العقل السياسي الإسرائيلي ...ذاكرة قصيرة الأمد وهوائية عالية

العقل السياسي الإسرائيلي ...ذاكرة قصيرة الأمد وهوائية عالية
بقلم / المهندس نهاد الخطيب                                          

مهندس وباحث في العلاقات الدولية


          يبدو أن فهم التاريخ يعتبرشرطًاً ضروريا لفهم الواقع في كل مناحي لحياة تقريباً،والظاهرة الاسرائيلية بالقطع ليست اشتثناءً، فعند استعراض قصة نجاة بنو اسرائيل من الغرق ، وهم في معية سيدنا موسى ، وما ارتبط مع ذلك من التدخل الإلهي الإعجازي بفلق البحر ، وإغراق قوم فرعون في نفس المشهد. كان ذلك من المفروض أن يزيد يقينهم بالحقيقة الإلهية ووحدانيتها ، ولكن العجيب أنهم بمجرد أن خرجوا من اليم ، حيث مازالت ذكريات المعجزة الربانية طازجة في أذهانهم ،وجدوا أناس يعكفون على أصنام يعبدونها ، ذلك المظهر الشركي الصارخ ، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم أصنام ألهة يعبدونها .

        الشاهد في هذه القصة القرآنية شيئيين أنهم نسوا بسرعة المغزى من التدخل الإلهي لصالحهم وأن عقولهم اتجهت الى مشهد يبدو براقاً ، من وجهة نظرهم، ولم يستطيعوا أن يقاوموا إغرائه  رغم أنه مناف للعقل والفطرة .

         ونعود الى الحاضر لنشير الى تصريحات رئيس وزراء دولة الكيان الصهيوني الذي يهدد بإعادة احتلال الضفة الغربية واعتقال الرئيس أبو مازن ، فاعتقال الرئيس أبو مازن شرف له فهو قد عاش مناضلا والاعتقال سياق طبيعي ونهاية طبيعية للمناضلين .

        ولكن ما يستحق التوقف عنده أكثر هو مسألة عودة الاحتلال المباشر والإدارة الاسرائيلية المباشرة للضفة الغربية ، وكأن السيد نتنياهو قد نسي انتفاضات الشعب الفلسطيني وكفاحه البطولي الذي أجبر أسلافه على إقامة سلطة فلسطينية، كان من المتصور أنها تمهد لقيام الدولة فعلياً وبسيادةً كاملة على حدود الرابع من حزيران كحد أدني .

          يبدو أن هوى السيد نتنياهو قد دفعة الى التفكير بخيارات بائسة اسرائيلياً ويبدو كذلك أن ذاكرته لم تسعفه بإستحضار مشاهد الصمود الفلسطيني ولم تسعفه كذلك بإستحضار فكرة أن الفلسطينيون قد قرروا وبقصد ولأسباب وطنية بعدم تسليح الضفة الغربية حتى لا يلجأ الإسرائليون الى خيارات متطرفة .

            ورغم أنني لا أتمنى عودة الإحتلال المباشر أو بمعنى أخر اختفاء أي شكل سلطوي فلسطيني بين الفسطينيون والإحتلال في الضفة وغزة  ، لأنني مدرك تماما لفداحة الثمن الذي سندفعه في إطار حرب الإستقلال المقدسة إلا أنني أرى أن ذلك سيعيد الحالة الكفاحية الفلسطينية الى وضعها الطبيعى .وسيظهر للعالم مرة أخرى فظاعة وقبح الإحتلال بعد خروج الفلسطينيون من  خدعة الإنجاز الوهمي -السلطة - التي سوُغت للفلسطينيين تعذيب وقتل بعضهم من أجل الدفاع عن إنجاز وهمي .

        سيجد نتنياهو نفسه وجيشه هذه المرة أمام شعب أكثر وعياً ونضجاً واتحاداً وتصميماً في ظل بيئة اقليمية ليست بالضرورة في صالح اسرائيل. أدعو الله أن يرتكب نتنياهو حماقته ،ليثبت مرة أخرى ضعف الذاكرة السياسية الاسرائيلية وهوائيتهم العالية     يرحمكم الله.