من هم المعسرين في السجون اليمنية ؟؟

تعد قضايا المعسرين في السجون اليمنية من القضايا المعقدة التي تحمل في طياتها الجرم والظلم والمأساة الاجتماعية من جانب والفراغ القانوني والنسيان من جانب آخر، فمحددات قضية المعسرين لا تخرج عن دائن ومدين في أحيان كثيرة يقف جميعهم أمام القضاء ضحايا، ولا فرق بين الجاني والمجني عليه.

ورغم معاناة السجناء المعسرين والمآسي التي تترتب على سجنهم إلا إن المشرع اليمني لم يعالج حتى الآن قضية السجن المفتوح للسجناء المعسرين، فمعظم المعسرين الذين حكموا بالسجن على خلفية حقوق للغير تتوقف مصادر رزقهم وتتعطل مصالحهم التجارية بسبب البقاء في السجن والبعض منهم تعايش أسرهم التشرد بسبب عرض منازلهم ومحلاتهم التجارية للبيع بالمزاد العلني من قبل المحاكم التجارية بغرض سداد الدائن للديون المستحقة له من المدين الذي يؤول مصيره إلى السجن .

يصنف المعسرون في السجون اليمنية إلى عدة شرائح،سوف نتاولاها بالتفصيل:

الشريحة الأولى تتمثل بمعسري الحوادث المرورية الذين تصدر بحقهم أحكام إلزامية تضع الجاني بغير عمد أمام خيارين لا ثالث لهما، إما دفع ديات الضحايا وأروش المصابين أو السجن حتى يكتب الله له فرجا.

أما الشريحة الثانية من السجناء المعسرين القابعين خلف الأسوار فهم ضحايا الإفلاس والخلافات التجارية بين شركاء أو عملاء أو المتهمين بخيانة الامانه من قبل أرباب العمل اوالمتهمين بإصدار شيكات دون رصيد، ، ومعظمهم تصدر بحقهم أحكام لا حدود زمنية للسجن، وتصل المبالغ المالية المستحقة للغير عشرات بل مئات الملايين.

الشريحة الثالثة وهي من الشرائح التي تتحرك النيابات من أجلها فهي خليط من أرباب السوابق وصغار المعسرين الذين ليس لدى معظمهم غرماء، حيث يعزف الغريم عن متابعة القضاء عنهم فتحكم المحكمة بإعادة المسروقات أو دفع ثمنها وغالبا ما يتم الإفراج عنهم لكثرتهم ولقلة المديونية المستحقة عليهم التي تسهل عمل لجان الإعسار وفاعلي الخير .

الشريحة الرابعة وتعد من الشرائح المعقدة لارتباط عسرها بقضايا قتل غير عمدي وأحكام الديات أو سقوط حكم الإعدام عليهم بمقتضى أحكام قبلية أو تصالح يفضي إلى إسقاط الإعدام مقابل القبول بعدة ديات، ولعدم قدرة القاتل وأسرته على دفع الديات المقررة يظل رهينة سداد حق الغير من الديات وبحكم المعسر، وكانت هذه الشريحة بالذات تحضى باهتمام المتصدقين من رجال مال وأعمال قبل تعديل قانون الديات ورفعها من 550 الف ريال إلى أكثر من خمسة مليون ريال ولكن لا يزال عدد من التجار يفرجون عن العشرات منهم ويعتقون رقابهم.

الشريحة الخامسة وتتمثل بكبار المعسرين وهم قلة في السجون اليمنية وهم من تتجاوز مديونياتهم عشرات الملايين إلى مئات الملايين وهناك البعض تصل مديونياتهم إلى مليارات الريالات ومعظمهم إفلاس تجارة عامة ولكنهم قلما يفرج عن عدد من كبار المعسرين بسبب عدم قدرة المحسنين على دفع ما عليهم من مديونيات للغير والكثير من كبار المعسرين يموتون بأمراض مزمنة يصيبون بها داخل السجون.

ونظراً لبقائهم لسنوات كثيرة في السجون وتوقف نشاطهم التجاري خصوصاً التجار الذين أفلسوا فان هناك لجان خاصة للتفاوض مع الدائيين وأصحاب الحقوق للتنازل عن أجزاء من المبالغ المستحقة لهم والقبول بجزء منه والإفراج عن المعسر حتى وان تبقى علية من المال بضمانة مسلم في حال عدم تسليم ماتبقي من حقوق للغير .

المنظمات العالمية والقانون الدولي لحقوق الإنسان يحظر سجن المعسر بسبب عدم قدرته على سداد حقوق لغير.

وأشارت منظمة"هيومن رايتس ووتش" في تقريرا لها عن السجناء المعسرين في اليمن : إن القانون الدولي لحقوق الإنسان يحظر حرمان أي شخص من حريته بسبب إخفاقه في الوفاء بالتزام تعاقدي.

وأشارت الى ان القانون الدولي لحقوق الإنسان يلزم الحكومات بسن قوانين تمنع حبس العاجزين عن سداد ديونهم ، وعلاوة على ذلك، قد يواجه السجناء العاجزون عن سداد الديون أو الغرامات عقوبات بالسجن لأجل غير مُسمى، لا صلة لها بالأحكام الصادرة بحقهم، ولهذا فإن حبسهم قد يرقى إلى حد المعاملة القاسية واللا إنسانية ويُعد انتهاكاً لحظر القانون الدولي للأحكام غير المتناسبة.