتصيبه حالات من الضلالات , ويقتبس حالة وهمية وغير منطقية مثل جهاز عسكرى زرع له جهاز تصنت ليسمعوا أفكاره ويحاولون ترصد مكانه ومعرفة ما يفعل , مثل تلك الحالة عرضت على الطبيب فيقول : " لأول مرة أسمع شخص يقول ذلك , فقد جائني مريض ذات يوم فى أول جلسة كتبت له علاج , وفى الجلسة الثانية قال لي :" يا دكتور المخابرات كلمتني عنك وقالتلي انك دكتور كويس وماهر بس العلاج الى كتبته هدا مش لازم تستخدمه بعد هيك , لانه هما راصدينه دير بالك منه ."
ويفسر د. عفانة تلك الحالة بان رفض المريض للعلاج يجعله ينسج الاوهام حوله وتلك تعتبر أوهام اضطهادية يشعر أن جميع الناس تراقبه وبعضها تحاول أن تؤذيه , مع العلم أنه إنسان عادي ولا يعمل فى اى جهاز أمني موضحا أن تلك الضلالات من الممكن أن يستقيها من ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه كالأمور الامنية والعسكرية , وأحيانا الأمور الدينية وهناك العديد يأتوا للعيادة ويتوهموا أنهم أنبياء أو أولياء صالحين أو ملائكة , ومثل تلك الحالات كانت هناك حالة غريبة يسردها د. فضل ويقول :" جاء مريض إلى العيادة يقول: " أنا خلص ظهرت وكل السمات موجودة فيا ولازم كلكم تتبعوني وأنتم عبيد عندي ."
مخاطرة
الطب النفسي من المهن التي تعد نسبة المخاطرة فيها كبيرة إلى حد ما , والتي يجب أن يتحلى المعالج فيها بعدة صفات من أهمها أخذ الحظر التقني والفني , وتجنب الوقوع ببعض المشاكل مع المرضى الذين يعانون من العنف ونسج أوهام خاصة بهم حول المعالج فتكون اكثر خطرا إن كان المريض هنا يعاني من التفكير المضطرب وكره الطبيب فتكون هنا نسبة الخطورة الواقعة على المعالج كبيرة.
ويقول د. عفانة فى هذا الخصوص :" تعرضنا لمواقف عديدة يحمل بها المريض أدوات حادة يحاول مهاجمة الطبيب فيها , ومن تلك المواقف كان خلال أحد الزيارات لمريض في بيته بخان يونس , وقبل فتح الباب لنا وإذ بسماع شخص يكبر بعلو الصوت ويقول "الله أكبر" وعندما فتح الباب لنا رأيناه لابسا جلبية قصيرة ويحمل ساطورا صغيرا ويهرع على جهتنا, وما كان أمامنا سوى أن نغادر ونجري بسرعة خارج المكان من هول المفاجئة والصدمة فلم يكن هناك أى خيار آخر , وبعد ذلك تم تهدئة الأمور وتعاملنا معه وحولناه إلى المستشفى ."
وأفاد د. عفانة أن هناك مواقف عديدة تقابل الطبيب مثل ذلك , وعليه يجب ان يتحلى بالحنكة وان يتعامل مع الأمر بسياسية وخصوصية تامة فتلك من أولويات العمل مع إنسان يأتي هنا يحدثنا عن أقدس ما يملك من مشاعر وأفكار يجب احترامها , والتعامل معها بسرية تامة لزرع الثقة بين المريض والمعالج , فبدونها لا يكلل العلاج بأى نجاح.
نصيحة
نوه د. عفانة لأهالي وأسر قطاع غزة وفلسطين عامة على عدم اقتران الشخص الذي لديه مشكلة نفسيه بالجنون , قائلا :" قصة المشاكل تترك نوعا من التجنب والخوف الشديد عند بعض الأشخاص , فقد يكون أقل وقعا عليهم بأن يقال أنهم مصابين بمرضى سكر أو ضغط على أن يقال لهم انهم مرضى نفسيين , ذلك لاعتبارهم الخاطىء أن اى مشكلة نفسية تساوي الجنون , وهى بعيدة كل البعد عن ذلك , معللا ذلك بأن اى إنسان يتعرض لمشكلة فى حياته أو ضغط نفسي تلك لها حلول وعلاج مثلها مثل اى مشكلة عضوية ممكن أن تنتهي بسلام.
وشدد على حسن التعامل مع تلك الحالات منذ بداية ملاحظة التغير السلوكي للمريض , قائلا :" انه من المؤسف أن بعض الحالات التي تأتي لنا طلبا للعلاج تكون متأخرة ولها سنوات تعاني من مشكلات نفسية , والتعامل معها وقتها كان خاطئا وتسيء للمريض ولا تأتي بأي نتيجة مما يجعلهم يستنجدون بالطبيب النفسي فى آخر المطاف, ولا تساعده من قبل بالتدخل فى الوقت اللازم لحل المشكلة فبعض علاجات تلك الحالات لا تؤتي نفعا وقتها كالعلاج فى الوقت المناسب فى بداية الأمر."
هذا وطالب د. فضل الأهالي بأن يكونوا اكثر وعيا فى تلك الحالات , وعدم التردد فى طلب المساعدة عند ملاحظة تغير سلوك أحد أفراد الأسرة , والتركيز على أطفالهم أيضا خاصة أنهم لا يعرفون التعبير عن مشاكلهم مثل الشخص البالغ .

التعليقات