تجارب الديمقراطية لدى الشعوب غنية...لماذا لا نستفيد منها؟!

تجارب الديمقراطية لدى الشعوب غنية...لماذا لا نستفيد منها؟!
بقلم الأستاذ الدكتور رياض علي العيلة

الشعوب لبعض.. وتستفيد من تجاربها.. والتجربة الاسبانية كما التجربة الأردنية تجربتان غنيتان يستفاد منهما... فمنذ ثمان عقود انقلب الجمهوريون الأسبان على النظام الملكي في اسبانيا...وأسفر هذا الانقلاب  عن نشوب حرب أهلية استمرت ثلاث سنوات..أحرقت فيها الأخضر واليابس...وانتصر فيها الجيش بقيادة الجنرال فرانكو الذي كان قائدا للجيوش الاسبانية في الصحراء المغربية المحتلة...وأعلن نفسه قائدا وزعيما لاسبانيا...دون أن يحدد طبيعة النظام السياسي ملكيا أم جمهوريا...ولكن اتجه خلال حكمه الذي استمر زهاء 39 عاما... إلى تعين  حفيد الملك الفونسو الثالث عشر الذي حكم البلاد قبل الحرب الأهلية... وليا للعهد بعد وفاة الجنرال فرانكو... وقد تميز حكمة بالشدة الغليظة وعدم تبني الديمقراطية... ألا أنه أستطاع - بنفس الوقت - من تحويل بلاد اسبانيا من دولة زراعية بإمكانات متواضعة ..إلى دولة صناعية أدخلت كل أنواع الصناعات إليها ووصلت إلى حد الاكتفاء الذاتي...

وفي عام 1975م توفي الجنرال فرانكو...وبويع ولي العهد خوان كارلوس الأول ملكا لكل الأسبان...وبدأ مسيرة التغيير للنظام السياسي...بحيث أصبحت اسبانيا ملكية برلمانية دستورية فوض الملك مهامه التنفيذية للسلطات الثلاث .. السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الحكومة والسلطة التشريعية مشكلة من غرفتين ويطلق عليهما لاص كورتيس LAS CORTES والسلطة القضائية... على أساس تداول السلطة السلمي عبر الانتخابات الدورية والنزيهة...في ضوء ذلك كلف الملك خوان كالورس الأول....الوزير أدولفو سواريز بتشكيل حكومة برئاسته...مهمتها... إعداد خطة لإصلاح نظام الحكم واستبداله بنظام حكم ديمقراطي بنظام ملكي دستوري يسود ولا يحكم...ووضع دستور جديد للبلاد... وفي عام 1976م تم عرض خطة الإصلاح السياسي  على استفتاء الشعوب الاسبانية التي وافقت عليها بأغلبية كبيرة...وعلى ضوء ذلك تم إعادة كتابة دستور اسباني عصري ديمقراطي...يسمح لكافة الأحزاب السياسية الاسبانية في الداخل والمهجر بالمشاركة في إعداده... وفي عام 1977م...جرت أول انتخابات تشريعية برلمانية...وفاز فيها حزب اتحاد الوسط الديمقراطي الذي تشكل من أحزاب سياسية وشخصيات من الحكومات السابقة برئاسة أدولفو سواريز ...وفي الانتخابات التشريعية التي جرت عام 1982م...بعدما تم السماح لجميع الأحزاب السياسية بالمشاركة فيها (الحزب الاشتراكي العمالي والحزب الشيوعي وأحزاب اليسار واليمين والوسط)...فاز الحزب الاشتراكي العمالي فيها والتزمت باقي الأحزاب اليمينية واليسارية والوسط في نتائجها...واستمر حال التوافق الحزب وتداول السلطة السلمي بينها حتى أصبح يسيطر على البرلمان الاسباني حزبين كبيرين هما الحزب الاشتراكي العمالي  والحزب الشعبي اليميني وهو تكتل من كافة الشخصيات والأحزاب التي تأثرت بالسياسة الفرانكواية...

ومن ناحية أخرى تشكل حالة التجربة الديمقراطية في الأردن التي عنونتها بالديمقراطية والتعددية السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الحكم والتزام الحرية المسئولة في التعبير عن الرأي ودعم حرية الصحافة... نموذجا حيا  يتشابه مع الواقع الفلسطيني حيث بدأت جولاتها في إجراء الحوارات السياسية  برئاسة جلالة الملك عبد الله وقد أسفرت هذه الحوارات إلى اختراقات واسعة في رؤى الأحزاب  السياسية لصالح بناء حياة سياسية أكثر نشاطا وحيوية  وخاصة تلك اللقاءات التي  جمعت الأحزاب السياسية الوطنية والإسلامية واليسارية..وكانت من أبرز نتائجها المشاركة في الانتخابات التشريعية من قبل كافة أطياف الأحزاب السياسية ... وأصبحت نهجا وممارسة تجاوزت حدود وقواعد التجربة لتضرب جذورها في مسيرة الدولة...

أضع هاتين التجربتين  لأنهما تتشابهان إلى حد ما بالوضع الفلسطيني الذي نعيشه منذ ثمان سنوات...بعد إجراء الانتخابات التشريعية عام 2006م وفازت فيها حركة حماس الإسلامية فيها...وأسفرت عن  سيطرتها على قطاع غزة وتشكيل حكومتين منفصلتين... ومن ثم التوافق على تشكيل حكومة وفاق التي لم تتمكن من السيطرة على الأمور في القطاع نظرا لاستمرار حركة حماس في إدارة قطاع غزة...رغم الأوضاع  والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون في قطاع غزة... والتي لا تظهر النية – حتى اللحظة - لديها للرجوع للقانون الأساسي الفلسطيني الذي حدد الانتخابات التشريعية والرئاسية  كل أربعة سنوات...ولكن هذا القانون  ... وإن يحتاج إلى تعديل لكثير من مواده... لا نجد من يلتزم فيه كما التزم من قبل عندما  أجريت الانتخابات التشريعية عام 2006م... لماذا لا نستفيد من التجربة الأردنية التي هي مثل حالتنا كتركيبة سكانية ومنطقة عربية...والتجربة الاسبانية...التجربة الغنية التي استطاعت أن تتبنى نظاما سياسيا ديمقراطيا يرتكز على المشاركة السياسية لكافة الأطياف السياسية من اليمين إلى اليسار إلى الأحزاب الدينية والأحزاب العلمانية... وهاهي متعايشة  منذ 40 عاما...حتى في أسوأ الظروف الاقتصادية التي تعيشها اسبانيا من جراء تأثير الأزمات الاقتصادية العالمية  التي أطاحت باقتصادها واقتصاد دول أوروبية  أخرى...إلا أن المسار الديمقراطي والانتخابات الحرة والاستفتاء وكل أشكال الممارسة الديمقراطية تمارس من أجل تثبيت النهج الديمقراطي في بلادهم...

 

ونحن نعيش في ظل ظروف اقتصادية صعبة وحتى السياسية رغم صعوبتها ..لا يرغب أحد من الفصائل الفلسطينية التنازل من أجل الوطن والقضية...وترفض المشاركة السياسية وتداول السلطة حتى انه كل ما يلوح في الأفق سؤ فهم بين الفصيلين الكبيرين..تنصب الحمم البركانية  على المواطنين وتفرض الضرائب بمسمياتها المتعددة وتجبر المؤسسات وحتى الأفراد على تسديدها وإلا تتحمل ويتحمل المواطن المسؤولية...وتوقف أوضاع البلاد كما الآن بعدما طلب من بعض المؤسسات الاقتصادية تسديد ضرائب... يدعون تسديدها لدى دائرة الضرائب المركزية التابعة لحكومة الوفاق... التي أغلقت دون الرجوع لحكومة الوفاق...فنحن لسنا مدافعين عن المؤسسات الاقتصادية الكبيرة التي تنهش المواطن...ولكن ندافع عن أن تكون الصلاحيات لحكومة الوفاق وليس لجهة أخرى...بناء على قوانين  خاصة ...وينسحب ذلك على جميع المعاملات العادية التي يقوم بها المواطن...حتى أصبحت المؤسسات الحكومية حسب المثل الشعبي (كالمنشار ذاهب  يأكل وراجع يأكل)... إلى جانب الارتفاع الجنوني لرسوم المعاملات المفروضة على المواطن تحت شعار يجب على المواطن  أن يدعم الخزينة...سواء رغب أم لا يرغب...لكي يستمر الانقسام وتستمر الأمور على حالها دون مراعاة للظروف الاقتصادية التي أصبح ما يزيد عن 60% من القوة العاملة  في عداد البطالة...وما يزيد عن 90% تحت خط الفقر ويعتمدون في حياتهم المعيشية على الكوبونات التي يحصلون عليها في فترات متقطعة...وتحت طائلة الإذلال لهذا الشعب...الذي قارع ولا يزال يقاوم الاحتلال طوال سبعة عقود من الزمان...فقد ضحى بكل ما هو غال ورخيص فداء للوطن ووصولا لتحقيق حلمه في الحرية والاستقلال وعودة اللاجئين...

فإلى متى يستمر هذا الحال الفلسطيني...وتجارب الشعوب تؤكد على أنه بالإمكان أن يتعايش الجميع في مجتمع تسوده المحبة والوئام بغض النظر عن الخلفيات السياسية والعقائدية التي يتبنوها... وهذا ما نحتاجه كفلسطينيين الاستفادة من هاتين التجربتين في إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية عبر التوافق الوطني بين كافة أطياف فصائل العمل الوطني  والإسلامي الفلسطيني وخاصة أن المنطقة العربية تتعرض إلى هجمة داعشية تحتاج إلى وقفة جامعة لمواجهة تلك الأخطار المحدقة بالمنطقة  العربية ككل...