خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله
رام الله - دنيا الوطن
ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله في شهر التقوى والغفران؛ شهر العتق من النار والفوز بالجنة. وحتى نبلغ التقوى، لا بدَّ من أن نستهدي بالذين قدّموا للإسلام الكثير في مراحله الأولى، حيث عزّ النّاصر وقلّ المُعين، وبذلوا لأجله التَّضحيات، وواجهوا التَّحدّيات، فكانوا من السّابقين إليه؛ {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}. ومن هؤلاء، أبو طالب عمّ رسول الله(ص) وكافله، الَّذي مرّت علينا ذكرى وفاته في شهر رمضان.
هذا الرجل الَّذي كفِل رسول الله بعد موت جدّه عبد المطلب، فأحسن الكفالة، وهو الذي لم يترك رسول الله(ص) بعدما صدع بالحقّ، بل واكب حركته، فكان الحامي والمدافع عنه وعن رسالته، لموقعه عند قريش، ولما له من حظوة عندهم.
وهنا نستذكر موقفه عندما حاصرت قريش شعب أبي طالب، للضَّغط على رسول الله للتراجع عن رسالته. يومها، وقف أبو طالب مع رسول الله والمسلمين في هذا الحصار مع بني هاشم، وتحمَّل معهم كل نتائجه الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. ومن موقعه، كان يقوم بحماية الرسول(ص) بنفسه، وبعد مرور شطري الليل، كان يطلب منه أن ينام في فراش ولده علي، حتى إذا أرادت قريش اغتياله، لا تصيبه بأذى، بل يفدي به ولده علياً(ع).
ولم يتوانَ عن احتضانه ودعمه شعراً ونثراً وموقفاً وعملاً، ويكفيه أنه أودع علياً عنده لتربيته، لذا، وقف رسول الله يوم وفاته يؤبّنه: "وصلت رحماً وجزيت خيراً يا عم، فلقد ربيت وكفلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً، ثم أقبل على الناس، وقال: أما والله، لأشفعن لعمي شفاعة يعجب منها أهل الثقلين".
لقد وضع أبو طالب كلّ جاهه وموقعه، وكلّ ما عنده، في سبيل خدمة الإسلام وحماية هذا الدين، ولم يجعله مجداً شخصياً، وقد مثّل نموذجاً رسالياً نقتدي به لمواجهة التحديات.
والبداية من لبنان، حيث يستمرّ هذا البلد في حالة التجاذب بين الأفرقاء السياسيين، والذي لم يقف عند حدود ما أصابه من الفراغ الرئاسيّ والشلل النيابيّ، بل أدّى إلى تجميد جلسات مجلس الوزراء إلى أجلٍ نأمل أن لا يكون طويلاً، ما يترك الكثير من التداعيات على هذا البلد، ولا سيما في هذه المرحلة التي تضج بالمتغيرات، والتي لا بدَّ من أن تترك آثارها في مختلف الصعد، ومنها الصعيد الاقتصاديّ.
ومن هنا، تأتي الصَّرخة التي أطلقتها الهيئات والفعاليات الاقتصادية بضرورة الإسراع في معالجة الواقع السياسي، للحؤول دون الانهيار الذي يتهدَّد البلد على هذا الصَّعيد.
إننا ندعو مجدداً، وانطلاقاً من الحرص على تثبيت البلد وتقويته، إلى توفير كلّ الظّروف الّتي تساهم في تحريك العجلة السياسية، والمباشرة بمعالجة الملفات العالقة، لأنّ الجسم المترهّل اقتصادياً وسياسياً، لا يمكنه مواجهة الظروف الصعبة والتداعيات التي تحصل من حولنا.
وفي هذا الوقت، مرّ البلد بقطوع أظهر هشاشة الوضع الداخلي، من خلال عرض الفيلم الذي يشير إلى تعذيب بعض المساجين. وانطلاقاً من قيمنا وديننا وإنسانيتنا، فإننا ندين بشدّة الإساءة إلى أي سجين، وفي أي مكان، بعيداً عن هويته الدينية أو المذهبية، وبعيداً عن مدى الجرم الذي ارتكبه، والأهداف التي توخاها المسرِّبون لهذا الفيلم، ونشدّد على كل القيادات الدينيَّة والسياسيَّة إبعاد الشارع عن أي صراع أو تجاذب داخلي، لكون النزول إلى الشارع في هذه المرحلة، سيجعل البلد في مهبّ رياح المصطادين في الماء العكِر، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى من يعقلِن الشارع، ويخرجه من توتّره، ويحميه من عبث العابثين.
ونعيد التّأكيد على كلّ القيادات ضرورة الخروج من الخطاب التوتيري والكلام المثير للأحقاد، وعدم إطلاق الاتهامات الجاهزة وإلقاء التهم جزافاً، في مرحلة تضجّ فيها الأرض بالعصبيات والحساسيات والتوترات الطائفية، ففعل الكلمة في هذه المرحلة قد يكون أشدّ من فعل السلاح، وهنا نستحضر بيت الشعر:
جراحات السِنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان
ونحن هنا، نثمّن كلّ التحركات والمواقف التي سارعت إلى احتواء هذا التوتّر وأخرجته من الشارع، ليعالج، كما ينبغي، عبر القضاء والجهات المختصة، وبعيداً عن أجواء التوتر الحاد. وعلينا الاستفادة مما جرى لتعطيل القنبلة الموقوتة دائماً، وهي ما يسمى مسألة السجناء الإسلاميين، ومعالجتها، وإنهاء هذا الملف وموضوع السجون كلّها، هذه السجون التي ينبغي أن تكون أوضاعها متناسبةً مع الشروط الإنسانيَّة المطلوبة في لبنان؛ بلد القيم والإنسان.
وإلى سوريا، حيث تتسارع التطوّرات العسكرية الأخيرة، والتي راح يدرجها البعض في سياق إنهاء هذه الحرب لحساب فريق على آخر. إننا أمام ما يجري، نعيد تأكيد عدم التسرّع في الرهان على ذلك، في ظل استمرار التعقيدات الداخلية والخارجية المعيقة، حيث يبقى الصراع في هذا البلد في دائرة الاستنزاف المستمر لكل مواقع الصراع فيه، فلا يزال القرار الآن عدم حسم الأمور فيه، وإبقاءها في إطار توازن القوى، إلى أن تستوي الطبخة الإقليمية والدولية للمنطقة.
وفي هذا المجال، لا بدَّ من التنبّه من سعي العدو الصهيوني لإحداث اختراقات في النسيج الاجتماعي السوري، تارة من خلال التطبيع مع كيانات فاعلة من المعارضة ودعمها، وطوراً من خلال عرض الحماية على هذه الطائفة أو تلك، للانسجام مع تطورات اقتراب تفكك الدولة وسقوط النظام، كما يشاع.
إننا نريد للسوريين جميعاً الحذر من الوقوع في الفخ الصهيوني، الذي خبرنا جيداً المضاعفات المدمّرة لدوره في تغذية الصراعات الطائفية، والتي عايشناها مع هذا العدوّ في الحرب الأهلية، وبعد احتلاله للبنان.
وعلى الصّعيد الفلسطينيّ، لا بدَّ من الإشارة إلى أهميّة الدَّعوى الأولى التي قامت برفعها السّلطة الفلسطينية ضد جرائم الكيان الصهيوني المستمرة في غزّة والضفة الغربية، وإن كانت هذه الدّعوى قد لا تترك أثراً كبيراً في هذا الكيان، وقد لا تحقق النتائج المنشودة، في ظل الحصانة التي تؤمّنها له الدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، لكنها خطوة تساهم في فضح هذا الكيان ومشاريعه، وتزيد من عزلته.
وأخيراً، علينا في هذا الشهر الكريم، الذي هو شهر تذكُّر كل الذين يعانون ويتألمون، أن نستذكر كل أسرانا، ولا سيما الأسرى الموجودون في سجون العدو الصهيوني، الذين يتعرضون لأبشع أنواع الضغوط وعمليات التعذيب النفسي والجسدي، لنتضامن مع هؤلاء جميعاً، ولنعمل على تحريك قضيتهم على المستويات الشعبية والإعلامية، وفي كل المنتديات العالمية. ومن بين هؤلاء، الأسير الشيخ عدنان خضر، الَّذي مضى أكثر من خمسين يوماً على إضرابه عن الطعام. نسأل الله أن يفكّ أسر كلّ أسير، ويفرِّج عن كل مكروب.
ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله في شهر التقوى والغفران؛ شهر العتق من النار والفوز بالجنة. وحتى نبلغ التقوى، لا بدَّ من أن نستهدي بالذين قدّموا للإسلام الكثير في مراحله الأولى، حيث عزّ النّاصر وقلّ المُعين، وبذلوا لأجله التَّضحيات، وواجهوا التَّحدّيات، فكانوا من السّابقين إليه؛ {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}. ومن هؤلاء، أبو طالب عمّ رسول الله(ص) وكافله، الَّذي مرّت علينا ذكرى وفاته في شهر رمضان.
هذا الرجل الَّذي كفِل رسول الله بعد موت جدّه عبد المطلب، فأحسن الكفالة، وهو الذي لم يترك رسول الله(ص) بعدما صدع بالحقّ، بل واكب حركته، فكان الحامي والمدافع عنه وعن رسالته، لموقعه عند قريش، ولما له من حظوة عندهم.
وهنا نستذكر موقفه عندما حاصرت قريش شعب أبي طالب، للضَّغط على رسول الله للتراجع عن رسالته. يومها، وقف أبو طالب مع رسول الله والمسلمين في هذا الحصار مع بني هاشم، وتحمَّل معهم كل نتائجه الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. ومن موقعه، كان يقوم بحماية الرسول(ص) بنفسه، وبعد مرور شطري الليل، كان يطلب منه أن ينام في فراش ولده علي، حتى إذا أرادت قريش اغتياله، لا تصيبه بأذى، بل يفدي به ولده علياً(ع).
ولم يتوانَ عن احتضانه ودعمه شعراً ونثراً وموقفاً وعملاً، ويكفيه أنه أودع علياً عنده لتربيته، لذا، وقف رسول الله يوم وفاته يؤبّنه: "وصلت رحماً وجزيت خيراً يا عم، فلقد ربيت وكفلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً، ثم أقبل على الناس، وقال: أما والله، لأشفعن لعمي شفاعة يعجب منها أهل الثقلين".
لقد وضع أبو طالب كلّ جاهه وموقعه، وكلّ ما عنده، في سبيل خدمة الإسلام وحماية هذا الدين، ولم يجعله مجداً شخصياً، وقد مثّل نموذجاً رسالياً نقتدي به لمواجهة التحديات.
والبداية من لبنان، حيث يستمرّ هذا البلد في حالة التجاذب بين الأفرقاء السياسيين، والذي لم يقف عند حدود ما أصابه من الفراغ الرئاسيّ والشلل النيابيّ، بل أدّى إلى تجميد جلسات مجلس الوزراء إلى أجلٍ نأمل أن لا يكون طويلاً، ما يترك الكثير من التداعيات على هذا البلد، ولا سيما في هذه المرحلة التي تضج بالمتغيرات، والتي لا بدَّ من أن تترك آثارها في مختلف الصعد، ومنها الصعيد الاقتصاديّ.
ومن هنا، تأتي الصَّرخة التي أطلقتها الهيئات والفعاليات الاقتصادية بضرورة الإسراع في معالجة الواقع السياسي، للحؤول دون الانهيار الذي يتهدَّد البلد على هذا الصَّعيد.
إننا ندعو مجدداً، وانطلاقاً من الحرص على تثبيت البلد وتقويته، إلى توفير كلّ الظّروف الّتي تساهم في تحريك العجلة السياسية، والمباشرة بمعالجة الملفات العالقة، لأنّ الجسم المترهّل اقتصادياً وسياسياً، لا يمكنه مواجهة الظروف الصعبة والتداعيات التي تحصل من حولنا.
وفي هذا الوقت، مرّ البلد بقطوع أظهر هشاشة الوضع الداخلي، من خلال عرض الفيلم الذي يشير إلى تعذيب بعض المساجين. وانطلاقاً من قيمنا وديننا وإنسانيتنا، فإننا ندين بشدّة الإساءة إلى أي سجين، وفي أي مكان، بعيداً عن هويته الدينية أو المذهبية، وبعيداً عن مدى الجرم الذي ارتكبه، والأهداف التي توخاها المسرِّبون لهذا الفيلم، ونشدّد على كل القيادات الدينيَّة والسياسيَّة إبعاد الشارع عن أي صراع أو تجاذب داخلي، لكون النزول إلى الشارع في هذه المرحلة، سيجعل البلد في مهبّ رياح المصطادين في الماء العكِر، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى من يعقلِن الشارع، ويخرجه من توتّره، ويحميه من عبث العابثين.
ونعيد التّأكيد على كلّ القيادات ضرورة الخروج من الخطاب التوتيري والكلام المثير للأحقاد، وعدم إطلاق الاتهامات الجاهزة وإلقاء التهم جزافاً، في مرحلة تضجّ فيها الأرض بالعصبيات والحساسيات والتوترات الطائفية، ففعل الكلمة في هذه المرحلة قد يكون أشدّ من فعل السلاح، وهنا نستحضر بيت الشعر:
جراحات السِنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان
ونحن هنا، نثمّن كلّ التحركات والمواقف التي سارعت إلى احتواء هذا التوتّر وأخرجته من الشارع، ليعالج، كما ينبغي، عبر القضاء والجهات المختصة، وبعيداً عن أجواء التوتر الحاد. وعلينا الاستفادة مما جرى لتعطيل القنبلة الموقوتة دائماً، وهي ما يسمى مسألة السجناء الإسلاميين، ومعالجتها، وإنهاء هذا الملف وموضوع السجون كلّها، هذه السجون التي ينبغي أن تكون أوضاعها متناسبةً مع الشروط الإنسانيَّة المطلوبة في لبنان؛ بلد القيم والإنسان.
وإلى سوريا، حيث تتسارع التطوّرات العسكرية الأخيرة، والتي راح يدرجها البعض في سياق إنهاء هذه الحرب لحساب فريق على آخر. إننا أمام ما يجري، نعيد تأكيد عدم التسرّع في الرهان على ذلك، في ظل استمرار التعقيدات الداخلية والخارجية المعيقة، حيث يبقى الصراع في هذا البلد في دائرة الاستنزاف المستمر لكل مواقع الصراع فيه، فلا يزال القرار الآن عدم حسم الأمور فيه، وإبقاءها في إطار توازن القوى، إلى أن تستوي الطبخة الإقليمية والدولية للمنطقة.
وفي هذا المجال، لا بدَّ من التنبّه من سعي العدو الصهيوني لإحداث اختراقات في النسيج الاجتماعي السوري، تارة من خلال التطبيع مع كيانات فاعلة من المعارضة ودعمها، وطوراً من خلال عرض الحماية على هذه الطائفة أو تلك، للانسجام مع تطورات اقتراب تفكك الدولة وسقوط النظام، كما يشاع.
إننا نريد للسوريين جميعاً الحذر من الوقوع في الفخ الصهيوني، الذي خبرنا جيداً المضاعفات المدمّرة لدوره في تغذية الصراعات الطائفية، والتي عايشناها مع هذا العدوّ في الحرب الأهلية، وبعد احتلاله للبنان.
وعلى الصّعيد الفلسطينيّ، لا بدَّ من الإشارة إلى أهميّة الدَّعوى الأولى التي قامت برفعها السّلطة الفلسطينية ضد جرائم الكيان الصهيوني المستمرة في غزّة والضفة الغربية، وإن كانت هذه الدّعوى قد لا تترك أثراً كبيراً في هذا الكيان، وقد لا تحقق النتائج المنشودة، في ظل الحصانة التي تؤمّنها له الدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، لكنها خطوة تساهم في فضح هذا الكيان ومشاريعه، وتزيد من عزلته.
وأخيراً، علينا في هذا الشهر الكريم، الذي هو شهر تذكُّر كل الذين يعانون ويتألمون، أن نستذكر كل أسرانا، ولا سيما الأسرى الموجودون في سجون العدو الصهيوني، الذين يتعرضون لأبشع أنواع الضغوط وعمليات التعذيب النفسي والجسدي، لنتضامن مع هؤلاء جميعاً، ولنعمل على تحريك قضيتهم على المستويات الشعبية والإعلامية، وفي كل المنتديات العالمية. ومن بين هؤلاء، الأسير الشيخ عدنان خضر، الَّذي مضى أكثر من خمسين يوماً على إضرابه عن الطعام. نسأل الله أن يفكّ أسر كلّ أسير، ويفرِّج عن كل مكروب.

التعليقات