رفقا بفقراء رمضان

رفقا بفقراء رمضان
حنين ارجوب
"إذا دخل الفقر من الباب هرب الحب من الشباك " "الفقر أخو الكفر" , " الفقر في الوطن غربة", "الفقير يحيى كما تحترق الرطوبة", " يبحث الفقير عن الغذاء والغني عن الشهية", " نهار الفقير طويل" .

جميعها عبارات وأمثال عربية وغربية قيلت في الفقر ,  لتصف الحال المأساوية التي يعاني منها الفقير في جميع أنحاء العالم , وتقتبس في عبارة قصيرة , تحمل في طياتها آهات وأسى تعجز الكلمات عن وصفه والإتيان بكلمات تعبر عن هذا الواقع .

فالفقير إنسان من لحم ودم , إنسان حرم الكثير الكثير من النعم التي يتمتع بها أي شخص آخر  ,إنسان يحرق نفسه من أؤجل تأمين لقمة عيش مهما كانت صغيرة لتسد رمق أطفال ينتظرونه كما تنتظر صغار العصافير عودة الأم إلى العش لتضع اللقمة في فمها .

وما يلفت النظر في جميع المجتمعات الإنسانية وخاصة الإسلامية منها , أن الغني لا يهتم بأمر الفقير إلا خلال شهر رمضان المبارك , هذا وإن اهتم بأمره , فساعات قليلة تفصلنا عن دخول شهر المغفرة شهر العطاء شهر الرحمة شهر الصدقات , الشهر الذي يتساوى فيه الغني مع الفقير أمام الله في أداء عبادة الصيام , في التسبيح , في الوقوف بجانب بعضهم بعضا في صفوف صلاة التراويح , ففي العبادة أمام رب العباد لا يوجد غني ولا فقير فكيف لكم أن تجعلوا فروقات بينكم في الحياة ؟

وعند المقارنة بين حال الغني والفقير في شهر رمضان وحده , نجد فروقات ناسف عند ذكرها ففي الوقت الذي تكاد تفيض فيه موائد الأغنياء من الأطعمة المكدسة فوقها , يكون الفقير جالسا يبحث عن شيء يغمس به لقمة الخبز اليابس , وفي الوقت الذي ينشغل فيه الأغنياء في تصوير موائدهم للتباهي فيها أمام الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء انتظارهم للأذان , ينشغل تفكير الفقير في إذا كان ما حصله من طعام يكفي لسد رمق عائلته وأطفاله الصيام , وفي الوقت الذي يرمي به الغني نصف ما تبقى على مائدته الضخمة من طعام في مجمعا النفايات , ينشغل الفقير في البحث عن إفطار اليوم التالي لأبنائه ليسد رمقهم .

فحكاية الفقير مع الصيام حكاية ,  فجميعنا يدرك انه في الشهر الفضيل تكثر البسطات التي تحمل العصائر بألوانها المغرية وعلب المخللات الشهية واللحوم المعلقة والخضار والفاكهة والحلويات , التي يقبل الجميع على شرائها ليشبع أمعاءه بها بعد أن أشبعت عيناه , أما الفقير فيكفيه النظر إلى تلك المأكولات التي يكون تذوقها مجرد أمنية له ويكتفي بشراء الأساسيات من خبز وأرز هذا أن تمكن من ذلك .

وهنالك عبارة تقول " إن سالت عن العفة والكرامة فانك ستجدها في نفوس الفقراء" ,  وهذه عبارة صحيحة فالفقير عفيف النفس تمسك به كرامته عن طلب العطاء من الأغنياء حتى وان نام خاوي   الأمعاء , وكثير من الأغنياء يعرف أن جاره أو قريبه فقير أو مريض أو غير قادر على تامين لقمة عيش لأطفاله فلماذا لا يقدم له مساعدة بسيطة تكون بالنسبة له أمر عظيم ؟.

فهكذا تستمر حكاية الفقراء خلال شهر الرحمة التي فقدت فيه الرحمة عند الكثيرين , لتأتي أيام العيد والتي تحمل معاناة جديدة خاصة لأطفال الفقراء , إذ أن الطفولة لا تعرف معنى الفقر والحرمان , بل تعرف التسلية واللعب والحصول على الثياب الجديدة والألعاب بأي طريقة ليعيشوا أجواء العيد كغيرهم من الأطفال , وهنا تبدأ حكاية معاناة جديدة لعدم إشعار الأطفال بنقص أو حرمان عن نظرائهم  لكن ليس هنالك من يراعي حالة الفقير خاصة في الأيام الأخيرة من الشهر التي ترتفع بها أسعار الملابس بشكل غير طبيعي فرفقا أيها التجار بأطفال الفقراء فلا أظن أن تبرعكم بالقليل من الملابس سيخسر لكم تجارتكم أو حتى التخفيض من سعرها لتفرح قلب طفل محروم .

فلو جلسنا دقيقة مع نفسنا لنفكر في الكمية التي نلقيها في النفايات من الطعام ونفكر في أمعاء خاوية ونفكر في أب يعتصر ألما عند رؤية دمعة ابنه المحروم ونفكر في عناء أرملة جار عليها الزمن ونفكر في ابتسامة فقير تفضحها المعاناة الموجودة في عين صاحبها لما كان هنالك فقراء في بلادنا وما كان هنالك طفل اكبر أمنياته لعبة وثوب جديد وما كان هنالك أب يحرق نفسه لتامين ما يغمس في قطعة خبز عانى كثيرا من اجل الحصول عليها .
حنين ارجوب